الشعر الأيوبي في الدراسات الحديثة والمعاصرة,سيميولوجيا العرض المسرحي,النقد المعاصر,النقد ما بعد الحداثى,الحديث,الشعر,النقد الأدبي,المنهج الأسلوبي,الموضوع: نظري
الشعر الأيوبي في الدراسات الحديثة والمعاصرة,سيميولوجيا العرض المسرحي,النقد المعاصر,النقد ما بعد الحداثى,الحديث,الشعر,النقد الأدبي,المنهج الأسلوبي,الموضوع: نظري

الشعر الأيوبي في الدراسات الحديثة والمعاصرة

الشعر الأيوبي، قُسم الأدب العربي تقسيماً تاريخياً إلى عصور مختلفة ، كل قسم يُدرس من خلال فترة قائمة بنفسها، لها مميزاتها، وخصائصها الفنية، بدءاً من العصر الجاهلي وانتهاء بالعصر الحديث.

وفي إطار هذا التقسيم التاريخي للأدب، وصفت بعض العصور بالقوة والازدهار ووصفت عصوراً أخرى بالجمود والانحطاط أو الانحدار.

ولعل من العصور التي وصفت بالجمود والانحطاط هو العصر الأيوبي، (الشعر الأيوبي) والذي بدأ سنة تسع وستين بعد الخمسمائة وانتهى سنة ثمان وأربعين بعد الستمائة، وتعاقب العصر عدداً من الحكام وتوالت فيه الأحداث الكبرى كالحروب الصليبية واسترداد بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي مؤسس الدولة الأيوبية سنة ثلاث وثمانين بعد الخمسمائة.

وعلى الرغم من أن العصر الأيوبي اتسم بقوة نفوذ سلاطينه وهيبتهم مما أثمر نهضة شملت مناحي الحياة المختلفة السياسية والاقتصادية والفكر والأدب والفنون” فأننا نجد اتهاماً للدولة الأيوبية بجفاف الذوق ونضوب روح الشعر، وإن موقف الحكام يتمثل في المجاراة لما كان يسود المجتمع فشارك بعضهم أو معظمهم مجارة لتقليد اجتماعي

ولقد حظي الأدب في العصر الأيوبي بعدد من الدراسات في العصر الحديث إذ التفتت إليه جملة من الدارسين والباحثين، وقد أُفرد هذا العصر بدراسات أدبية مستقلة تارةً، وتارة بوضع أدب ذلك العصر ضمن ما يسمى أدب الحروب الصليبية، وتارة أخرى بوضع الأدب الأيوبي ضمن قائمة أدب الدولة المتتابعة أو أدب الانحدار أو الانحطاط وغيرها من المسميات التي وضعت الأدب والشعر الأيوبي ضمن هذه الفترة وهذه الحقبة.

عنوان البحث

اتسمت الدراسات الحديثة التي ناقشت الأدب الأيوبي بتعدد الآراء وتباينها وتنوع الجهد النقدي فيها ولاسيما الشعر، فكانت تلك هي البداية التي خرج منها هذا الموضوع، بعنوان  (الشعر الأيوبي في الدراسات الحديثة والمعاصرة) .

أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

لم أجد دراسة سابقة أو مماثلة على حد – معرفتي – ناقشت الشعر الأيوبي في الدراسات الحديثة والمعاصرة، فكانت جدة الموضوع من أهم أسباب اختياره.

وجود عدد كبير من الدراسات الحديثة والمتنوعة حول الأدب والشعر الأيوبي سواء من الكتب والأبحاث المنشورة أو الأطروحات الجامعية كرسائل الماجستير والدكتوراه مما شكل مادة جيدة للبحث والنقد.

مما يزيد هذه الدراسة أهمية هو معرفة الاتجاهات والتي تناول بها النقاد دراسة أدب هذه الحقبة (العصر الأيوبي) ومدى فعاليتها في إبراز جوانب القوة والضعف.

مشكلات البحث وفروضه:

قد يكون العنوان موضحا للمشكلة التي يتناولها البحث , وهي معرفة موقف  الدراسات الحديثة من الشعر الأيوبي، وكيف كان موقف هؤلاء الدارسين من الموضوعات والأغراض الشعرية وكيف تعاملوا مع الظواهر الفنية في شعر العصر الأيوبي كاللغة والصورة والخيال والموسيقى الشعرية, ثم عرض نماذج لتناول الباحثين لبعض شعراء ذلك العصر , وسوف تكون الدراسة قائمة على فرضين:

  1. الاتجاهات والمناهج التي سلكتها الدراسات الحديثة في تعاملها مع الشعر الأيوبي.

2- مدى اسهام هذه الاتجاهات والمناهج في كشف جوانب القوة والضعف في الشعر الأيوبي .

وسوف أذكر بعض هذه الدراسات وهي على سبيل التمثيل لا الحصر.

الحياة الأدبية في عصور الحروب الصليبية بمصر والشام أحمد أحمد بدوي.

الأدب في العصر الأيوبي، محمد سلام زغلول.

الحركة الفكرية في مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي الأول، عبداللطيف حمزة.

الأدب المصري من قيام الدولة الأيوبية إلى مجي الحملة الفرنسية، عبداللطيف حمزة.

دراسات في الشعر في عصر الأيوبيين، محمد كامل حسنين.

الحركة الشعرية في زمن الأيوبيين، أحمد فوزي الهيب.

الأدب العربي من الانحدار إلى الازدهار ، جودت الركابي.

الأدب العربي في مصر من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر  الأيوبي، محمود مصطفى وشوقي ضيف.

شعر الجهاد في الحروب الصليبية – محمد الهرفي.

دراسات في الأدب العربي في ظل الدولة الأيوبية/ ناظم رشيد.

الدراسات السابقة:

لم أجد دراسة مماثلة على حد – معرفتي-لهذه الدراسة , ولكن هنالك بعض الدراسات التي قد تكون موازية لها ,واذكر منها على سبيل المثال :

  1. آليات الخطاب النقدي الحديث في مقاربة الشعر الجاهلي , بحث في تجليات القراءة السياقية , محمد بلوحي , نسخة الكترونية من منشورات اتحاد كتاب العرب دمشق 2004, ويسعى هذا البحث لتفحص المقولات للمناهج النقدية الحديثة في أصولها الغربية وكيف استطاع الخطاب النقدي العربي الحديث أن يستثمرها في مقاربة التراث وخاصة الشعر الجاهلي.
  2. الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث , محمد بلوحي ,نسخة الكترونية من منشورات اتحاد كتاب العرب ,دمشق 2006 , وينطلق من صلاحية المناهج النقدية المتبعة في قراءة الإبداع والظواهر الأدبية.
  3. تلقي شعر التراث في النقد العربي الحديث , زياد مقدادي , دار عالم الكتب الحديثة 2012, ويكشف هذا الكتاب عن منطلقات النقاد والدارسين في تلقيهم لشعر التراث , خاصة شعر العصر العباسي الذي فرض واقعا شعريا جديدا.
  4. الاتجاهات النقدية الحديثة في تلقي النص الشعري عند محمود درويش ,رسالة من إعداد فتحي رزق الخوالدة , جامعة مؤتة 2009, وتحاول هذه الدراسة الوقوف على الاتجاهات النقدية الحديثة وتحاور النص في ضوء تلقيه في مشهد النقد العربي مع رصد لفاعلية المناهج النصية.

منهج البحث:

تتطلب هذه الدراسة أن أقوم بجمع آراء الباحثين والدارسين وتحليلها وعرضها وفق ترتيبها التاريخي لظهور هذه الدراسات , 

وقد رأيت أن أستعين بالمنهج الوصفي في رصد أهم الإشارات والآراء والقراءات النقدية .

(الخطة قابلة للتعديل زيادة ونقصاناً، تقديماً وتأخيراً حسب طبيعة المادة العلمية ومتطلبات البحث).

وفي الختام أتوجه بالشكر الجزيل والتقدير الصادق إلى سعادة الدكتور الفاضل/ عبدالله الزهراني، والذي بيده الكريمة وضعت البذرة الأولى لهذا الموضوع سائله الله – عز وجل- أن يطيل في عمره ويحسن له الجزاء.

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التمهيد.

المبحث الأول: نشأة الدولة الأيوبية

بدأ ظهور الأيوبيين مع ظهور الدولة الزنكية والتى نشئوا من خلالها، وعاشوا في خدمتها فى مرحلة من أهم وأخطر مراحل التاريخ الإسلامي حرجاً, فقد تعرض العالم الإسلامي في الشرق لهجوم عُرِفَ باسم الحروب الصليبية،  في نفس الوقت التي تمر فيه الأمة الإسلامية بحالٍ من التفكك والضعف الشديد في كيانها, حني أصبح الوضع يحتاج إلى رجل قوي ينقذ العالم الإسلامي من  هّم الفرقة والانقسام, ويوحدهم تحت رايته, ويجمع طاقاتهم نحو الجهاد ذد الصليبين.

وقد اتصفت الحياة السياسية في الشرق الإسلامي قبل مجيء الصليبيين باضطراب داخلي، شمل كافة أنحاء الدول والإمارات الإسلامية؛ ففي الشرق خضعت الخلافة العباسية لسيطرة السلاجقة الذين تدهور نفوذهم بعد ذلك وتفككت دولتهم, ودَبَّ النزاع بين أمرائهم حول الاستئثار بالنفوذ والسلطان.

وكانت الدولة العُبَيْدِيّة ( الفاطمية ) في مصر تمر بمراحل شيخوختها؛ فينازع أمراؤُها خلفاءَها, وتجاذبت القوتان السلجوقية والفاطمية بلاد الشام دون أن تتمكن أي منها من تثبيت نفوذها، وسيطرتها عليها بصورة دائمة أو فعالة.

وصل الصليبيون في ظل هذه الظروف الصعبة إلى العالم الإسلامي, وكانت النتيجة الحتمية في ظل الصراع وتردى الأوضاع في العالم الإسلامي ، أن نجح الصليبين في تأسيس أربع إمارات لاتينية في قلب العالم الإسلامي هي: الرُّها, وأنطاكية, وبيت المقدس, وطرابلس, مستغلين تدهور نفوذ السلاجقة, وعجز الخلافة العباسية, والدولة الفاطمية, وتَشَتُّت الإمارات الإسلامية.

لم يدرك الأمراء المسلمون الذين أصابهم الذهول, لأول وهلة, عِظَم هذه النكبة التي حَلَّتْ بهم, وتحرك العامة في الجزيرة وبلاد الشام, وفي غيرها من البلاد الإسلامية للبحث عن قيادة قوية ومخلصة توحد صفوفهم, وتقودهم إلى الجهاد لدفع الخطر الصليبي.

وتهيأت الظروف لظهور هذه القيادة انطلاقًا من إمارة الموصل؛ وذلك بفعل موقعها الجغرافي المجاور لإمارة الرها الصليبية؛ فكان عماد الدين زنكي القائد الصلب الذي أدرك ما آلت إليه أوضاع العالم الإسلامي في الشرق من تشتت وتدهور, فأخذ على عاتقه القيام بهذه المهمة، فأسس دولة له في الموصل وحلب, ثم رفع راية الجهاد ضد الصليبيين، وكان من أتباعه شيركوه القائد العام  للجيوش وهو عم صلاح الدين الأيوبي  الزنكية وأخوه أيوب نائب الأمير بمدينة بعلبك وهو والد صلاح الدين الأيوبي، ولقد أسهما فى حروب عماد الدين زنكي وتحقيق سياساته وبقيا بعد وفاته فى خدمه ابنه الأمير نور الدين محمود.

المطلب الأول: سقوط الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية.

برز نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي كشخصية فذة؛ بدأ من حيث انتهى والده, وبذل جهدًا مضنيًا في سبيل إثارة الأمة, وبَعْثِ رُوحِ الجهاد والتضحية بين جميع أفرادها في مناطق الشرق الإسلامي, وبعد أن نجح نور الدين محمود في توحيد قسمي بلاد الشام الإسلامية الشمالي المتمثل بحلب, والجنوبي المتمثل بدمشق وسط هيمنة فعلية على الموصل, انطلق يجاهد الصليبيين، ويتصدى لتوسعاتهم على حساب المسلمين, ولعل أهم إنجازاته إلى جانب تحقيق الوحدة الإسلامية, وجهاد الصليبيين إسقاط الخلافة الفاطمية في مصر, وإعادة هذا البلد إلى الخلافة العباسية والمذهب السني.

            الفرع الأول: سقوط الدولة الفاطمية.

إن المتأمل الجيد لتاريخ الدولة الفاطمية في مصر، يستطيع أن يرى أن الدولة الفاطمية قد مرت بمرحلتين في تاريخها تتسم كل مرحلة  منهما بسمات وصفات خاصة، العصر الأول وهو يُمثل عصر قوة الدولة الفاطمية وازدهارها، وقد بلغ فيه نفوذ الخلافة أقصى درجات الاتساع، وبلغت الدولة أقصى درجات القوة والعظمة وتعاقب علي عرش الخلافة بالقاهرة في ذلك الدور المعز فالعزيز فالحاكم فالظاهر فالمستنصر حتى سنة 456هـ/ 1073م، وبذلت الخلافة أقصي ما تستطيع لتنظيم شئون مصر الداخلية، وامتاز خلفاء هذه الفترة الأولي بقوة الشخصية ولذا فقد كانت السلطة كلها مُركزة في أيديهم.

وبدأ العجز يظهر على جسد الدولة الفاطمية منذ عهد الخليفة المستنصر والذين تلوه من خلفاء إلى أخر خليفة للدولة الفاطمية وهو الخليفة العاضد وسمي هذا العصر بعصر – الوزراء العظام – نظراً لأن أمر الدولة كله كان في يد الوزراء وليس الخلفاء ولقد اتصف هذا العصر عموماً بضعف الخلفاء وسيطرة الوزراء علي شؤونهم وشؤون الدولة جميعاً، فتعاقب علي منصب الوزارة مجموعه من الوزراء الطموحين الأقوياء الذين صار بأيديهم الحل والربط في سياسة الدولة الداخلية والخارجية.

ولم يلبث النزاع بين الوزراء والخلفاء أو بين الوزراء وبعضهم البعض أن أدى إلي استعانة البعض منهم بملوك الصليبين الموجودين بالقدس أو بملك الشام نور الدين محمود زنكي[5]  وهو التدخل الذي أدى في نهاية الأمر بسقوط الدولة الفاطمية.

وفى نفس التوقيت كانت انتصارات الحملة الصليبية وأطماعها تتزايد ونجاحهم في تأسيس أمارات لهم في أنطاكية والرها وطرابلس فضلاً عن وجود مملكتهم في بيت المقدس أدى إلى زيادة أطماع الصليبين واتجاه أنظارهم لتوسيع سلطانهم على حساب مصر ولقد بدأت هذه الأطماع مبكراً من أول حاكم في الدولة الصليبية جود فرى دى بوليون فقد وضع مشروعاً لاحتلال مصر ولكن القدر لم يمهله فقد توفى سنه 494 هـ / 1100م قبل أن يبدأ في تنفيذ مشروعة.

ولم يغب عن أذهان الصليبيين مدي خطورة أن تقع مصر في أيدي نور الدين محمود وما يعنيه ذلك من وقوعهم بين فكر القوي الإسلامية في مصر والشام، لذلك لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام ذلك وخصوصاً بعد أن توج عمورى الأول ملكاً على بيت المقدس عام 557هـ/ 1162م ويعتبر ذلك بداية جديدة لسياسة الصليبيين تجاه مصر نظراً لفكر عموري وفهمه لأهمية الدولة المصرية في ظل سيطرة نور الدين علي حلب ودمشق وحماه وحمص شكلت سدا في وجه الصلبيين وحالت دون توسعهم في شمال الشام وبذلك صار الطريق الطبيعي الوحيد الذي بقي مفتوحاً أمام حركه الصليبيين التوسعية هو طريق مصر والتي كانت وقتها تحت الحكم الفاطمي تقاسى الآم الموت البطئ، بعد أن فقدت هيبتها واختلت أحوال مصر الداخلية والخارجية.

ولقد بلغت الأحوال الداخلية لمصر من سوء الأحوال وتردي الأوضاع  بسبب أطماع الوزراء فيها حتى أن بعضهم لجأ إلي التماس المساعدة من الصليبين ودفع الجزية لهم مقابل التزامهم بعدم الإغارة علي مصر.

وكانت هذه الفترة من أسوأ الفترات السياسية في تاريخ مصر الإسلامي، فقد أصبح الخليفة الفاطمي يشارك في مؤامرات ودسائس ضد وزرائه للتخلص منهم وذلك لضعفه وعدم قدرته علي عزلهم بنفسه، فنجد أن كل الأطراف كانت تتآمر ضد كل الأطراف ولا يخجل أي طرف من أن يتقوى بالصليبيين ضد منافسه، ولعل من ابرز النزاعات التي نشبت بين الوزراء حول أطماع السلطة النزاع بين الوزير شاور وضرغام أبو الأشبال، أمير فرقة من الجند المغاربة تخدم في مصر ، كمنافس لشاور علي كرسي الوزارة زمن الخليفة العاضد وهو النزاع الذي أودى بالمّلك الفاطمي إلى الزوال، ولقد انتهي الصراع بين الوزيرين بانتصار ضرغام وتوليته الوزارة وفرار الوزير شاور إلى الشام إلى الملك نور الدين محمود زنكي في سنة 559 هـ/ 1064م وسأله أن يرسل معه جيشاً إلى مصر ليساعده في نضاله ضد خصمه ضرغام وفي إعادته لمنصب الوزارة وعرض أن يدفع له في مقابل هذه المساعدات ثلث إيرادات مصر سنوياً وأن يمنح جنده الإقطاعيات وان يدين له بالولاء أن عادت له مقاليد الحكم والوزارة.

وافق نور الدين محمود زنكي علي مساعدة شاور لاستعادة الوزارة في مصر شريطة أن يعترف شاور بسيادة نور الدين علي مصر، و كان نور الدين يرغب في تحويل مصر إلي المذهب السني وتوحيد مصر والشام ضد الصليبيين، أرسل نور الدين محمود قائده أسد الدين شيركوه علي رأس جيش إلي مصر، وأصطحب أسد الدين  معه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي الذي كان في الخامسة والعشرين من عمره آنذاك، وتقابل جيش شيركوه وجيش ضرغام عند القاهرة، و استطاع شيركوه أن يهزم قوات ضرغام ويقتله، ويعيد شاور إلي الوزارة، ولكن شاور نكث بعهده ورفض الاعتراف بولائه لنور الدين محمود، وطلب من شيركوه أن يعود إلي الشام، ولكن شيركوه توجه بجيشه إلي مدينة بلبيس في دلتا مصر وتحصن بها ضد شاور، فأرسل شاور هذه المرة إلي اموري ملك بيت المقدس الصليبي ليساعده في التخلص من أسد الدين شيركوه ونتيجة تغير سياسة الصليبين تجاه مصر بعد أن توج عمورى الأول ملكاً على مملكة بيت المقدس سنة 577هـ / 1162م ولقد أتصف هذا الملك بالشجاعة والجرأة والدهاء، فقد عاد بالفعل شيركوة الى نور الدين محمود.

لم تنتهي أطماع أمورى فى الاستيلاء على مصر فعاد مرة أخرى بجيشه إلي مصر عام  1168 م  بدعوي أن شاور لم يدفع له الضرائب المتفق عليها ، وهزم الجيش الفاطمي بقيادة شاور في بلبيس وسار إلي القاهرة. استنجد شاور بنور الدين محمود لينقذه من الصليبيين هذه المرة قدر نور الدين خطورة سقوط مصر في يد الصليبيين. فقرر إرسال حملة ثالثة بقيادة شيركوه وصلاح الدين هذه المرة ليتخلص نهائياً من شاور والحكم الفاطمي والتهديد الصليبي ويضم مصر إلي الشام تحت إمرته.

أصبح شيركوه الحاكم الحقيقي لمصر ولكنه لم يعزل الخليفة الفاطمي، فقد كان الخليفة الفاطمي مريضاً مرضاً لا يرجي شفاؤه، فآثر شيركوه أن يتركه يموت في سلام. انحني شاور أمام شيركوه ليسترضيه و كان يأتيه بالهدايا كل يوم، ولكن صلاح الدين أصر علي قطع رأس شاور الخائن المستبد، وقام بالقبض عليه وقتله بعد موافقة الخليفة العاضد.

لم يلبث شيركوه أن قضى نحبه ولم تتجاوز مده وزارته شهرين فمهد الطريق بذلك لصلاح الدين الذي لم يلبث أن تولي الوزارة على الرغم من معارضه بعض أمراء الجيش النوري وحقدهم عليه لكونه كرديا وليس منهم وتذكر المصادر التقليد الذي تولى بمقتضاه صلاح الدين الوزارة وتلقب فيه بالملك الناصر حسبما درج عليه الخلفاء الفاطميين من منح وزرائهم لقب الملك وكتب هذا التقليد القاضي الفاضل، ولم يكن بدعه أن يتولي احد السنيين الوزارة للخليفة الفاطمي الشيعي لكون ذلك حدث بالفعل زمن الفاطميين الأوائل الذي عينوا وزراء سنيين من حين لآخر، وأن عمر “صلاح الدين” وقتذاك لم يتجاوز الثانية والثلاثين حين ولي الوزارة وقيادة جيش نور الدين ونائب نور الدين بمصر.

توفي الخليفة العاضد في 10 محرم عام 567 هج. / 1171 م  وهو الخليفة الفاطمي الرابع عشر وآخر الخلفاء الفاطميين وانتهت بموته الخلافة الفاطمية في مصر والتي استمرت حوالي 200 عام تولي بعدها صلاح الدين حكم مصر منفرداً بعد وفاة الخليفة العاضد ولقب بالسلطان الناصر صلاح الدين.

الفرع الثاني: قيام الدولة الأيوبية.

يُعد عام (564هـ) بداية التأسيس الحقيقى للدولة الأيوبية؛ حيث دخل أسد الدين شيركوه القاهرة، ومعه صلاح الدين الأيوبي، ثم أصبح أسد الدين وزيرًا للعاضد آخر حكام الدولة الفاطمية، ومن بعده صلاح الدين الأيوبي. وقد عمل صلاح الدين الأيوبي منذ أن تولى الوزارة على تدعيم سلطانه في مصر، والعمل على سحب البساط تدريجيًا من الدولة الفاطمية، تمهيدًا لإسقاطها ونشر المذهب السني والاستعداد لمواجهة الصليبيين، وانحسر سلطان الفاطميين تمامًا إلى أن سقطت الدولة الفاطمية بوفاة آخر خلفائها العاضد عام (567هـ).

ولقد أتخذ صلاح الدين في سبيل تحقيق ذلك كافة التدابير اللازمة لتمكين أسرته في حكم مصر من حيث الاستعانة بهم في الإدارة والجيش وإنشاء جيش جديد وتوزيع الإقطاعيات على جنوده وأفراد أسرته لتقويتهم والقضاء على بقايا المقاومة الفاطمية والتقرب إلي المصريين، وهذا ما جعل نور الدين في الشام يستشعر نوايا صلاح الدين بمحاولة استقلاله بمصر ولولا أن عاجلته المنية سنه 1174م لسار إلى مصر لانتزاعها منه.

المطلب الثانى: توحيد الجبهة الإسلامية على يد صلاح الدين.

توفى السلطان نور الدين وترك في حكم الدولة ابنه إسماعيل والذي لم يكن في وقتها قد بلغ الحادية عشر من عمره. وكانت الأوضاع آنذاك أن يحلف له الأمراء في الشام، وضربت العملة باسمه، وخُطِبَ له على المنابر، وقد كان موقف صلاح الدين واضحًا، حيث وصلت كتبه إلى دمشق يعزِّي الصالح إسماعيل في والده، ويعلن طاعته وولاءه له، وقد ضرب العملة باسمه، وخطب له ، وأرسل له دنانيرَ مصرية دليلاً على ذلك.

أثارت وفاة السلطان نور الدين أطماع الأمراء في الشام مما أثَّر كثيرًا على وضع الجبهة الإسلامية والدولة الزنكية من جميع النواحي فتنازع الأمراء في الشام كلاً منهم يريد أن يهيمن على هذا الطفل الصغير، وقد كان هناك فريقان قويان؛ واحدٌ في دمشق وآخر في حلب، وكلُّ واحدٍ يريد الصالح إسماعيل عنده؛ ففي دمشق كان آل المقدَّم وزعيمهم شمس الدين محمد بن المقدَّم، الذي تولى تربيته وتدبير شؤون دولته، وكان عندهم في دمشق، وفي حلب كان آل الدَّايَة وزعيمهم شمس الدين علي بن الدَّايَة، وقد أرسلوا لآل المقدَّم يطلبون منهم إرسال الصالح إسماعيل؛ ليكون قريبًا من البلاد الجَزَرِيَّة التي أخذها ابنُ عمه سيف الدين غازي؛ فرفض آل المقدم ذلك؛ خشيةَ أن يضعف أمره بفقده للملك الصالح.

 ثم ظهر على مسرح الأحداث سعد الدين كمشتكين، وهو من رجال نور الدين، وتحالف مع آل الدَّايَة مؤقتًا، وسار إلى دمشق، واستطاع الخروج بالصالح إسماعيل وأحضره إلى حلب في 23 ذي الحجة سنة 569 هـ، ثم غدر بآل الدَّايَة وقبض عليهم، وانفرد بالهيمنة على الصالح إسماعيل.

لم تستقم الأمور لابن نور الدين، وزاد استئثار ملوك الشام بالأمور مع إهمالهم لصلاح الدين الأيوبي وهو أكبرهم ولاية وأكثرهم جنداً، حتى رأى صلاح الدين أنه من غير المقبول أن يظل بعيداً عن الأحداث.

رأى الصليبين ما آلت إليه الأوضاع من التردي ووهن في جسد الدولة فاستعدوا لمهاجمة المسلمين وكان هدفهم هذه المرة القضاء على دمشق والاستيلاء عليها حتى لا تقوم قائمة أخرى لمقاومة للمسلمين فخرج لملاقاتهم قائد الجيش ابن المقدَّم ولقيهم عند بانياس وهدَّدهم بصلاح الدين، وعقد معهم معاهدةً يلتزم بِموجبها بدفع جزية لهم، وقد غضب صلاح الدين لمَّا علم بذلك، فأرسل رسالةً لأمراء الشام يؤنِّبهم على هذا العمل.

       كان لا بد من ظهور قائد قوى ليوحد المسلمين، وليعيد الحلم بتحرير الأراضي الإسلامية من الصليبين، ولكن بعد أن عرف صلاح الدين أن الدولة التي أسَّسها عماد الدين زنكي وحَماها ووسَّعها، وكمل مشواره ابنه نور الدين محمود قد دانت من الانهيار، وطمع فيها الأعداء.

وبعد أن استقرت الأوضاع في مصر نتيجة جهود صلاح الدين الأيوبي في تهيئة الأوضاع الداخلية بمصر، سار إلى الشام سنة 570هـ، وولى أخيه العادل على مصر، فوصل دمشق فخرج العسكر للقائه، وأعلنوا طاعته، وسكن في بيت والده، ثم استولى على القلعة؛ فدانت له كلُّ البلد.

أدرك صلاح الدين أن الأمر قد حان الآن ويجب توحيد باقي بلاد الشام في حلف قوي لمواجهة الصليبين، فخرج بعسكره ، ونزل على حمص، ولمَّا سمع القائمون على إسماعيل بمجيء صلاح الدين أرسلوا له رسولاً ليفاوضه، ولكن الرسول أغلظ في القول وتطاول على صلاح الدين، استولى صلاح الدين على حمص، ثم غادرها إلى حماة فأخذها في جمادي الآخرة، ثم اتَّجه إلى حلب فحاصرها وفيها الصالح والأمراء القائمون بأمره، وعلى رأسهم سعد الدين كمشتكين وبذلك خضع لصلاح الدين معظم الشام.

أصبح صلاح الدين الأيوبي الآن حاكماً شرعياً لمصر والشام وخصوصاً في ظل الاعتراف بذلك من قِبل الخلافة العباسية ومن قِبَل آل زنكي، فأصبح الطريق إلى مواجهة الصليبين الآن سانحاً لمواجهتهم ، وأصبح صلاح الدين يرى الهدف الذي سعى له قد دني له وهو تحرير البلاد الإسلامية وبخاصة القدس من يد الصليبين، وهو قيادة العالم الإسلامي ضدَّ الصليبيين، لهذا الطلب واشترط عليهم شروطًا قبلوها، ومع أن العماد لم يوضِّح لنا ماهية هذه الشروط، إلا أنه يشير إلى أنها كانت في صالح المسلمين.

استطاع صلاح الدين أن يوحِّد القوى الإسلامية، وأن يقضي على أسباب الفرقة والنزاع بينهم، وأن يطهِّر المجتمع الإسلامي من تلك الأمراض الخُلُقيَّة التي تفشَّت فيه؛ فبنى بذلك جبهةً داخليةً قويةً يعتمد عليها في الجهاد ومحاربة الأعداء.

المبحث الثاني: الحياة الفكرية والثقافية في عصر الدولة الأيوبية.

      تميز عصر الأيوبيين بأنه عصر إحياء للفكر والثقافة الإسلامية والعربية، تمثل هذا لإحياء في بعث العلوم الشرعية والاهتمام بالقرآن وعلومه والحديث الشريف اهتماما بالغاً ، ولقد كان للحكام دور بالغ الأهمية في هذه النهضة العلمية، حيث كانوا يتسابقون فى تقريب الفقهاء والأدباء والشعراء الى مجالسهم ، حتى وأن بعض ملوك الأيوبيين سعوا لينهلوا من فيض العلوم في هذة الفترة ، فعرفنا من ملوكهم الشعراء والأدباء كالملك المعظم عيسى بن العادل ، والأفضل بن صلاح الدين، والملك المنصور داود ، والملك الكامل بن العادل والذي عُرف عنه حبه وشغفة للعلماء والمدارس، لهذا رأينا كثرة بناء المدارس ، وبذل الحكام ما في وسعهم لتوفير الأساتذة من أقطر العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، حتى أصبحت عواصم الدول الإسلامية منارة للعلم والعلماء فى ذلك الوقت ، وقبلة القصاد من سائر البلاد فى العالم العربى والمشرق والمغرب.

المطلب الأول: عناصر الحياة الثقافية فى العصر الأيوبي.

الفرع الأول: القرآن والحديث.

أعتمدت حركة البعث العلمي على التراث الإسلامي الزاخر، وجاء ذلك الاهتمام بداية من أهتما أمراء السلاجقة السنيين بإحياء العلوم أهل السنة، فكانوا مدفوعين بالدعوة بالقرآن وقراءته، وتفسيره ، وعلومه المتصلة به ، وعلوم الحديث وجمعه وروايته وحفظه وشرحه، وذلك على أثر فترة من الزمن مرت على الدول الإسلامية طغت عليها ثقافات بعيدة عن روح الإسلام ، وخصوصاً في عصور سابقة كعصر البوهيين ، ونشأت نتيجة لذلك تيارات متعددة نتيجة اتجاهات شتى بالعقيدة الإسلامية تكاد تنحرف بها وبمقوماتها عن الطريق السوى،  ولعل من أهم وأشد الحركات التى ظهرت وكانت لها الأثر البالغ في الفكر الإسلامي حركة المعتزلة والمتكلمين والتي ظهرت منذ أواخر القرن الثاني الهجري، كذلك حركة الشيعة والباطنيه والذين تبنوا آراء المعتزلة والمتحررين في العراق ومصر.

أتخذ صلاح الدين من العلماء والفقهاء وسيلة لمكافحة التشيع عملاً وعقيدة ، فجمع بلاطة جمهرة من العلماء حفظوا مأثرة وترجموا له وألفوا الكتب في مناقبه ، وكان له ميقاتاً لسماع الأحاديث النبوية بقراءة الإمام تاج الدين البندهي المسعودى.

وجاء بعده خلفاؤة يحافظون على ما بناه صلاح الدين من حب العلم والعلماء ، ومنهم عيسى بن العادل أخى صلاح الدين حتى سماه أحد المؤرخين مأمون بنى أيوب.

الفرع الثاني: الأدب والشعر.

صاحبت الحركة العلمية في العصر الأيوبي حركة أدبية وثقافية واسعة ، فهذا العصر جدير أن تقوم فيه نهضة أدبية قوية، فيكفى الأحداث التاريخية التي كانت تدور في ذلك العصر من الحروب الصليبية ومقاومتها لاستثارة العواطف واستخراج أفضل ما في الأدباء من أدب.

إن الحوادث المتسارعة من قيام دول وانهيار أخرى ، وملكاً تزول ليحل محلها أخرى ، وعقائد دينية وعقائد أخرى تُسيطر، كل ذلك أدى لإثارة المشاعر وتأجيجها مما انعكس على الأعمال الأدبية فى ذلك العصر.

ولقد روى ابن خلكان نهج الأيوبيين فى حبهم للأدب والشعر والشعراء حتي أن صلاح الدين قد أنشده أحد الشعراء بيتاً قال فيه:

الله أكبر جاء القوس باريها     ورام أسهم دين الله راميها

فأعطاه صلاح الدين الف دينار ، كذلك مدحه الأعمى بقصيدة طائية أثابه عليها الف دينار ايضاً ، ويذكر التاريخ أن كثيراً من حكام ذلك العصر قرضوا الشعر وعنوا بنظمه.

المطلب الثاني: الحياة الاجتماعية والاقتصادية في عصر الدولة الأيوبية.

الفرع الأول: الحياة الأقتصادية.

كانت تجارة مصر سواء الداخلية أو الخارجية منها فى تقدم وازدهار، والزراعة ناهضة بفضل نهر النيل، والصناعة مزدهرة، ذلك كله ما أكده ابن الجبير فى كتابه رحلة ابن الجبير، والمقريزى فى خطط المقريزي والذي أكد فى كتابة ما للصناعة المصرية من شأن عظيم والتجارة من ازدهار حني وإن تخلل بعض الفترات التي كان يسود فيها الغلاء أو المجاعات أو الوباء فما سرعان أن يعود الحال لوضعه الأول من رخاء .

كانت الدولة فى عهد صلاح الدين الأيوبي تعيش في سعة من الرزق وذلك لتعدد منابع الأرزاق وتنوعها كالتالي:

  1. كنوز الفاطميين الكثيرة والتي وضع يده عليها صلاح الدين بعد أن تولى الحكم.
  2. الجزية ومواردها التي كانت تأتيه من غير المسلمين
  3. موارد الفدية التي كانت تصله من الأسرى.
  4. الغنائم التى كان يحصل عليها من الحروب.
  5. موارد الخراج التى كانت تؤخذ من أصحاب الأراضى التى فُتحت صُلحاً.

فكانت تُجمع هذه الأموال للأنفاق سبيل الله ، وأقامة الحصون ، وتشييد القلاع ، والإصلاح العمرانى ، وكل ما يعود على الدولة بالنفع والفائدة.

الفرع الثاني: الحياة الاجتماعية.

ما كاد يتولى صلاح الدين الحكم حتي أشرق فجر جديد على القاهرة بما أنشأة من العمائر الضخمة ، فأحاط القاهرة والفسطاط بسور بناه بهاء الدين قراقوش سنه 567 هـ ، كما أمر صلاح الدين بإنشاء قلعة القاهرة ، وتعتبر القلعة من أعظم المنشآت الحربية زمن صلاح الدين إذ بدأ بنائها سنه 572هـ وانتهى منها سنة 579 هـ ، ولهذه المنشآت أهمية اجتماعية كبيرة ، فأصبحت القاهرة والفسطاط فى مأمن من الغارات ، وصار من اليسير أن تنمو المدينة وتزدهر ، فزخرت المدينة بالمباني الرحيبة العالية ، والأسواق الممتدة وجوامعها ومدارسها.

وكان لوظيفة المحتسب أهمية خاصة في الحياة الاجتماعية كالنظر فى الأسواق والطرقات ، وأن يكون لأهل كل صنعة سوق يختص بهم ، ومعرفة أخبار السوق وما تستقر عليه الأوضاع من الأسعار ، وان يجعل لكل صنعة أميناً عليهم من أهل صنعتهم يتولى الأشراف على الصناع .

ومن الإصلاحات الاجتماعية التي قام بها صلاح الدين الأيوبي فى المجتمع المسلم إبطاله مظاهر الخلاعة والمجون التي كانت شائعة فى العصر الفاطمي ولاسيما في المواسم والأعياد كعيد النيروز حتي أن المقريزى قد علق عليها فى كتابه خطط المقريزى ” كانت المنكرات ظاهرة فى عيد النيروز ، والفواحش صريحة فى يومه، ويركب فيه أمير موسوم بأمير النيروز ومعه جمع كثير ، ويتسلط على الناس فى طلب رسم رتبه على بيوت الأكابر، ويقنع بالميسور من الهبات ، ويتجمع المؤنثون والفاسقات تحت قصر اللؤلؤ بحيث يشاهدهم الخليفة وبأيديهم الملاهي ، وترتفع الأصوات، وتشرب الخمور فى الطرقات ، ويتراش الناس بالماء ، وبالماء ممزوجاً والخمر ، وبالماء ممزوجاً بالقاذورات ، فإن غلط مستور ، وخرج من داره لقيه من يرشه ويفسد ثيابه ويستخف بحرمته ، فإما فدى نفسه ، وإما فضح.

أبطل صلاح الدين هذه المظاهر الفاسدة ، والمنكرات السافرة وأعاد للناس أخلاق الإسلام ويكفى ما كان يحدث فى يوم عاشوراء من بدع فيكثر النحيب ويرتفع البكاء وتتعطل الأعمال وترى الناس فى هرج ومرج كأنما فقد الناس أعز ما لديهم وأحبهم لديهم فأستطاع أن يقضي على هذة العادات المذمومة وأن يحول يوم عاشوراء من يوم بكاء الى فرحة فأصبح الناس يلبسون الجديد في هذا اليوم ويصنعون الحلوى ويأكلون ما لذ وطاب من الطعام والشراب.

ولصلاح الدين من الأعمال الاجتماعية الكثير والتي خلدت أسمة على الرغم من أشغالة بمحاربة الصليبين منها على سبيل المثال لا الحصر إلغاؤه لكثير من الضرائب المفروضة وإنعامه على الرعية وتوزيعه العطاء ، حتى أن الضرائب التي كان يفرضها أمير مكة على الحجاج مقدماً فى جدة فوقع بذلك ظلم كبير على الحجاج فأبطل صلاح الدين هذا النظام وعوض أمير مكة فكان يحمل إليه كل سنة ثمانية الاف إردب قمحاً، وإذا نظرنا إلى وصيته لابنة الملك الظاهر الذي أسند إليه ولاية حلب نرى حرصه على سلامة المجتمع ووحده الأمة والتحذير من الظلم فقال فيها ” أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل خير ، وآمرك بما أمر الله به فإنه سبب نجاتك ، وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقليد بها فإن الدم لا ينام ، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية  ، والنظر فى أحوالهم فأنت أمينى وأمين الله عليهم ، وأوصيك بحفظ الأمراء وأرباب الدولة والأكابر ، فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس ، ولا تحقد على أحد فإن الموت لا يُبْقي على أحد ، وأحذر ما بينك وبين الناس فأنه لا يغفر إلا برضاهم ، أما ما بينك وبين الله فإنه تعالى يغفره بتوبتك إليه فإنه كريم.

المطلب الثالث: الحياة السياسية لدولة الأيوبين.

نستطيع أن نقول أن القرن السادس الهجري هو قرن الحوادث العظام التي غيرت ملامح الدولة الإسلامية وأفق العالم الإسلامي ككل فهو القرن المقترن بالحروب الصليبية على العالم الإسلامي وزوال الدولة الفاطمية وقيام دولة الأيوبيين في مصر والشام.

وكانت الحياة السياسية في اضطراب دائم فالدولة العباسية تعيش أقصي درجات شيخوختها وضعفها، والدولة الفاطمية في مصر تعاني آلام الموت البطئ، والسلاجقة ورغم قوتهم إلا أن خلافاتهم قد بددت تلك القوة، كما أن سلطانهم لم يتجاوز بغداد والبلاد القريبة من الشام، ومحاولة سيطرة الصليبين على مصر المستمرة دون كلل وكأنه عهّد أخذه ملوكهم الواحد تلو الأخر، كل ذلك جعل الضعف يدب في أوصال الدولة الإسلامية ككل.

إن شعور المسلمين آنذاك بالحسرة على احتلال الصليبين لأجزاء غالية من العالم الإسلامي، وبالهزائم المتتالية التي نزلت بهم، وبالمجازر التي كان يقوم بها الصليبين وخاصة مجزرة بيت المقدس حين تم فتحها حتى أنه حين أعتصم المسلمين بمحراب داود وقاتلوا فيه الصليبين ثلاثة أيام ، وحين عقد لهم الفرنج الأمان وخرجوا فقتل الفرنج ما يزيد عن سبعين الفاً بالمسجد الأقصى منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم، حتى أنه ذُكر أن أكوام الرؤوس والأيدي والأرجل كانت في شوارع المدينة وطرقاتها وقد أنشد الأبيورى قصيدة يبكى فيها بيت المقدس وأهلها أسي ولوعة قال فيها.

      مزجنا دماءً بالدموع السَّواجمِ  ***  فلم يبق منا عرضةٌ للمراحمِ
وشرُّ سلاح المرء دمعٌ يفيضهُ  ***  إذا الحرب شبّت نارها بالصوارمِ
فإيهاً بني الإسلام، إن وراءكم  ***  وقائع يُلحقن الذُرى  بالمناسمِ
أتهويمة في ظل أمن وغبطةٍ  ***  وعيش كنُوَّار الخميلة ناعمِ؟!
وكيف تنام العين ملء جفونها *** على هَفَواتٍ أيقظت كل نائمِ ؟!
وإخوانكم بالشام يُضحى مَقيلُهم *** ظهور المذاكي أو بطون القشاعمِ
تسومهمُ الروم  الهوان وأنتمُ *** تجرُّون ذيل الخَفض فعل المُسالمِ
 وبين اختلاس الطعن والضرب وقفةٌ *** تظل لها الولدان شيب القوادمِ
وتلك حروبٌ من يَغِبْ عن غِمارها *** ليسلَمَ، يقرعْ بعدها سنّ نادمِ
سَللن بأيدي المشركين قواضباً *** ستُغمَد منهم في الطُلى والجماجمِ
وكم من دماءٍ قد أُبيحت ومن دمٍ *** توارى حياءً حسنها بالمعاصمِ
 بحيث السيوف البيض محمرة الظُبا *** وسمر العوالي داميات اللهاذمِ
يكاد  لهن المستجنُّ  بطيبة *** ينادي بأعلى الصوت: يا آل هاشمِ
أرى أمتي لا يشرعون إلى العِدا *** رماحهمُ، والدين واهي الدعائمِ
 ويجتنبون الثأر خوفاً من الردى *** ولا يحسبون العار ضربةَ لازمِ
أترضى صناديدُ الأعاريب بالأذى *** وتُغضي على ذل كُماة الأعاجمِ
فليتهمُ إذ لم يذودوا حميةً *** عن الدين ضنوا غيرةً بالمحارمِ !
 وإن زهدوا في الأجر إذ حمي الوغى *** فهلا أتوهُ رغبةً في المغانمِ !

أصبح العالم الإسلامي في أمس الحاجة إلى قيادة رشيدة لتغير الحال، قيادة مدركة لما ينبغي تحمله من رسالة مخلصة ، ولقد هب بالفعل قيادات لنصرة الإسلام واسترجاع الأراضي الإسلامية مثل عماد الدين زنكى وابنه نور الدين ثم صلاح الدين الأيوبى.

والذي دانت له بلاد مصر والشام و جزء من العراق والجزيرة وغيرها من البلاد المترامية الأطراف، فوضع نصب عينيه هدفا واحدا لا يحيد عنه، ألا وهو مجاهدة الصليبيين بالشام ، والعمل على اقتلاع شأفتهم.

وكان الصليبيون قد أقاموا لأنفسهم في الساحل الشامي منذ عام 491هـ من أنطاكية شمالا إلى عسقلان جنوبا ، أربع دول هي: إمارة أنطاكية ، وإمارة الرها ، ومملكة القدس، و إمارة طرابلس .

وبتحقيق صلاح الدين لأهدافه السامية ، من توحيد الأمة الإسلامية وجمع شملها ، وتوحيد صفها أمام الخطر المحدق بها، والإعداد الحربي، والأخذ بالأسباب من إعداد الجيوش عسكريا ومعنويا لقتال الصليبيين ، تمكن من إعلان الجهاد في سبيل الله ، وجمع عساكره من جميع الممالك الإسلامية، وهيأهم لمعركة حاسمة فكان تحرير القدس، التي رزحت تحت الاحتلال الإفرنجي ، وكان أعظم انتصار له في معركة حطين سنة( 583هـ /1187م ) التي استطاع بها أن يهزم الصليبيين شر هزيمة، و تلا ذلك استرداد طبرية وعكا ويافا إلى ما بعد بيروت ، ووقائع على أبواب صور، فدفاع مجيد عن عكا انتهى بخروجها من يده بعد أن اجتمع لحربه ملكا فرنسا وانكلترا ، بجيشيهما وأسطوليهما .

وأخيرا ، عقد الصلح بينه وبين قائد الحملة الصليبية الثالثة ، ملك انكلترا، ( ريتشارد قلب الأسد ) ، بالرملة في شعبان سنة 588هـ ، على أن يحتفظ الإفرنج بالساحل من عكا إلى يافا ، وأن يسمح لحجاجهم بزيارة بيت المقدس ، ويكون الساحل من أوله إلى الجنوب لصلاح الدين.

المبحث الثالث: الشعر والأدب  في عصر الدولة الأيوبية.

المطلب الأول: أسباب انتعاش الأدب في عهد الدولة الأيوبية.

كانت الآداب والعلوم عامة في حالة انتعاش في العصر الأيوبي وذلك لأسباب منها ما هو عام وكان موجود من قبل وهو عناية الملوك والسلاطين بالعلم وملكات الأدب وجود اليد والعطاء للشعراء والعلماء، ومنها ما هو خاص ، اختصت به الدولة الأيوبية ولم تشرك دولة سابقة معها فيه ، فالمدارس لم تعرفها مصر قبل هذه الدولة وهو ما يؤكد عناية الدولة الأيوبية بالعلم.

فقد عُرف عن صلاح الدين الأيوبي ميله الى الفضائل واستحسانه للأشعار وتردديها فى مجالسة، فكثيراً ما كان ينشد قول أبى منصور الحميرى:

وزارني طيف من أهوى على حذرمن الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحاكاد يهتك ستر الحب بي شعفا

وذكر العماد الأصبهانى فى كتاب الخريدة أن السلطان صلاح الدين في أول ملكة كتب الى بعض أصحابة بدمشق هذين البيتين.

أيها الغائبون عنا وأن     كنتم لقلبى بذكركم جيرانا
إنني مذ فقدتكم لأراكم    بعيون الضمير عندى عيانا

كذلك كان الملك الكامل بن العادل يحب العلماء والأمائل كما ذُكر عنه أنه كان يبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من الفضلاء يشاركهم مباحثاتهم ويسألهم عن المواضع المشكلة فى كل فن وهو معهم كواحد منهم[41] .

وكان وزراء ورجال الدولة يسيرون على نهج سلاطينها، فى الأعتزاز بالعلم والشعراء، فالقاضي الفاضل قد عُرف عنه مجالسة الأدباء ومسامرتهم ، وقد ملأ الأصبهاني خريدته بمساجلات القاضي الفاضل ومسامراته ، كذلك كان القاضي الفاضل يجمع الكتب من كل مكان ويبذل فيها المال الكثير ولذلك خوله صلاح الدين خزانه الكتب التى كانت للفاطميين تشتمل على الفى مجلد ، منها بالخطوط المنسوبة مائة الف فأعطاها للقاضي الفاضل[42].

إن أول من سن نظام إنشاء المدارس، وتعيين المعلمين، وتحديد ما يلقى بها من أنواع العلوم المختلفة، هو نظام الملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقى، وأسند ذلك كله للأوقاف حتى يضمن أن يحيا النظام بعد موته، ولما تولى صلاح الدين زمام الأمور فى مصر وأستتب له الأمر فيها شرع فى أصلاح أحوالها وإنشاء المدارس على نمط الملك أرسلان[43].

المطلب الثاني: الشعر في عهد الدولة الأيوبية.

امتاز العصر الأيوبي بكثرة عدد الشعراء وألوانهم المختلفة المتعددة ومن هؤلاء الشعراء من أتخذ من الشعر حرفة له يُدر عليه الربح ليعيش عليه ومن أمثال هؤلاء القيسراني ، وابن منير ، وابن النبيه ومن الشعراء في ذلك العصر من رأى أن الشعر يُزيد من قدره ويرفع من مكانته فئ أنظار معاصريه أمثال تاج الدين الكندى وابن الدقيق ، ولقد اختلفت أصول الشعراء ولم يكونوا كلهم من أصل واحد فمنهم من كان من أصل كردى ومنهم من كان من الأتراك ومنهم من كان قبطي حتى اختلاف المهن والحرف في الشعراء قد نال منهم فنرى الجنود الشعراء أمثال حسام الدين خشترين ومحمد ابن يعقوب ومنهم من كان يعمل حائكاً أمثال إبراهيم بن على الحراني، محمد بن رضوان بن إبراهيم[44] .

ولم تكن الحياة الأدبية والشعرية في مصر في العاصمة فقط بل كانت ممتدة على مدى مصر كلها حتى أن حكام الأقاليم كانوا يتشبهون ببلاط السلطان في ضمهم للأدباء والشعراء حتى أنه قيل أنه كان في أسنا سبعون شاعرا في وقت واحد[45].

لا عجب أذن أن نرى من الشعراء والأدباء فى ذلك العصر العدد الضخم وع ذلك فإن أكثر دواوينهم قد فقدت ولكن قد وصل إلينا أكثر من خمسة وعشرين ديواناً ومجموعات كبيرة من الشعر تكفي لأن تلقى الضوء على لحركة الأدبية في ذلك العصر[46].

الفرع الأول: بواعثة.

اجتمعت العديد من الأسباب التي جعلت من الشعر سلعة رائجة فى ذلك العصر، فلقد تعلق رجال الدولة بالأدب والشعر وجعلوه المائدة الرئيسية في مجالسهم، وتملكهم من اللغة العربية جعلهم يُقدرون الشعر فيرون جيده من سيئة، ويحفظون كثيرة ويحرصون على مصاحبة رجاله[47].

وكانت الكثير من غنائم الحرب وجبايات المماليك الواسعة التي صارت فى أيديهم وجزى النصارى وأموال فداء الأسرى ، لم يكن الأمراء يبقوا منه شئ فكانت كل هذه الأموال مصروفة على الفقراء وسبل الخير وكان للشعراء نصيب في هذه الأموال ليس بالقليل حتى أنه يقال أن صلاح الدين الأيوبي لم يترك ملكا ولا بستانا ولا مزرعة[48] .  

حتى أنه ليقال أنه حين فتح القدس كانت الأموال تتدفق من الفدية التي تُدفع عن الأسرى حتى تجمع ما يقارب مائتي ألف دينار وكان نصيب الشعراء منها الكثير[49] حتى أنه مدحه الكثير من الشعراء كابن قلاقس، ابن المنجم، ابن سناء الملك، ابن الساعاتي.

كذلك كان من بواعث نهضة الشعر فى ذلك العصر هو العصبية للدين والوطن وخصوصاً فى ظل تواجد واحتلال الصليبين لأراضى إسلامية ، فكان الأمير الذي يقوم بالنصر على الصليبين يمدحونة فى قصائدهم ومنها ما أنشده راجح الحلى[50] في الملك الكامل حينما أخرج الفرنجة من دمياط :

هنيئاً فإن السعد أضحى مخلداً       وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا
حبانا إله الخلـق فتحاً بدا لنا        مبينـا وإنعامـاً وعـزاً مؤيـدا

إلى أن قال:

أعباد عيسى إن عيسى وحزبه        وموسى جميعا يخدمون محمدا

وإن المتتبع لدواوين شعر هذا العصر يجدها زاخرة بالتحريض على القتال والتهنئة بالنصر والحمد على حسن البلاء حتى لترى فى أشعارهم وكأنها قد دبت بها الحياة بما لبس فيه الشعر ثوب الحقيقة وأصبح الشعر ممثلا للواقع[51].

وإن من أكثر الدواوين التي تمثل فيها المدح ولم يكن فيها الخيال إلا نصيب ضئيل ديوان العادليات[52] لابن النبيه والذي أنشغل فيه الشاعر بالفتوحات والانتصارات التي تمت على يد ممدوحيه قال فيها:

له راحه في السلم تجنى جنانها     ويوم هياج الحرب توقد نارها
به دمـر الله الفسـاد وأهـله     به ملة الإسـلام عال منارها
فلا زالت الأفلاك تجـرى بنصره     ولا زال عنه قطبها ومدارها

وقولة فى موسى بن أبي بكر بن أيوب:

عساكر الموصل التى أنكسرت      تخبر عن نفسه وفرسانه
يـوم أتـى جمعهم وقـد قدحت      سنابك الخيل زند نيرانه
تفـرقـوا بإجتماع كيــدهم       فالتقفتهم آيـات ثعبـانه
أغرقهـم بحر جيشـه فهمـو        كآل فرعون تحت طوفانه

وكذلك كان الحال فى دواوين كل الشعراء فى ذلك العصر[53].

الفرع الثاني: مجالس الشعراء.

كانت مجالس الشعراء في الدولة الأيوبية مختلفة عن سابقتها الفاطمية والتي كان يجتمع فيها الشعراء في الاديره أو الاجتماع فى المتنزهات، ولكن تغير الحال في عصر الدولة الأيوبية وقد أصبحت مجالس الشعراء في مجالس الملوك والأمراء يتبادلون النقد والشعر لأقوالهم وغير ذلك بما يُحرك العقول والأذهان ويبعث علي الكمال ويُحفز على الاجادة.

كما كانت هناك أماكن خاصة أعُدت لاجتماعات العلم والشعر والأدب وذلك كشبيه للأندية اليوم التي يجتمع فيها الناس لتبادل الآراء والنظر في المصلحة المشتركة بينهم وكان يستقبل فيها ضيوف مصر من الشعراء لتكريم ضيوفهم وكان ذلك واضحاً في ترجمة ابن سناء الملك فى كتاب وفيات الأعيان ” واتفق فى عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين، وكانت لهم مجالس تجرى بينهم فيها مفاكهات ومحاورات يروق سماعها . ودخل في ذلك الوقت الي مصر شرف الدين ابن عنين فاحتفلوا به وعملوا له دعوات وكانوا يجتمعون على ارغد عيش ، وكانوا يقولون هذا شاعر الشام . وجرت لهم محافل سطرت عنهم ولولا خشية الإطالة لذكرت بعضها “[54].

المطلب الثالث: أهم شعراء الدولة الأيوبية.

الفرع الأول: ابن سناء الملك ( 550 / 608 هـ ).

هو هبة الله بن الرشيد جعفر بن المعتمد سناء الملك السعدي الشاعر المصري ، كان أبوه يعمل كاتباً في ديوان القاضي الفاضل ، وعندما كبر ألحقة أبوه بالديوان ، وظهرت عليه علامات الذكاء وحب الأدب والشعر، ولقد نظم الشعر وهو فى العشرين من عمره ، ولابن سناء الملك ديوان شعر ما زال محفوظاً فى درا الكتب ، وله ديوان موشحات سماه ” دار الطراز ” جمع فيه بعض الموشحات للشعراء المغاربة والأندلسيين[55].

كان يتسم في شعره بالصنعة، وأكثر ما يجيد ابن سناء الملك من فنون الشعر الغزل والوصف ، وله قصائد فى مدح القاضي الفاضل منها[56]:

فراق راقٌ قَضى لِلْهَمّ والقلبِ بالجمعوهجْر تولى صْلح  عينيَ معْ دَمْعي
ووصلٌ سَعى في قَطْعه من أُحبُّهولا عجباً قد يهلِكُ   النجمُ  بَالْقَطع
وربْـعٌ  لـذاتِ الخـالِ  وربَّمشُغلت  بنفسي عن  مُساءَلةِ  الرَّبع
ومن عجبٍ أَنَّى سَمَتْ هِمَّةُ النَّوىوطالَتْ إِلى أَنْ فَرَّقَتْ ساكِني  جَمْع
وفي الحيِّ من صيّرتُها نُصْبَ خَاطِريفما  أَذِنَتْ في نَازِلِ الشَّوقِ بالرَّفْع
من اليَعْرُبِيـاتِ المصونـَاتِ بالَّذِيأَثارتْه خيلُ  الغائرينَ مِنَ النَّقْع
وممَّم  تَـرى أَنَّ  المـلالةَ   مِلَّةً وتِلْك  لَعَمرُ  اللهِ  مِنْ طَمَع الطَّبْع
تتيـه  بفـرعٍ  منه أَصـلُ بَلِيَّتي ولَمْ أَرَ  أَصلاً  قَطُّ  يُعْزى إِلى فَرْع
وتَبْسِـمُ عما يُكْسـف الدُّرُّ عنده فكيف تَرى مِن  بَعْده  حالَةَ  الطَّلْع

وقال يمدح صلاح الدين الأيوبي ويهنئة بفتح حلب فى 27 صفر 579 هـ بعد أن عجز عماد الدين زنكي واليها عن الدفاع عنها ، فقال[57]:

بدولة التُّركِ عزَّت ملَّةُ العربِوبابن أَيّوبَ ذلَّت شيعةُ الصُّلب
وفي زمانِ ابن أَيوبٍ غَدتْ حلبٌ من أَرض مصرَ وعادت مصرُ من حلبِ
ولابن أَيّوبٍ دانت كُلُّ مملكةٍبالصَّفْح والصُّلحِ أَو بالْحربِ والحَرَبِ
مظفَّـرُ النَّصرِ منعـوتٌ بهمتهإلى العزائِم مدلولٌ على الغلَبِ
والدَّهرُ بالقَدرِ المحتـومِ يَخْدُمُه والأَرضُ بالخلقِِ والأَفلاكُ بالشُّهب
ويَجتلي الخلقُ من راياتهِ أَبداًمبيضةَ النَّصرِ من مصفَّرة العَذَب
إِنَّ العواصمَ كانت أيّ عاصمةٍمعصومةً بتعاليها عن الرُّتَبِ
ما دارَ قطُّ عليها دورُ دائرةٍكلاَّ وَلاَ وَاصَلَتْها  نوبةُ النُّوبِ
لو رامَها الدَّهرُ  لم يظفَرْ بِبُغْيَتهِولَوْ رماهَا بِقوسِ الأُفْقِِ لم يصُب
ولوْ أَتَى أَسدُ الأَبْراجِ مُنْتَصراًخَارتْ قوائمهُ عنها ولم  يَثِبِ
جَليسةُ النَّجْمِ في أَعْلَى  منازِله وطَالما غَابَ عنْها وهْي   لَمْ تَغِبِ
تُلقِي إذا عطشت والبرقُ أَرشيةٌ كواكبَ الدَّلو في بئرٍ من السُّحب
كُلُّ القلاعِ ترومُ السُّحبَ في صَعَدٍإِلاَّ العواصمَ تَبْغِي السُّحبَ في  صَبَب

الفرع الثاني: ظافر الحداد ( ت 528 هـ ):

ظافر الحداد أبو المنصور ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف بن عبد الغني الجذامي الإسكندراني المعروف بالحداد الشاعر المشهور كان من الشعراء المجيدين وله ديوان شعر أكثره جيد ومدح جماعة من المصريين وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي وغيره من الأعيان[58] ومن مشهور شعره قوله[59]:

لو كـان بالصبرِ الجميـلِ مَـلاذُه        مـا سَحَّ وابِلُ دَمْعِـه ورَذاذُهُ
ما زال جيـشُ  الحبِّ  يَغْـزو قلبه       حتـى وَهَى فتقطعتْ أَفْلاذه
لم يَبْـقَ فيه مـع الغرام بقيـةٌ        إلا رَسيس تحتويـه جُـذاذه
من كان يرغبُ في السلامة فلْيَكُن       أبداً من الحَدَق المِراضِ عياذُه
لا تَغْرُرَنَّـك بالفتـورِ فـإنـه        مرضٌ يضـرُّ بقلِبك اسْتِلْـذاذه
يا أيُّها الرَّشَأُ الذي مِنْ لحظِه        سهمٌ  إلى حَبِّ القـوب نَفـاذه
دُرٌّ يلوح بِفيـكَ من نَظّامُـه        خمرٌ يجول عليـه مَنْ نَبّاذُه
وقنـاةُ ذاك القَدِّ كيف تَقوَّمت        وسِنان ذاك اللحـظِ ما فُولاذه
رِفْقاً بجسمك لا يذوبُ فإنني        أخشى بأنْ يَجْفو عليـه لاذُه
هاروتُ يَعْجِز عن مَواقعِ سِحْره        وهو الإمامُ  فمن  تُرى أستاذه
تاللهِ ما علقتْ مَحاسُنك أمرأً        إلا  وعزَّ على الورى اسْتِنْقاذه
أَغْزيتَ حبَّك في القلوبِ فأذعنتْ        طَوْعاً وقد أَوْدَى بها اسْتِحواذه
مالي أتيتُ الحظَّ من أبوابه        جهدي فَدام نفورُه  ولواذه
إياكَ من طمعِ المُنَى فعَزيزه        كذَليله وغنيُّه شَحّـاذه
ذالية ابن دريد استهوى بها        قوماً غداةَ نَبتْ به بغداذه
دانوا لُزخرفِ قوله فتفرقوا        طمعاً  فهم  صَرْعاه أو جُذّاذه
من قَدَّر الرزقَ الذي لك أَيْنَما        قد كان ليس يضرُّه إنفاذه

كما حفظ له التاريخ اتصاله بعلم من رجال الأدب والعلم فى عصره، وهو أمية بن أبى الصلت، فلقد أعجب أحدهما بأعمال الأخر وتوطدت الصلة بينهما فكان ظافر من بين من أثنى عليهم أمية فى رسالته، كما أرسل ظافر بقصيدة تفيض بالحب والإعجاب، تأنق فيها بالصنعة اللفظية عندما غادر أمية الإسكندرية[60].  

أَلاَ هلْ لدائـي من فراقِـك إفراقُ        هو السُّمُّ لكنْ في لقائِك  دِرْياق
فيا شمسَ فضلٍ غَرَّبتْ ولضوئِها        على كلِّ قُطرٍ بالمَشارق إشراق
سَقى العهدُ عهداً منك عَمَّرَ عهدُه        بقلبي عهدٌ لا يَضيع ومثيـاق
يُجَدِّدُه  ذِكْرٌ يَطيب كمـا شَدَتْ        وُرَيقاءُ  كَنَّتْها من الأَيْكِ أَوراق
لك الخُلق الجَزْل الرَّفيع طِرازُه        وأكثرُ أخلاقِ الخَليقة أَخْـلاق
لقد صاولتْنِي يا أبا الصَّلْتِ مذنأتْ       ديارُك عن داري همومٌ وأشواق
إذا عَزَّني إطفاؤُها بمَدامِعي        جَرتْ ولها ما بينَ جفنَىَّ إحراق

الفرع الثالث: ابن منير ( 473 هـ / 548 هـ ).

ولد فى طرابلس الشام، وكانت طرابلس تعيش فى وقتها أزهي سنوات تاريخها السياسي والاجتماعي والحضاري ، فكان يحكمها القضاة بني عمار[61]، تم تنشئته نشأة أدبية فأنشد الأشعار فى أسواق طرابلس، وحفظ القرآن الكريم، ودرس اللغة ، وحفظ الكثير من الأدب ، وأتخذ مهنة الرفا مهنة  له لذا فقد وصف بالرفاء.

قدم دمشق فسكنها، وكان رافضياً كثير الهجاء خبيث اللسان، ولما كثر منه ذلك سجنه بوري بن أتابك طغتكين صاحب دمشق مدة وعزم على قطع لسانه، ثم شفعوا فيه فنفاه، وكان بينه وبين أبي عبد الله محمد بن نصر بن صغير المعروف بابن القيسراني مكاتبات وأجوبة ومهاجاة، وكانا مقيمين بحلب ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة المتماثلين[62].

 ومن شعره من جملة قصيدة[63]:

وإذا الكريم رأى الخمول نزيلـهفي منزل فالحزم أن يتـرحـلا
سفها لحلمك أن رضيت بمشربٍرنق ورزق الله قد ملأ المـلا
ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً      أفلا فليت بهن ناصية الـفـلا
فارق ترق كالسيف سل فبان فيمتنيه ما أخفى القراب وأخمـلا
لاتحسبن ذهاب نفـسـك مـيتةًما الموت إلا أن تعيش مذلـلاً
للقفر لا للفقر هبـهـا إنـمـا      مغناك ما أغناك أن تتـوسـلا
لاترضى من دنياك ماأدناك مـندنس وكن طيفاً جلا ثم انجلـى
وصل الهجير بهجر قوم كلـمـاأمطرتهم شهداً جنوا لك حنظلا
من غادر خبثت مـغـارس ودهفإذا محضت له الوفـاة تـأولا
لله علمي بالـزمـان وأهـلـه ذنب الفضيلة عندهم أن تكملا
طبعوا على لؤم الطباع فخيرهمإن قلت قال وإن سكت تقـولا
أنا من إذا ما الدهر هم بخفضـهسامته همته السمـاك الأعـزلا
واعٍ خطاب الخطب وهو مجمجمراعٍ أكل العيس من عدم الكـلا
زعم كمنبلج الـصـبـاح وراءهعزم كحد السيف صادف مقتلا

وكانت مطارحات الشعر ومسابقاته، والمناقشات العلمية والأدبية والفقهية والفلسفية ، تعقد بين حين وأخر في مجال الأمراء القضاة من بني عمار فكانوا يبذلون العطايا والأموال والهبات على الشعراء والأدباء[64] وكانوا ينفقون بسخاء لشراء المخطوطات من مختلف المصنفات ومن شتى الأقطار وكانوا يدفعون بالدنانير الذهبية التي تُضرب في طرابلس لطلبة دار العلم وشيوخها ونظارها، وكان هذا الجو المفعم بالعلم والأدب هو الجو الذي نشأ عليه ابن منير فى طرابلس فنشأ  متقناً لفنون البلاغة والأدب والكتابه النثرية ، مجيداً للنحو والصرف ، ملماً بالتاريخ والفقه والعقائد.

وأشتهر عن ابن منير هجوه لمنافسه القيسراني ، فكان بينهما مكاتبات وأجوبة ومهاجاة، وهما مقيمان فى حلب ، ومتنافسان فى صناعتهما وذلك مثل جرير والفرزدق[65] ومما يؤسف له أن شيئا من الشعر الهجائي بين ابن منير والقيسراني .

ومن شعره في الغزل:

يـا غريـب الحُسْــن ما       أغنـاك مـن ظُلْم الحبيـبٍ
أتــرى الإفــراط فــي       حُبّـك أضحـى مـن ذُنُوبـي؟
حــلّ بي مـن حُبـّك الخـطْ         ـبُ اّلــذي لا كالخطُُُُُـوبٍ
وعجيـبٌ أن تـــرى فــع        ـلك بـي غيـر عجيــبِ
لا تُغـالطْـنـي فمـا تخْـ        ـفَى إمـارات المــُريـبِ
أيـن ذاك البشُـر يا مـو      لاي  مـن هـذا القطــوبِ؟

الفرع الرابع: القيسراني ( 478 – 548 هـ ).

محمد بن نصر بن صغير بن داغر المخزومي الخالدي، أبو عبد الله، شرف الدين بن القيسراني.

شاعر مجيد، له (ديوان شعر -خ) صغير. أصله من حلب، وولده بعكة، ووفاته في دمشق. تولى في دمشق إدارة الساعات التي على باب الجامع الأموي، ثم تولى في حلب خزانة الكتب. والقيسراني نسبة إلى (قيسارية) في ساحل سورية، نزل بها فنسب إليها، وانتقل عنها بعد استيلاء الإفرنج على بلاد الساحل. ورفع ابن خلكان نسبه إلى خالد بن الوليد، ثم شك في صحة ذلك لأن أكثر علماء الأنساب والمؤرخين يرون أن خالداً انقطع نسله[66].

كان القيسراني معجباً بعماد الدين زنكي، وذلك لما رآه منه من انتصارات على الصليبين ويستعيد أراضي الوطن المغُتصب، ووجد فيه الأمل المنشود ، الذي تصبو إليه نفوس المسلمين لاسترداد بلادهم من أيدي الصليبين ، فقال فيه مرة يهنئه :

حـذار منا وأنى ينفـع الحـذر      وهي الصوارم لا تبقـي ولا تذر
وأين ينجو ملوك الشرك من ملك     من خيله النصر لا بل جنده القدر
سلوا سيوفا كأغماد السيوف بها     صالوا فما غمدوا نصلا ولا شهروا
حتى إذا ما عماد الدين أرهقهم      في مأزق من سنـاه يبـرق البصر
ولوا تضيق بهم ذرعا مسالكهم      والمـوت لا ملجأ منـه ولا وزر
وفي المسافة من دون النجاة لهم      طول وإن كان في أقطارها قصر
وأصبح الدين لا عينا ولا أثرا      يخاف والكفـر لا عين ولا أثر
فلا تخف بعدها الإفرنج قاطبة       فالقوم إن نفروا ألوى بهم نفـر
إن قاتلوا قتلوا أو حاربـوا حربوا أو طاردوا طردوا أو حاصروا حصروا
وطالما استفحل الخطب البهيم بهم   حتـى أتـى ملك آراؤه غـرر
والسيف مفترع أبكار أنفسهم      ومن هنالك قيـل الصارم الذكـر
لا فارقت ظل محيي العدل لامعة      كالصبح تطوي من الأعداء ما نشروا
ولا انثنى النصـر عن أنصـار دولته   بحيث كان وإن كانوا به نصروا
حتى تعود ثغور الشـام ضاحكة  كأنما حل في أكنافهـا عمـر

ولم تكن معركة يخوضها المسلمون ضد الصليبين وينتصروا فيها إلا وأشاد بها في شعره ، ومصوراً بعض ما كان يحدث بعد هزيمة العدو وللقيرواني قصيدة يمدح فيها نور الدين بعد انتصاره على الصليبين وكان يحاول أن يعارض أبا تمام في قصيدته البائية المشهورة مع مخالفتها في حركة القافية إذ قال:

هذي العزائم لا ما تدعي القضب      وذي  المكارم لا ما قالت الكتب
وهذه الهمم اللاتي متـى خطبت        تعثرت خلفها الأشعار والخطب
صافحت يا ابن عماد الدين  ذورتها      براحـة للمساعـي دونها تعب
ما  زال جـدك يبني كـل شاهقة        حتى ابتنى قبة أوتادها الشهب
لله  عزمك ما أمضى وهمك ما       افضى اتساعا بما ضاقت به الحقب
يا ساهد الطرف والأجفان هاجعة      وثابت  القلب والأحشاء تضطرب
أغرت   سيوفك بالإفرنج راجفة        فؤاد رومية الكبرى لها يجب
ضربت  كبشهـم منهـا بقاصمـة      أودى بها الصلب وانحطت بها الصلب
قل للطغاة  وإن صمت  مسامعها      قولاً لصم القنا في ذكره أرب
ما  يوم  إنب  والأيام  دائلة        من يوم يغرا بعيد لا ولا كثب
أغركـم خدعة الآمـال ظنكم       كم  أسلم الجهل  ظنا غره الكذب
غضبت للدين حتى لم يفتك رضى     وكان دين الهدى مرضاته الغضب
طهرت أرض الأعادي من دمائهم        طهارة كل سيف عندها جنب
حتى استطار شرار الزند قادحة        فالحرب تضرم والآجال تحتطب
والخيل من  تحت قتلاها  تخر        لها قوائم خانهن الركض والخبب
والنقع فوق صقال البيض منعقد       كما استقل دخان تحته لهب
والسيف هـام علـى هـام  بمعركة      لا  البيض ذو ذمة فيها ولا اليلب

والمدح من أهم أغراض شعر القيسراني ، كذلك كانت هناك صولات وجولات من الهجاء بين القيسراني وابن المنير وكان قد هجاه:

ابن منيـر هجوت  مني        حبرا أفاد الورى صوابه
ولم تضيق بذاك صدري        فإن لي أسوة  الصحابة

      ويمتاز شعر القيسراني بأنه من النوع الجزل الفخم وهو بذلك ينحو منحى شعراء العصر العباسي الأول، فهو يختار عباراته بدقه وينأى عن ألفاظ العامة وأساليبها[67].

الفرع الخامس: المهذب ابن الزبير( ت 561 هـ ).     

الحسن بن عليّ بن إبراهيم بن الزبير الغساني الأسواني، أبو محمد، الملقب بالمهذب، شاعر من أهل أسوان (بصعيد مصر) وفاته بالقاهرة، وهو أخو الرشيد الغساني (أحمد بن عليّ) قال العماد الأصبهاني لم يكن بمصر في زمن المهذب أشعر منه، واشتعل في علوم القرآن، فصنف اختص بالصالح بن رزيك، ويقال إن أكثر الشعر الذي في ديوان الصالح إنما هو من شعر المهذب[68].

وله قصيدة فى مدح أسرة الكنز حماة الأدب وكعبة الأدباء فى هذا البلد ومدح فيها كنز الدولة بن منوج قال فيها:

بأيِّ بلادٍ غير أرضي أخَيِّـمُ   وأىِّ أُنـاسٍ غير أهلـي أُيَمِّمُ
ورائِيَ أرضٌ ما بها مُتـأخَّرٌ  أمامِـيَ أرضٌ مـا بها مُتقدَّمُ
فها أنا أختارُ النَّواءَ على الثَّوَى ويكرهُهُ الرَّأىُ الذى هو أحزَمُ

وحينما قبض الوزير شاور على المهذب وحبسه فكتب الى شاور شعراً ليستعطفه فلم ينجح ، ثم التجأ الى ولده الكامل أبى الفوارس شجاع بن شاور ومدحه بأشعاره فأستخرجه من محبسه وقد قال فيه يمدحه[69]:

أيا صاحِبَي سجنِ الخِزانةِ خلِّيا      من الصُّبح ما يبدُو سَناهُ لناظري
فوَاللهِ مـا أدرى أطَرفِىَ ساهـرٌ   على طول هذا الليلِ أم غيرُ ساهرِ
وما كنتُ أخشى قبل سَجنكما على   دموعَى أن يقطُرنَ خوفَ المقاطِرِ
وما لىَ مَن أشكـو إليه أذاكمـا      سوى ملك الدنيا شجاعِ بنِ شاوِرِ

وقد أجازه الممدوح ابن شاور على قصيدته بألف دينار ولكن المهذب على الرغم من ذلك لم يقنع بالمقام في أسوان ، فشد الرحال إلى العاصمة ، حيث أتاح له إتقانه لصنعة الشعر أن يكون علي اتصال بالوزراء الفاطميين في ذلك الوقت ، وأن يجالسهم حتى أصبح من أقرب منزلة عند القاضي الجليس أحد خاصة الملك الصالح[70]  .  

وللمهذب كتاب أسماه الأنساب وهو أكثر من عشرين مجلداً قال عنه ياقوت الحموى أنه كتاب كبير غاية في معناه لا مزيد عليه يدل على جودة قريحة مؤلفة وكثرة إطلاعه[71].

وكانت الصلة بين المهذب وبين أخيه الرشيد وثيقة وكان الرشيد فى اليمن وقبض عليه لأنه أدعى الخلافة فهّموا لقتلة فكتب المهذب قصيدة يمدح فيها وكان الرشيد سافر إلى اليمن رسولاً، ومدح جماعة من ملوكها، وممن مدحه منهم علي بن حاتم الهمداني قال فيه:

لئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطوافلست أنال القحط في أرض قحطان
ومذ كفلت لي مـأرب بمآربـيفلست علىأسوان يوماً بـأسوان
وإن جهلت حقي زعانف خندفٍفقد   عرفت فضلي غطارف همدان

فحسده الداعي في عدن على ذلك، فكتب بالأبيات إلى صاحب مصر، فكانت سبب الغضب عليه، فأمسكه وأنفذه إليه مقيداً مجرداً، فأرسل المهذب قصيدة يمتدحه ويستعطفه حتى أطلقه فقال فيها[72]:

يا رَبعُ أين تَرى الأحبَّةَ يمَّمُوا      هل أنجدوا من بعدنا أم أَتهمُوا
نزلوا من العَين السَّوادَ وإن نَأوا     ومن الفؤاد مكانَ ما انا أكتُمُ
رحَلُوا وفى القلبِ المُعَنَّى بعدهم     وَجدٌ على مرِّ الزَّمانِ مُخَيَّمُ
وسَرَوا وقد كتمُوا المسيرَ وإنَّما      تَسرِى إذا جَنَّ الظَّلامُ الأنجُمُ
وتَعوَّضَت بالأُنس رُوحي وحشَةً      لا أوحَشَ الله المنازلَ مِنهُمُ
لـولاهُمُ ما قُمتُ بين ديـارهم           حيرانَ أستَافُ الدِّيارَ وألثِمُ
أمنازلَ الأحبابِ أين هُمُ وأي        نَ الصَّبرُ من بعد التَّفَرُّقِ عنهُمُ
يا ساكني البلدِ الحرامِ وإنَّما    في        الصدرِ مَع شحطِ المزارِ سكنتُمُ
يا ليتني في النَّازلين عَشِيَّةً        بِمِنىً وقد جمع الرِّفاقَ الموسِمُ
فأفوزَ إن غَفَلَ الرَّقيبُ بنَظرَةٍ        منكم إذا لبَّى الحجيجُ وأحرمُوا
إنّي لأذكركم إذا ما اشرقَت         شمسُ الضّحى من نحوكم فأسلِّمُ
لا تبعثُوا لي في النّسيم تحيّةً      إنِّي أغارُ من النّسيم عليكمُ
إنّي امرؤٌ قد بِعتُ حظِّ راضِياً       من هذه الدنيا بحظِّى منكمُ
فسلَـوتُ إلا عنكـمُ وقنعـتُ      إِلاّ منكمُ وزهـدتُ إِلاَّ فيكمُ
ورأيـتُ كلَّ العالمـين بمُقلَةٍ      لو ينظُرُ الحسادُ ما نَظَرَت عَمُوا
ما كان بعد أخي الذي فَارقتُهُ       ليبـوحَ إلا بالشكايةِ لـي فمُ
هو ذاك لم يَملك عُلاهُ مالِكٌ       كـلاَّ ولا وجـدي عليـه مُتَيَّمُ
أقوَت مغانِيه وعُطِّل رَبعُـهُ      ولرُبَّمـا هجـرَ العرينَ الضَّيغَمُ
ورَمَت به الأهوالَ هِمَّةُ ماجدٍ      كالسيفِ يُمضـي عزمَهُ ويُصَمِّمُ
يا راحِلاً بالمجد عنَّا والعُلاَ       أتُرى يكـونُ لكم إلينـا مَقـدَمُ
يَفديكَ قومٌ كُنتض واسِطَ عِقدِهم      ما إن لهم مُذ غِبتَ شَملٌ يُنظَمُ
لك فـي رِقابِهِمُ وإن هم أنكروا        مِنَنٌ كأطواق الحَمامِ وأنعُـمُ
جهلوا فظنُّوا أنّ بُعدَك مَغنَمٌ        لمّا رحلـتَ وإنّمـا هو مَغـرَمُ
فلَقد أقرَّ العينَ أنّ عِداك قـد       هلكـوا ببغِيهِـمُ وأنت مُسَلَّـمُ
لم يعصمِ اللهُ ابنَ معصومٍ من ال     آفاتش واختُرِمَ اللعينُ الأخرَمُ
واعتَضتَ بعدهمُ بأكرمِ معشـرٍ     بدءوا لك الفِعلَ الجميلَ وتَمَّمُوا
فلَعَمرُ مَجدِكَ إن كرُمتَ عليهمـُ        إن الكريمَ على الكِرام مُكرَّمُ
أقيالُ بأسٍ خَيرُ مَن حَملُوا القنـا      ومُلوكُ قحطانَ الذين هُمُ هُمُ
متواضعـون ولو تـرى ناديهمُ          ما اسطَعتَ من إجلالهم تتكلَّمُ
وكفاهُمُ شَرفاً ومجداً أنّهم قـد        أصبح الدَّاعِي المُتَـوَّجُ منهمُ
هو بدرُتِمٍّ في سماء عُلاهـمُ           وبنو أبيـه بنو زُرَيعٍ أنجُـمُ
مـلكٌ حِمـاهُ جنَّةٌ لعُفـاتِهِ            لكنّـه للحـاسديـن جَهَنّـمُ
أثنى عليك بما مَننتَ وأنت مِن       أوصافِ مجدِك يا مليكاً أعظمُ
فاغفر لىَ التقصيرَ وعُدَّهُ مَعَ          ما تجودُ به علـىَّ وتُنعِـمُ
مَعَ أنّنى سيَّرتُ فيك شوارداً          كالدُّرِّ بل أبهى لَدَى مَن يَفهَمُ
تغدو وهُوجُ الذَّارياتِ رواكِدٌ          وتبيتُ تسرى والكواكبُ نُوَّمُ
وإذا المآثِرُ عُدِّدَت في مشهدٍ         فبِذِكرها يبدا المقالُ ويُختَمُ
وإذا تلا الرَّاوون محكمَ آيها         صَلَّى عليك السَّامعون وسلَّموا
وكفى برأيِ إمامِ عَصرِك ناقضاً       ما أحكمَ الأعداءُ فيـك وأبرمُوا

وللمهذب قصائد فى الغزل أمتدحة عليها الكثير منها قوله[73] :

هُم نُصبُ عيني أنجَدُوا أوغاروا        ومُنى فؤادي أنصفوا أو جارُوا
وهمُ مكانُ السِّرِّ من قلبى وإن        بَعُدَت نوَى بهمُ وشــطَّ مزارُ
فارقتُهم وكأنَّهم فــي ناظرِي        ممَّا تُمثِّلُهـم لـيَ الأفكـارُ
تركوا المنازلَ والدِّيارَ فما لهم      إلاّ القلوبُ منـازِلٌ وديــارُ
واستوطنوا البِيدَ القِفارَ فأَصبحت      منهم ديـارُ الإنس وَهـيَ قِفارُ
فلئن غدت مصرٌ فلي من بعدهم      فلهم بأجـواز الفلا أمصارُ
أو جاوروا نجداً فلي من بعدهم        جاران فيضُ الدّمعِ والتِّذكارُ
ألِفُوا مُواصلَةَ الفلا والبيدِ مُذ          هَجَرَتهُمُ الأوطانُ والأوطارُ
بقلائـصِ الاهـلَّةِ عندمـا        تبـدو ولكن فوقهـا أقمـارُ
وكأنَّما الآفاقُ طُـرُّا أقسَمَت         ألاّ يَقـِرَّ لهم عليـه قـَرارُ
والدَّهرُ ليلٌ مُذ تناءت دارُهُم        عنّى وهل بعد النّهارِ نهارُ
لى فيهمُ جارٌ يمُتُّ بحرمتى        إن كان يُحفَظُ للقلوبِ جِوارُ
لا بل أسيرٌ فى وَثاقِ وفـائِهِ         لهُم فقد قتلَ الوفــاءَ إسارُ
أمنازلَ الأحبابِ غيَّرك البِلَى       فلنا اعتبارٌ فيك واستعبارُ
سَقياً لدهرٍ كان منك تشابَهت    أوقاتُهـُ فجميعُهُ أسحـارُ
قَصُرَت ليَ الأعوامُ فيه فمُذ نأَوا     طالت بَي الأيامُ وهيَ قصارُ
يا دهرُ لا يَغرُرك ضَعفُ تَجَلُّدي إِنِّي على غير الهوى صبَّارُ

الفرع السادس: أسامة بن منقذ ( ت 584 هـ )

أسامة بن مُرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ. أبو المظفر مؤيَّد الدولة، عربي كناني، من أمراء بني منقذ، اشتهر كثير من رجالها بالفروسية والشعر والأدب، حكمت شيزر وما جاورها مدة من الزمن. وشيزر مدينة في الشمال الغربي من حماة، يحيط بها نهر العاصي من جهات ثلاث، وتقع على الهضبة قربها، قلعة شيزر التي كان لها أهميتها الحربية على مرّ العصور.

شبّ أسامة جريئاً لا يهاب الصعاب، واقتحم منذ صغره الأخطار، واشترك في المعارك التي دارت بين أسرته والصليبيين، وتلقى الثقافة التي كان يتلقاها الأمراء في ذلك العصر على شيوخ كبار أحضرهم والده ليعلموه وإخوته، فسمع الحديث من الشيخ صالح السينسي، كما قرأ النحو على أبي عبدالله الطّليطلي، ودرس الفقه واللغة وحفظ كثيراً من الشعر، وكان كأبيه مولعاً بالصيد والكتابة ونظم الشعر، فعُرف فارساً من فرسان العرب الشجعان، وأديباً وشاعراً مقرباً من الملوك والسلاطين.

لم يقبل أبوه ـ أبو سلامة مرشد ـ تولي إمارة شيزر بعد أن مات أخوه الأكبر أبو المرهف نصر، وفضّل عليها الاشتراك في حرب الصليبيين والصيد ونسخ القرآن فتولى الحكم أخوه الأصغر، أبو العساكر سلطان، فكان أسامة معجباً بعمه مقرّباً إليه، وقد هيأه هذا ليكون أميراً بعده، فأولاه عنايته وعهد إليه بكثير من المهام، لكنه انقلب عليه وتغيرت عواطفه نحوه بعد أن رزق أولاداً خاف عليهم من شهرة أسامة وإخوته وقد ظهرت عداوة سلطان لأبناء أخيه واضحةً بعد وفاة أخيه مرشد إذ أخرج أبناء أخيه من الحصن كرهاً. فترك  أسامة  القلعة عام 524هـ/ 1129م وقضى تسعة أعوام في جيش الأتابك عماد الدين زنكي ثم قصد دمشق عام 533هـ/ 1137م وعمل مع معين الدين أنر، مدبر أمور دمشق للدولة البورية، وأتاحت له المعاهدات التي أبرمت مع مملكة بيت المقدس الصليبية فرصة زيارة القدس والاتصال بالفرنج الصليبيين، فعرف الكثير من عاداتهم وأخلاقهم، فكان يحاربهم في زمن الحرب ويصادقهم في السلم.

وفي عام 540هـ/ 1144م انتقل إلى مصر في عهد الخليفة الحافظ وابنه الظافر والوزير ابن سلاّر، ثم ما لبث أن تحوّل إلى دمشق سنة 549هـ/ 1154م واتصل بحاكمها نور الدين زنكي، واشترك معه في عدة حملات على الفرنج الصليبيين، وفي سنة 552هـ/ 1157م أصاب قلعة شيزر زلزال قتل فيه تحت الأنقاض كل من كان من آل منقذ في القلعة.

ويظهر أنه، بعد زهاء عشر سنين قضاها في دمشق، وجد نفسه في حاجة إلى الراحة والبعد عن تكاليف السلطان وخدمة الملوك، فمضى إلى حصن كيفا، المشرف على نهر دجلة، وهناك عكف على البحث والدرس والتأليف، وكان ذلك في عام 559هـ/ 1163م. وربما اختار أسامة  هذا المكان لما كان فيه من مكتبات ضخمة غنية.

وبعد عشر سنوات من إقامته هناك عاد إلى دمشق مرة أخرى، وكان يحكمها صلاح الدين الأيوبي، وكان  أسامة  قد تجاوز الثمانين، وفي أثناء إقامته هذه في دمشق أرسله صلاح الدين الأيوبي بسفارة إلى الموحدين لطلب المعونة لقتال الصليبيين، ومات في دمشق بعد أن عمّر طويلاً وأربى على التسعين.

ترك  أسامة  طائفة من الكتب منها كتاب العصا وقد أورد فيه شواهد نثرية وشعرية تتحدث عن العصا التي عرفت في التاريخ، وأثبت فيه كذلك كثيراً من شعره وكتاب المنازل والديار جمع فيه المؤلف ما تخيّره مما كتب في البكاء على المنازل العافية والأطلال الدارسة، من شعر الجاهليين ومن تلاهم حتى أيامه وقد حفزه إلى جمعه ما نال بلاده من الخراب، وما أصابها من الزلازل التي أبادت أسرته. وقد حفظ في هذا الكتاب كثيراً من أمهات الشواهد الشعرية. وكتاب لباب الآداب وقد ألفه أسامة وهو ابن إحدى وتسعين سنة، كما ذكر في آخر الكتاب. وكتاب الاعتبار وفيه أملى المؤلف، وهو بعد سن التسعين، ذكرياته ومشاهداته من معارك حربية وأحداث سياسية في مصر والشام، مصوراً الوقائع التي جرت بين العرب والصليبيين، مبيناً طبائعهم وأخلاقهم وعقائدهم، والمعارك التي جرت بين قومه ومن حولهم من حكام، ذاكراً المؤامرات التي جرت في آخر الحكم الفاطمي. ويعدّ كتابه تاريخاً سياسياً واجتماعياً صادقاً للقرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. وقد كتب بإنشاء عادي بعيد عن التصنع ويعدّ كتاب «الاعتبار» ـ وهو أشهر كتب أسامة أول سيرة ذاتية في الآداب العربية، رمى المؤلف من ورائه إلى إبراز فكرة هي أن ركوب المخاطر في الحرب أو في السلم لا تنقص من الأجل المكتوب وقد استاق القصص من دون تنظيم منطقي وامتازت المذكرات بالأمانة في النقل والصدق في الرواية والدقة في الملاحظة، مع الموازنة بين ما جرت عليه تقاليد العرب المسلمين وحياتهم اليومية وبين ما درج عليه الإفرنج الذين أقاموا في البلاد في ذلك العصر.

 ولأسامة ديوان شعر مطبوع رتّبه بحسب أغراض الشعر الغنائي، وشعره من النوع الجزل الفخم[74].

      وله العديد والعديد من قصائد الغزل منها ما كتبه الى الملك الصالح فقال فيها[75]:

أَطِع الَهوى واعْصِ    المُعاتِبْ        واصْدِف عن الواشِي المُراقِبْ
وتَغَنَّمِ       اللّذّات          إن        نَ   مَمَرّها   مَرُّ     السَّحائِبْ
وانْظُر  إلى  الأغصانِ     حا        مِلةً   شُموساً   في     غَياهِبْ
من   كلِّ   حَاوٍ   قد      تَكَن        نَفَهُ      ثَعابِينُ        الذّوائِبْ
في   وجهِهِ    ضِدّانِ      كُل        لٌ    مِنهُما    لِلُّبِّ     سَالِبْ
نارٌ    بلا     لَفْحٍ       تَضَر        مُ  وسْطَ  ماءٍ   غيرِ     ذَائِبْ
هَذي    بقايا    سِحْرِ       بَا        بِلَ وهيَ من إحدى    العجائِبْ
فحذَارِ   يا    أُسْدَ      الشَّرى        من  فَتكِ   ألحاظِ     الرّبَارِبْ
غَضبانُ      أفديهِ        عَلى        ما  كانَ  منهُُ  مِن     مَغَاضبْ
دَعْ   ذا   فما   عُذرُ     الفَتى        في   غَيِّه    والفودُ      شَائِبْ

وكان صلاح الدين الأيوبي من المعجبين بشعر أسامة ابن المنقذ ، مشغوفاً بقراءة ديوانه، وتأمل خواطره، واستحسان روائع قصائده، ومما كان يشتد إعجاب صلاح الدين من شعرة قصيدة طائية يقول فيها:

جيرةَ  قَلبي إن تَدانَوْا وإن شَطُّوا      ومُنيَةَ نَفسي أنْصَفُونِي أو اشْتَطُّوا
عصَيْتُ اللّواحِي فيكُمُ وأطعتُمُ        مقَالَهُمُ ما هكَذا في الهَوى الشرْطُ
ولو عَلمُوا  مقدارَ حَظِّيَ  منكُمُ        وهمّي بكم زال التّنافُسُ والغَبْطُ
إذا كانَ حظّي منكُمُ في دنُوِّكُم         صدودٌ وهجرٌ  فالّتداني هو الشّحطُ
فيا قلبُ مهلاً لا تُرَعْ إنَّ قُربهمْ        إذا هَجروا مثلُ التّنائي إذا  شَطّوا
هَواهُم هَوىً لا البعدُ يُبْلي جَديدَه        لدَيْنا ولا عَالِيهِ بالهجر يَنْحَطُّ
أُحبّهُمُ   حُبّي   الحياةَ    محبّةً      جرتْ في دَمي والرّوحِ فَهي لها خِلْطُ
لهُم من فُؤادِي مَوضعُ  السّرِّ والهَوى  فمَحضُ هَواهُم في سُويدائِه وَخْطُ
يُعلّلُني    شَوقي  بزَوْرةِ   طَيفهم    وَجَيْبُ الدُّجَى عن واضحِ الصبحِ مُنْغَطُّ
وَطَرفِي يُراعي النّجْمَ حَيرانَ  مِثلَه      إلى أن دَعَاهُ في مغَارِبِهِ الهَبْطُ
عجبتُ له  كيفَ  اهتَدى  لرِحَالنَا      وكم للّوى من دُونِ تَعْرِيْسِنَا سقْطُ
وكيفَ فَرَى عرضَ الفَلاَ من يؤودُه    ويَبهرهُ في جانِب الخِدرِ أن يَخْطُو
فلما استَفَاض الفَجرُ كالبحر وانْبَرت       نُجومُ الدّجى فيهِ تَغُورُ  وتَنْغَطُّ
أسِفْتُ على زَوْرٍ أتَانِي به الكَرى        وما زَارَني مُذْ  كَان مستيقظاً قَطُّ
إذا مَاسَ خلتُ المسَّ غَالَ عقولَنا      وخَامَرها من سَوْرَةِ الوجدِ إسْفَنْطُ
يَقولُون خُوطٌ   أو  قَناةٌ   قويمةٌ         وما قَدّهُ  ما يُنبتُ البانُ  والخَطُّ
شبيهةُ  أمِّ  الخِشْف  جِيداً  ومُقلَةً        بِجيدِكِ  تزدانُ القلائدُ  والقُرْطُ
تَروّضَ  جَوٌّ   جُبْتِهِ   وتضوَّعَتْ        رُبىً  مَسّها  مما تَسرْبَلتِهِ مِرْطُ
حكى وجهُكِ الشمسَ المُنيرةَ في الضّحَى      ولونَ الدّياجِي شَعرُكِ الفاحمُ السّبطُ
فتكْتِ   ببَتّاك   الحُسامِ  إذا  هَوَى     على  مُفْردٍ ثَنّاهُ في المعرَكِ القَطُّ
وما خلتُ آسادَ الشرى إذْ  تَبَهْنَستَ     فرائسَ غِزلانِ الصّرِيمةِ إذ تعطو
فيا  عَجَباً من فَاتِرِ الطّرِفِ فاتِنٍ     سَطَا بِكَمِيٍّ لم يزلْ في الوغَى يَسطُو
فأردَاهُ   فردُ  الحُسن  فرداً وإنّه        ليُرهِبُهُ من رَهطِ  قَاتِلِه  الرّهطُ
أيا ساكني مصرٍ رضَانَا  لِبعدِكُم       عن العيشِ والأيّامِ لا تبعدُوا سُخطُ
إذا عنَّ  ذكراكُم  ظَلِلْتُ  كأنّني         غَريقُ بحارٍ ما  لِلُجّتِها  والشَطُّ
وأُلزِمُ كفّي صدعَ  قلبٍ أطارَهُ        جوَى الشوقِ لولاَ أن تَدارَكَهُ الضّبطُ

وقال فى باب المديح فى الأفضل عباس بن أبى الفتوح شفاعة لإنسان قال[76]:

لقد عمَّ جُودُ الأفضَلَ السَّيِّدَ الوَرَى       وأغنَى غَناءَ الغَيثِ حيثُ يَصُوبُ
أعدْتَ ربيعَ النَّاسِ في كلِّ بَلدةٍ        فليسَ  بها للرّائِدِين جُدُوبُ وجادَت  لهمُ   بالمالِ    يُمناكَ    إنّها        بَذُولٌ  على  بُخلِ  الزّمانِ   وَهُوبُ
وفي  كلِّ حيٍّ قد  خَبَطْتَ بِنعمةٍ        فحقٌّ لشَأسٍ من نَدَاك ذَنُوبُ
غرَّني  لامِعُ  السّرابِ وهذا ال         بحرُ دُوني عذبُ المياهِ شَروبُ
سرتُ  أسْتَقْرِئُ  المَحُولَ وفِي  أر        ضِيَ مَرْعى عِينٍ ووادٍ قَشيبُ
وسحابُ  مِنهُ    تعلَّمَتِ   السُّحْ       بُ  وإن لم تُشبِهْهُ كيفَ تصوبُ
سوءُ حَظٍّ  أنأَى عن  الملِكِ  الصا        لِحِ  وَالحظُّ   ينتهي     ويَثُوبُ
وإلى    بابِه      مآلي        وللآ       بِقِ  حُسنُ  القَبولِ حين  يُنِيبُ
غَابَ  عنه  جِسمِي  وقلبيَ  ما  زا        لَ  مقيماً  ببابِه لا   يَغيبُ
فإذا   ما   سَمعتَ   بالنّازحِ  ىالدَّا       ني  فإنّي ذاكَ البعيدُ   القريبُ
ومتَى   ما   قَرُبْتُ   منه    فحَظّي        من  عُلاهُ التّقريبُ والتّرحيبُ
وبما  نِلتُ  من  نَدى الملِكِ  الصّا         لحِ   أقسمتُ صَادِقاً لا  أحوبُ
لا  ثَناني  البِعادُ  عنه وإن  حَا        لَت  أعادٍ من   دُونِه    وحُروبُ
أو  يُروَّى بِرُؤْيتِي وجهَه  المي     مونَ قَلبِي الصّادِي وطَرْفي السّكُوبُ
ويقولَ    الأنامُ    آدمُ    قد   عَا         دَ  إلى  الخُلدِ  إنّ ذَا  لَعجيبُ
فحياتِي  وإن   بلَغْتُ    به    المأ         مولَ في غير ظِلِّهِ لا  تَطيبُ
يا أخا  البيد  والسّرَى وأخِي   البرْ        رِ  إذا  عقّنِي أخٌ    ونَسيبُ
قُل لِغيثِي  الهتونِ في أزمةِ   المح      لِ وغَوثِي إن أرهَقَتْنِي الخطُوبُ
كاشِفِ  الغُمَّةِ  المُبِرِّ   على  السح       بِ  بجودٍ  مَدَى الزّمانِ يصوبُ
يا رَبِيعي  المَريعَ  حاشَاكَ أن تُمْ      حِلَ رَبْعِي وَأنتَ ذُخري   الجدُوبُ
أنَا  أشكُو  إليكَ  دهراً  لحَا   عُو      دي  وأعرَاه  فَهْوَ  يَبْسٌ   سَليبُ
وخُطوباً  رَمى  بها  حادِثُ  الدَّهْ        رِ   سَوادي  وكلُّهُنَّ     مُصيبُ
أذْهَبَتْ   تَالِدي    وطارِفِيَ   الطَّا      ري فَضَاعَ المورُوثُ والمكسوبُ

ويبدو أن اسامة بن المنقذ لم يدون كل ما قاله فى الشعر، وذلك لعدم رضاه عن كل ما صدر منه ، فحذف ما لم يرقه ، حيث يقول[77]:

كلما رددت فى شعرى النظر       بان الضعف العّى فيه وظهر
ليس يرضيني ولا يمكننـى        جحد ما قد شاع منه واشتهر
فأجـيـل الفكر فى تقليـله        فإذا قل اختصرت المختصر
وبـه فقـر إلـى ذى كـرم       إن رأى ما فيه من عيب ستر

ويرى أسامة بن المنقذ أنه فى الحياة لكل شئ نهاية فلا بقاء لأمر ولا خلود لحادث حتى السرور والحزن لذلك فمن الواجب استقبال حوادث الأيام بحسن الصبر وقلة الاهتمام فإذا كانت الكوارث سوف تأتي وتزول فمن العبث أن يُزيد المرء من آلام نفسه[78]:

خفض عليك فللامور نهاية    وإلى النهاية كل شئ صائر

وهذا ما جعل لدى أسامة بن المنقذ قلة الاكتراث بما في الحياة من سعادة أو شقاء[79]:

لمَّا  رأيتُ  صروفَ    هَـ        ذا الدَّهرِ تلعبُ    بالبَرايا
يَعلو   بها   هذا    وَيَهْ        بِطُ ذا وقَصْرُهُمُ    المَنايا
ورأيتُه        مُسترجِعاً        نَزْرَ المواهِبِ    والعَطايا
مُتغايرَ   الأحوالِ     مُخْ        تَلِفَ الضرائِبِ والسَّجَايا
لا   نعمةٌ    فيهِ      تدو        مُ ولا  تدومُ  به    البَلايا
لم   أغْتَبِطْ   فيه      بفا        ئِدةٍ ولم  أخشَ    الرّزاي

الفرع السابع: ابن الساعاتي ( ت 604 هـ )

علي بن محمد بن رستم بن هَردوز، أبو الحسن، بهاء الدين بن الساعاتي شاعر مشهور، خراساني الأصل، ولد ونشأ في دمشق. وكان أبوه يعمل الساعات بها. قال ابن قاضي شهبة برع أبو الحسن في الشعر، ومدح الملوك، وتعانى الجندية وسكن مصر وتوفي بالقاهرة[80].

ولابن الساعاتى ولع بالطبيعة ومفاتنها، وذلك يبدو جلياً فى شعره فهو يستوحى من مفاتن الطبيعة الشعر فيقول[81]:

ولقد  نزلت  بروضة  حزينة        رتعت  نواظرنا  بها   والأنفس
فظللت أعجب حين يحلق صاحبي        والمسك  من  نفحاتها   يتنفس
ما  الجو  إلا  عنبر  والدوح    إلا        جوهر   والأرض إلا  سندس
سفرت   شقائقها    فهم    الأقحوا     ن  بلثمها  فرنا  إليه  النرجس
فكأن   ذا   ثغر   وذا   خد     يحا       وله  وذا  أبداً  عيون تحرس

ولقد أكثر ابن الساعاتي من استخدام التشخيص الأمر الذي أدى الى بث الحياة والحركة فى صورة الشعرية ، وأمثلته فى الشعر كثيرة منها قوله[82]:

أيُ ملكٍ ! لولا اسمهُ لبكى المنـ      ـبر من فرطِ لوعهٍ والتياح

فهو هنا قد منح ابن الساعاتي الجماد – المنبر  – صفات إنسانية فهو يشعر كما يشعر الإنسان يجعله يبكي لهذا الممدوح وهو ما ساعد الشاعر علي إيصال معنى الشعر بعمق وحيوية معاً.

      ويقول في مدح صلاح الدين الأيوبي[83]:

فتح وما أوجُهُ  الأسوار عابِسّةٌ         وللمجانيـق  فيها  أعيـنٌ نُجـلُ

ويقول فى الغيث[84] :

أرى الغيث في الآفاق  خرقاءَ  كفُّهُ       ولكنهُ  في  جلَّقٍ  صنعُ    اليدِ
حبتها    بأمثال    العقود   بنانهُ       فمن  بين منظومِ  وبين مبدَّد
وجاد   بها   جودَ   السخيّ   بمالهِ      وقد ظنّ  أن المال غير  مخلَّد
فضاجع  فيها   كلَّ   ميثاءَ    سهلةٍ      وصافح منها كلَّ أهيفَ  أغيد
فما بحسام البرق في جوّها  صدّا     ولا ببقاع الأرض من ربعها صدي
بحيث الدجى والبدر والبرق    حوله        كخوذة  زنجيّ عنت  لمهنَّد
ولما   دنا   التوديع   حلَّ   عيابه       وأسعفَ فعل الظَّاعن المتودّد
فنظَّم فيلا الودح  اليواقيت  والحلى   وألحف متن الأرض بسط الزبرجد

إن شعر ابن الساعاتى منوع النواحى ، فيه المدح ، والهجاء ، والغزل ، والرثاء، والوصف ، والحكمة ومن اجمل ما قاله فى وصف الأمانى[85]:

عشتَ  دهراً   منعّماً     بالأماني       أيُّ بيضٍ ينسينَ سودَ  الخطوبِ
مدنياتُ   المدى   ومبعدة     الهمِّ        وزاد  الغادي  وأنس  الغريب
والمجيبات  إذ  دعينَ  وكم     دا       عٍ خليلاً ما عن لهُ من   مجيب
ذات  وصلٍ  منزّهٍ  عن    صدودٍ        ودنوٍّ    مكرّمٍ  عن     رقيب
أخوات الشباب حسناً وإن أصبح        فوداك   في    قناع     المشيب
محسناتٌ  إليك   والدهر     جانٍ      باسمات  الوجوه عند   القطوب
وإذا  كنتَ  لا   تحبُّ     الأماني        فلماذا   تهوى  خيال    الحبيب

الفرع الثامن: ابن الفارض

ابن الفارض هو عمر بن الحسين بن علي شرف الدين أبو حفص الحموي الأصل. فهو إذن يدين بالأصل إلى حماة في بلاد الشام، ولهذا الأصل أهمية في طبائع الشاعر، فأهل الشام لهم في الأدب صولات وجولات وباع طويل، وقد كان للشاعر حنين دائم إلى الحجاز وهذا يعود لوجود المقامات والحضرات المحمدية في تلك الربوع، وكيف لا يصبو إليها وقد تعلقت نفسه بهذه المقامات حتى كاد لسانه لا يتلفظ إلا بها، فكان منه أن قضى في مكة وشعابها خمس عشرة سنة، أما إقامته في مصر فقد كان بحكم إقامة والده، حيث كان في أول صباه يستأذن والده، ويطلع إلى وادي المستضعفين بالجبل الثاني من المقطم ويأوي إليه، ويقيم في هذه السياحة ليلاً ونهاراً حيث كانت نفسه تشتاق دوماً إلى العالم العلوي، والحضرات والأسماء الربانية، فنشأ متصوفاً زاهداً عابداً، وقد ظهرت نزعته الصوفية في شعره، ولولا التصوف والمعاني الصوفية في شعره لما حفل بهذه القيمة العظيمة، شغل ابن الفارض بالشعر نحو أربعين سنة، وتميز شعره بقيمة معانيه، فكان من حيث المعاني فحل من الفحول، لأنه استطاع الجمع بين الحقيقة والخيال، فالحقيقة عند هذا الشاعر، هي الصورة الروحية، وأما الخيال فهو الصورة الحسية التي رمز بها إلى المعنويات. ولا شك أن ابن الفارض كان يعيش حالات الوجد والفناء بالله، وقد تعددت أسماء الحبيبة في شعره، وإن كان المقصود فيها محبوبة واحدة هي الحضرة المحمدية، وأما عن مكانة ابن الفارض الأدبية والفنية، فهو بالرغم من اعتبار مؤرخي الأدب أنه ليس من فحول الشعراء، إلا أنه ذاع صيته وانتشرت أشعاره على ألسنة الناس[86].

ولقد أوتي ابن الفارض حظاً وفيراً من الرقة عندما يَترك نفسه على سجيتها ولا يقيدها بألوان المحسنات البديعية كقوله[87]:

قلبي يُحَدّثني بأَنّكَ  مُتْلِفِي روحي     فِداكَ  عرَفْتَ  أمَ   لم تَعْرِفِ
لم أَقْضِ حَقّ هَواكَ إن كُنتُ الذي     لم أقضِ فيِه أسىً ومِثليَ مَنْ يَفي
ما لي سِوَى روحي وباذِلُ نفسِهِ في حُبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِف
فلَئِنْ رَضِيتَ بها فقد أسعَفْتَني       يا خَيبَة المَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ
يا مانِعي طيبَ المَنامِ ومانِحي      ثوبَ السّقامِ بِهِ ووَجْدِي المُتْلِفِ
عَطفاً على رَمقي وما أبقَيتَ لي      منْ جسميَ المُضْنى وقلبي المُدَنَفِ
فالوَجْدُ باقٍ والوِصَالُ مُماطلي        والصّبْرُ فانٍ واللّقاء مُسَوّفي
لم أَخلُ من حَسَدٍ عليك فلا تُضِعْ     سَهَري بتَشْنِيع الخَيالِ المُرجِفِ
واسأَلْ نجومَ اللّيلِ هل زارَ الكَرَى        جَفني وكيف يزورُ مَن لم يَعْرِفِ
لا غَرْوَ إن شَحّتْ بغُمْضِ جُفُونها    عيني وسَحّتْ بالدّموعِ الذّرّفِ
وبما جرَى في موقفِ التوديعِ مِنْ     ألمِ النّوَى شاهدتُ هَولَ الموقفِ
إن لم يكن وْصلٌ لدَيْكَ فعِدْ به        أَمَلي وَمَاطِلْ إنْ وَعَدْتَ ولا تفي
فالمَطْلُ منكَ لدَيّ إنْ عزّ الوفا        يحلو كوَصَلٍ من حبيبٍ مُسْعِفِ
أهْفُو لأنفاسِ النّسِيمِ تَعِلّةً             ولوَجْه مَن نقَلَتْ شَذَاهُ تشوّفي
فلَعَلّ نارَ جوانحي بهُبُوبِها          أن تنطَفي وأوَدّ أن لا تنطَفي
يا أهلَ وُدّي أنتم أَمَلي ومَن          نَادَاكُمُ يا أَهْلَ وُدّي قد كُفي
عُودوا لِما كُنْتُم عليه من الوفا        كَرَماً فإنّي ذَلِكَ الخِلّ الوَفي
وحياتِكُمْ وحياتِكُمْ قَسَماً وفي        عُمري بغيرِ حياتِكُمْ لم أحْلِف
لو أَنّ رُوحي في يدي وَوَهَبْتُها       لمُبَشّري بِقُدُومكمْ لم أُنْصِف
لا تحسَبُوني في الهوى مُتَصَنّعاً      كَلَفي بِكُمْ خُلُقٌ بغيرِ تكلُّف
أخفَيتُ حُبّكُمُ فأخفاني أسىً           حتى لعَمري كِدْتُ عني أختفي
وكتمْتُهُ عنّي فلو أبدَيْتُهُ لوَجَدْتُهُ          أخفى منَ اللُّطْف الخَفي

ولشعر ابن الفارض لغة وسمة صوفية مشهور بها يعبر بها عن إحساسه وعواطفه تجلت هذة اللغة فى تائيتة الكبرى فقال[88]:

جلت فى تجليها   الوجود  لناظرى      وفى  كل  مرئى  أراها  برؤية
واشهدت عينى أذ  بدت    فوجدتنى      هنالك  إياها   بجلوة   خلوتى
وطاح وجودى فى شهودى وغبت عن      وجود شهودى ما حيا غير مثبت
وعانقت ما شاهدت فى محو  شاهدى     بمشهده  للصحوه من بعد سكرتى
ففى المحو بعد الصحو لم  أك غيرها     وذاتى  بذاتى  إذ تجلت  تجلت

الفرع التاسع: البهاء زهير ( ت 656 هـ )

ولد في تهامة قرب مكة سنة 581 هـ، نزحت أسرته وهو صغير إلى مصر بمدينة قوص مجتمع بعض الأمراء والعلماء والفقهاء وتلقى تعليمه فيها وتنقل بين القاهرة وغيرها في مصر. ولما ظهر نبوغه وشاعريته التفت إليه الحكام بقوص فأسبغوا عليه النعماء وأسبغ عليهم القصائد. وطار ذكره في البلاد وإلى بني أيوب فخصوه بعينايتهم وخصهم بكثير من مدائحه. توثقت صلة بينه وبين الملك الصالح أيوب ويذكر أنه استصحبه معه في رحلاته إلى الشام وأرمينية وبلاد العرب. مات البهاء زهير في ذي القعدة 656 هـ.

ويقول ابن خلكان في ترجمته أنه من فضلاء عصره وأحسنهم نظما ونثرا وخطا ومن أكبرهم مروءة كان قد اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح نجم الدين أبي الفتح أيوب بن الملك الكامل بالديار المصرية وتوجه في خدمته إلى البلاد الشرقية وأقام بها إلى أن ملك الملك الصالح مدينة دمشق فانتقل إليها في خدمته وأقام كذلك إلى أن جرت الكائنة المشهورة على الملك الصالح وخرجت عنه في دمش وخانه عسكره وهو على نابلس وتفرق عنه وقبض عليه ابن عمه الملك الناصر داود صاحب الكرك واعتقله بقلعة الكرك فأقام بهاء الدين زهير المذكور بنابلس محافظة لصاحبه ولم يتصل بغيره ولم يزل على ذلك حتى خرج الملك الصالح وملك الديار المصرية وقدم إليها في خدمته وذلك في أواخر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة[89].

وعلى الرغم من مولد البهاء زهير فى مكة إلا أن ابن خلكان يقول عنه أنه مصرى المنشأ مصرى الروح مصرى العاطفة وهذا ما يتضح من شعرة فهو القائل[90] :

أَأَرحَلُ مِن مِصرٍ وَطيبِ نَعيمِها       فَأَيُّ  مَكانٍ  بَعدَها  لِيَ  شائِقُ
وَأَترُكُ   أَوطاناً  ثَراها   لِناشِقٍ       هُوَ الطيبُ لاما ضُمَّنَتهُ المَفارِقُ
وَكَيفَ وَقَد أَضحَت مِنَ الحُسنِ جَنَّةً       زَرابِيُّها   مَبثوثَةٌ   وَالنَمارِقُ
بِلادٌ  تَروقُ العَينَ وَالقَلبَ  بَهجَةً        وَتَجمَعُ  مايَهوى  تَقِيٌّ  وَفاسِقُ
وَإِخوانَ صِدقٍ يَجمَعُ الفَضلُ شَملَهُم      مَجالِسُهُم  مِمّا  حَوَوهُ  حَدائِقُ
أَسُكّانَ مِصرٍ إِن قَضى اللَهُ بِالنَوى      فَثَمَّ   عُهودٌ   بَينَنا   وَمَواثِقُ
فَلا تَذكُروها لِلنَسيمِ فَإِنَّهُ لِأَمثالِها       مِن   نَفحَةِ   الرَوضِ   سارِقُ
إِلى كَم جُفوني  بِالدُموعِ  قَريحَةٌ         وَحَتّامَ   قَلبي   بِالتَفَرُّقِ  خافِقُ
فَفي كُلِّ يَومٍ   لي  حَنينٌ  مُجَدَّدٌ     وَفي  كُلِّ أَرضٍ  لي حَبيبٌ مُفارِقُ
سَتَأتي  مَعَ الأَيّامِ  أَعظَمُ   فُرقَةٍ         فَما  لِيَ أَسعى  نَحوَها  وَأُسابِقُ
وَمِن  خُلُقي أَنّي  أَلوفٌ  وَأَنَّهُ        يَطولُ   اِلتِفاتي   لِلَّذينَ   أُفارِقُ
يُحَرِّكُ وَجدي في الأَراكَةِ طائِرٌ         وَيَبعَثُ  شَجوي في الدُجَنَّةِ  بارِقُ
وَأُقسِمُ مافارَقتُ في الأَرضِ مَنزِلاً     وَيَذكَرُ   إِلّا  وَالدُموعُ  سَوابِقُ
وَعِندي مِنَ الآدابِ في البُعدِ مُؤنِسٌ     أُفارِقُ  أَوطاني  وَليسَ  يُفارِقُ
وَلي صَبوَةُ العُشّاقِ في الشِعرِ وَحدَهُ     وَأَمّا  سِواها  فَهيَ  مِنِّيَ  طالِقُ
كَلامي الَّذي يَصبو لَهُ كُلُّ سامِعٍ           وَيَهواهُ  حَتّى  في  الخُدورِ العَواتِقُ
كَلامي غَنِيٌّ  عَن  لُحونٍ  تَزينُهُ        لَهُ  مَعبَدٌ   مِن  نَفسِهِ   وَمُخارِقُ
لِكُلِّ اِمرِئٍ  مِنهُ  نَصيبٌ  يَخُصُّهُ      يُلائِمُ  ما  في  طَبعِهِ   وَيُوافِقُ
تُغَنّي  بِهِ  النُدمانُ وَهوَ  فُكاهَةٌ      وَيُنشِدُهُ  الصوفيُّ  وَهوَ  رَقائِقُ
بِهِ يَقتَضي الحاجاتِ مَن هُوَ طالِبٌ   وَيَستَعطِفُ الأَحبابَ مَن هُوَ عاشِقُ

وهو القائل ايضا:

سَقى وادِياً بَينَ العَريشِ وَبُرقَةٍ        مِنَ  الغَيثِ  هَطّالُ  الشَآبيبِ  هَتّانُ
وَحَيّا النَسيمُ الرَطبُ عَنّي إِذا سَرى      هُنالِكَ   أَوطاناً إ ِذا  قيلَ  أَوطانُ
بِلادٌ مَتى ما  جِئتَها جِئتَ  جَنَّةً      لِعَينَيكَ  مِنها  كُلَّما  شِئتَ  رُضوانُ
تُمَثِّلُ لي  الأَشواقُ  أَنّ َ تُرابَها     وَحَصباءَها  مِسكٌ  يَفوحُ  وَعِقيانُ
فَيا ساكِني مِصرٍ تُراكُم عَلِمتُمُ        بِأَنِّيَ  ما لي عَنكُمُ  الدَهرَ  سُلوانُ
وَما في فُؤادي مَوضِعٌ لِسِواكُمُ         فَمِن أَينَ فيهِ وَهوَ بِالشَوقِ مَلآنُ
عَسى اللَهُ يَطوي شُقَّةَ البُعدِ بَينَنا     فَتَهدَأَ   أَحشاءٌ  وَتَرقَأَ  أَجفانُ
عَلَيَّ لِذاكَ اليَومِ صَومٌ  نَذَرتُهُ        وَعِندي عَلى  رَأيِ التَصَوُّفِ شُكرانُ

وقضي زهير فى مسقط رأسه بمكة حيناً لا يحددة التاريخ ولكن شعره يُحدثنا بأنه مكث هناك حيناً ترك فى نفسه ذكريات لا تنسى وذلك حين يقول[91]:

سَقى اللَهُ أَرضاً لَستُ أَنسى عُهودَها   وَياطولَ  شَوقي  نَحوَها  وَحَنيني
  بِلادٌ إِذا  شارَفتُ   مِنها  نُجومَها   بَدا النورُ  في قَلبي وَفَوقَ  جَبيني
 مَنازِلُ  كانَت  لي  بِهِنَّ  مَنازِلٌ      وَكانَ  الصِبا  إِلفي  بِها  وَقَريني
تَذَكَّرتُ عَهداً بِالمُحَصَّبِ مِن مِنىً       وَما دونَهُ  مِن  أَبطَحٍ  وَحُجونِ
وَأَيّامَنا  بَينَ  المَقامِ   وَزَمزَمِ            وَإِخوانَنا  مِن  وافِدٍ   وَقَطينِ
وَيا طيبَ نادٍ في ذُرى البَيتِ بِالضُحى       وَظِلٍّ يَقومُ العودُ فيهِ بِحينِ
وَقَد بَكَرَت مِن نَحوِ نُعمانَ نَسمَةً      تُحَدِّثُ عَن أَيكٍ بِهِ وَغُصونِ
زَمانٌ عَهِدتُ الوَقتَ لي فيهِ واسِعاً    كَما شِئتُ مِن جِدٍّ بِهِ وَمُجونِ
إِذِ العَيشُ نَضرٌ فيهِ لِلعَينِ مَنظَرٌ     وَإِذ وَجهُهُ غَضٌّ بِغَيرِ غُضونِ

وقوله[92]:

أَحِنُّ إِلى عَهدِ المُحَصَّبِ مِن  مِنىً       وَعَيشٍ  بِهِ كانَت  تُرِفُّ  ظِلالُهُ
وَيا    حَبَّذا    أَمواهُهُ   وَنَسيمُهُ         وَيا  حَبَّذا  حَصباؤُهُ  وَرِمالُهُ
وَيا أَسَفي إِذ  شَطَّ  عَنّي   مَزارُهُ          وَيا حَزَني إِذ غابَ عَنّي غَزالُهُ
وَكَم  لِيَ بَينَ  المَروَتَينِ  لُبانَةٌ          وَبَدرُ  تَمامٍ  قَد حَوَتهُ   حِجالُهُ
مُقيمٌ  بِقَلبي  حَيثُ  كُنتُ  حَديثُهُ            وَبادٍ  لِعَيني  حَيثُ  سِرتُ  خَيالُهُ
وَأَذكُرُ أَيّامَ الحِجازِ وَأَنثَني كَأَنّي صَريعٌ يَعتَريهِ خَبالُهُ
وَياصاحِبي بِالخَيفِ كُن لِيَ مَصعَداً      إِذا آنَ مِن ذاكَ الحَجيجِ اِرتِحالُهُ
وَخُذ جانِبَ الوادي كَذا عَن يَمينِهِ     بِحَيثُ القَنا يَهتَزُّ مِنهُ طِوالُهُ
هُناكَ تَرى بَيتاً لِزَينَبَ مُشرِقاً        ِذا جِئتَ لا يَخفى عَلَيكَ جَلالُهُ
فَقُل ناشِداً بَيتاً وَمَن ذاقَ مِثلَهُ       لَدى جيرَةٍ لَم يَدرِ كَيفَ اِحتِيالُهُ
وَكُن هَكَذا حَتّى تُصادِفَ فُرصَةً       تُصيبُ بِها ما رُمتَهُ وَتَنالُهُ
فَعَرِّض بِذِكري حَيثُ تَسمَعُ زَينَبٌ      وَقُل لَيسَ يَخلو ساعَةً مِنكِ بالُهُ
عَساها إِذا ما مَرَّ ذِكري بِسَمعِها     تَقولُ فُلانٌ عِندَكُم كَيفَ حالُهُ

ولقد تثقف ابن زهير على أيدى علماء قوص وأقبل على الأدب وعلومه فمضى يقرأ ما هو متيسر من النصوص الأدبية ويدرس ما يُعينة على فهم هذه النصوص الأدبية وجّد في دراسته ونجد ذلك في شعره واضح المعالم فى قوله[93]:

عطلته لما رايتك معرضاً      عنه ، وما من مذهبي التعطيل

ونجد بعض مصطلحات الحديث في قوله:

وهوى حفظت حديثه وكتمته      فوجدت دمعى قد رواه مسلسلا

وبعض مصطلحات النحو حين يقول:

فمت كمدا يا حاسدى فأنا الذى       له صلة ممن يحب وعائد

الفرع العاشر: البوصيرى( 696 هـ )

هو محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري، شرف الدين، أبو عبد الله. شاعر، حسن الديباجة، مليح المعاني. نسبته إلى بوصير – من أعمال بني سويف بمصر – أمه منها. وأصله من المغرب من قلعة حماد من قبيل يعرفون ببني حبنون. ومولده في بهشيم من أعمال البهنساوية ووفاته بالإسكندرية وأشهر شعره البردة[94].

اقترن اسم البوصيري بفن المدائح النبوية ، فهو فارس هذه الحلبة الذي لا ينازع ، وهو أستاذ هذا الفن الذي يحَتَذى حذوه ، بالرغم من تأخر عصره ، وكثرة سابقيه ، وبردته هي الأنموذج الذي احتذاه الشعراء بعده ، رغم سبق بردة كعب لها بمئات السني ، فعلى بردته عكف الدارسون والشعراء بالشرح والتحليل ، واستلهام معانيها وألفاظها بالتضمين والتشطير والتخميس والمعارضة ، وإذا كنا نزعم أن قصيدة البردة هي أشهر شعره، فإننا نزعم أيضا أنها من أهم عوامل اشتهار البوصيري نفسه ، وذلك لأنه إلى جانب جودتها الفنية قد حيكت حولها الكثير من القصص والروايات التي رفعتها أحيانا إلى درجة من درجات التقديس .

وله قصيدة همزية أخرى فى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وبلغت قصيدته ارعمائة وستين بيتاً بدأها بقوله[95]:

كيف  ترقَى  رُقِيَّك   الأَنبياءُ   يا       سماءً   ما   طاوَلَتْها   سماءُ
لَمْ  يُساوُوك  في   عُلاكَ   وَقَدْ حا       لَ سناً   مِنك   دونَهم   وسَناءُ
إنّما     مَثَّلُوا    صِفاتِك    للنا             س  كما   مثَّلَ  النجومَ   الماءُ
أنتَ  مِصباحُ  كلِّ فضلٍ  فما  تَص       دُرُ إلا  عن  ضوئِكَ  الأَضواءُ
لكَ  ذاتُ  العلوم ِ من  عالِمِ  الغَي         بِ ومنها   لآدمَ  الأَسماءُ
لم تَزَلْ في ضمائرِ  الكونِ  تُختَا           رُ  لك   الأُمهاتُ  الأَباءُ
ما مضتْ  فَترةٌ  من  الرُّسْلِ  إِلّا           بَشَّرَتْ قومَها  بِكَ  الأَنبياءُ
تتباهَى   بِكَ  العصورُ   وَتَسْمو             بِكَ  علْياءٌ   بعدَها   علياءُ
وَبَدا  للوُجُودِ   منك   كريمٌ              من   كريمٍ   آبَاؤُه   كُرماءُ
نَسَبٌ  تَحسِبُ  العُلا   بِحُلاهُ             قَلَّدَتْهَا   نجومهَا   الْجَوزاءُ
حبذا  عِقْدُ  سُؤْدُدٍ   وَفَخَارٍ              أنتَ فيه   اليتيمةُ    العصماءُ
وُمُحَيّاً  كالشَّمس  منكَ  مُضِيءٌ      أسْفَرَت   عنه   ليلةٌ   غَرّاءُ
ليلةُ  المولدِ  الذي كَان  للدِّي          نِ  سرورٌ   بيومِهِ  وازْدِهاءُ
وتوالَتْ  بُشْرَى  الهواتفِ  أن قدْ           وُلِدَ  المصطفى  وحُقّ  الهَناءُ
وتَدَاعَى   إيوانُ  كِسْرَى   ولَوْلا     آيةٌ   مِنكَ   ما تَدَاعَى  البناءُ
وغَدَا  كلُّ بيتِ  نارٍ  وفيهِ              كُرْبَةٌ  مِنْ  خُمودِها   وَبلاءُ
وعيونٌ  لِلْفُرسِ غارَتْ  فهل  كا         نَ   لنِيرانِهِم   بها   إطفاءُ
مَوْلِدٌ  كان  منهُ  في طالعِ  الكُفْ           رِ   وبالٌ   عليهِمُ   ووباءُ
فَهنيئاً   به    لآمِنَةَ     الفَض                لُ الذي  شُرِّفَتْ  به  حوَّاءُ
مَنْ لِحَوَّاءَ  أنها  حملَتْ أحْ            مدَ   أو  أنها  به    نُفَس

ولقد أبدع البوصيرى فى وصف بؤسه بطريقة ساخرة ممزوجة بالتهكم ولعله رآى أن ذلك أجدى فى استرضاء القلوب واستدرار ما في الجيوب وإثارة العواطف عن طريق الجد لا سيما عند المماليك الذين ثقل عليهم الشعر الجزل وأساليب العربية العالية فالشعر الدعابى سيار بين الناس يتفهمة العامة قبل الخاصة ويطير بين الناس شهرة صاحبه فى كل مكان وهذا ما حدث فى قصيدته التى أنشدها على لسان أتانه[96]  التى أخذها منه ناظر الشرقية فى ذلك الوقت فقال[97] :

ما  كان   ظني   يبيعني   أحد        قط   ولكن  صاحبى  جاهل
أقصى مرادى لو كنت فى بلدى      أرعى بها فى جوانب  الساحل
وبعد هذا  فما  يحل لكم  أخذى      لأنى    من    سيدى   حامل

المطلب الرابع: الكتابه في عهد الدولة الأيوبية.

امتازت الكتابة في العصر الأيوبي بأنها اقتحمت ميادين الشعر ، بل تفوقت عليه في بعض الأحيان ، وكان يحرص الكتاب على النهل من الأدب والقراءة والثقافة بوضع عام بألوان عدة ، وكان بعض الأدباء يبالغ فى الحفظ فيحفظ كتب بتمامها ، وكانت صور الدب النثري التقليدية موجودة بنفس الصور تقريباً ونعنى هنا الرسائل والخطب ، وزادت عليها المقامات وهي أحدثها ظهوراً في الأدب النثري ، وكانت لمقامات الهمذاني والحريرى أثر واضح فى انتشار هذا الفن وظهورة بين الفنون الأخرى للكتابة[98] .

فنون الكتابة فى العصر الأيوبي:

أولاً: الكتابة الأخوانية.

للكتابة الإخوانية فى عهد الدولة الأيوبية مجموعة سمات منها أنه لم يكن عندهم فى الابتداء نص معين فيمكن أن تبتدئ الكتابة بالدعاء ، وذلك هو الغالب فى مكاتبتهم كما كتب القاضي الفاضل إلى العماد الأصفهاني” أدام الله أيام المجلس التى هي لحسنات المدل مديلة ، ولعثرات المقل مقبلة ، ولمعاطف العز مميلة، ولمقاطف الفوز منيلة، ولقداح الجدوى مجيلة ، ولا زالت الآراب بمكارمه باجحة ، ولآراء بمراسمة ناجحة ن ومتاجر المفاخر بموالاته رابحة ، وأيدى الآمال لأياديه بمصافاته مصافحة ن وأرواح أوليائه بروح الائه فى مواطاة أعطياته عابقة فائحة ، وأدعية الداعين لأيا من أيامه ، المذعنين لعهود إنعامه طيبة صالحة” أو قد يبتدئون فى مكاتباتهم بالغرض من غير تقديم الدعاء كما كتب العماد الأصفهاني فى اعتذار عن تأخر المكاتبات ” إن تأخرت مكاتباتى فإن العذر معلوم ، والقلم مصدود واللقم مسدود والبلد محصور” الى غير ذلك من أساليبهم العديدة [99]

      ثانياً: الكتابة الإنشائية:

أبرز من برع بهذه الطريقة من الكتابة القاضي الفاضل، ذلك أنه بنيت على السجع الملتزم، والاستعارة، والطباق، ومراعاة النظير والتلميح، والجناس، واستخدام البديع والتوريه، فلا تكاد تخلو رسالة للقاضي الفاضل من هذه البديعيات ، وجاءت شهرته جاءت من أسلوب كتابته ولقد كتب القاضي الفاضل العديد من الرسائل الإنشائية تعبر كلها عن جودته فى الكتابه منها ما كتب القاضي الفاضل  عن السلطان صلاح الدين إلى أخيه سيف الإسلام سلطان اليمن يستقدمه إليه معاوناً له على قتال الصليبين ويبشرة بفتح صفد والكرك قال فيها” وهي أصدرنا هذه المكاتبة إلى المجلس ومما تجدد بحضرتنا فتوح كوكب وهي كرسي الإستبارية ودار كفرهم ومستقر صاحب أمرهم وموضع سلاحهم وذخرهم وكان بمجمع الطرق قاعدا ولملتقى السبل راصدا فتعلقت بفتحه بلاد الفتح واستوطنت وسلكت الطرق فيها وأمنت وعمرت بلادها وسكنت ولم يبق في هذا الجانب إلا صور ولولا أن البحر ينجدها والمراكب تردها لكان قيادها قد أمكن وجماحها قد أذعن وما هم بحمد الله في حصن يحميهم بل في سجن يحويهم بل هم أسارى وإن كانوا طلقاء وأموات وإن كانوا أحياء قال الله عز و جل ( فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم غدا ) ولكل امريء أجل لا بد أن يصدقه غائبه وأمل لا بد أن يكذبه خائبه

 وكان نزولنا على كوكب بعد أن فتحنا صفد بلد الديوية ومعقلهم ومشتغلهم وعملهم ومحلهم الأحصن ومنزلهم وبعد أن فتحنا الكرك وحصونه والمجلس السيفي أسماه الله أعلم بما كان على الإسلام من مؤونته المثقلة وقضيته المشكلة وعلته المعضلة وأن الفرنج لعنهم الله كانوا يقعدون منه مقاعد للسمع ويتبوأون منه مواضع للنفع ويحولون بين قات وراكبها فيذللون الأرض بما كان منه ثقلا على مناكبها

 والآن ما أمن بلاد الهرمين بأشد من بلاد الحرمين فكلها كان مشتركا في نصرة المسلمين بهذه القلعة التي كانت ترامي ولا ترام وتسامي ولا تسام وطالما استفرغنا عليها بيوت الأموال وأنفقنا فيها أعمار الرجال وقرعنا الحديد بالحديد إلى أن ضجت النصال من النصال والله المشكور على ما انطوى من كلمة الكفر وانتشر من كلمة الإسلام

 وإن بلاد الشام اليوم لا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما فادخلوها بسلام وكان نزولنا على كوكب والشتاء في كوكبه وقد طلع بيمن الأنواء في موكبه والثلوج تنشر على البلاد ملاءها الفضيض وتكسو الجبال عمائمها البيض والأودية قد عجت بمائها وفاضت عند امتلائها وشمخت أنوفها سيولا فخرقت الأرض وبلغت الجبال طولا والأوحال قد اعتقلت الطرقات ومشى المطلق فيها مشية الأسير في الحلقات فتجشمنا العناء نحن ورجال العساكر وكاثرنا العدو والزمان وقد يحرز الحظ المكاثر وعلم الله النية فأنجدنا بفضلها وضمير الأمانة فأعان على حملها ونزلنا من رؤوس الجبال بمنازل كان الاستقرار عليها أصعب من نقلها والوقوف بساحتها أهون من نقلها وأما بنعمة ربك فحدث”[100] 

      كذلك من أمثلة رسائله الإنشائية نسخة كتاب أرسلها لبعض أمراء الشام عن الملك صلاح الدين عند وفاة نور الدين محمود قال فيها” وهي كتابنا هذا إلى الأمير معزين بالرزء الذي كملت أقسامه وتمت ورمت أحداثه القلوب فأصمت وطرقت أحاديثه الأسماع فأصمت وأبى أن تعفو كلومه وكاد لأجله الأفق تنكسف بدوره وتنكدر نجومه وثلم جانب الدين لفقد من لولاه لدرست أعلامه ولم تدرس علومه وفجأ فاستولى على كل قلب وجيبه وعلى كل خاطر وجومه بانتقال المولى نور الدين إلى سكنى دار السلام وقدومه على ما أعده الله له من جزاء ذبه عن الإسلام وبكى أهله على فقد عزائمه التي بها حفظت وحرست وشكت الممالك وحشة بعده وإن ابتهجت الملائكة بقربه وأنست فلله هو من مصاب أغرى العيون بفيضها والنفوس بفيظها ونقل الأولياء من ظل المسرة ونعيمها إلى هجير المساءة وقيظها وأوجب تناجي الكفار بالنجاة من تلك السطوة التي لم تزل تزيدها غما وتردها بغيظها

 ومهنئين بما أسا الكلم وداواه وحوى الحق إلى الجانب الأمنع وآواه من جلوس ولده الملك الصالح ذي التصويب والتسديد مشمولا منا بالعرف العميم والطول الجسيم جاريا على سنه المعهودة وعادته المحمودة في رفع صالح أدعيته عن صفاء سريرته وخلوص عقيدته مستمرا على جميل تحيته في إمدادنا ببركته إن شاء الله تعالى”[101]

الفصل الأول

اتجاهات النقاد في تلقي موضوعات

الشعر وفنونه.

المبحث الأول : المفهوم اللغوي والاصطلاحي للشعر والنقد .

المطلب الأول: مفهوم الشعر.

الشعر فن روحي في جوهره، له ما يربطه وثيقاً بالذات الإنسانية، ولکلّ أديب ذاتيته مما يجعل من الصعب تعريف الشعر تعريفاً معيارياً؛  الأمر الذي يجعل من الصعب تعريف الشعر ، ولعل تعريف الشعر منطقياً هو شئ غير يسير على الإطلاق، فالشعر كلمة تُثير فى النفوس معانٍ مختلفة كلاً حسب دراسته ومفهومه[102] .

ولقد حظي مفهوم الشعر بعناية بالغة من النقاد العرب قدامي ومحدثين علي اختلاف وتباين اهتماماتهم، بدءاً من ابن سلام والجاحظ مروراً بالمرزوقي والقرطاجنى وانتهاء بالنقاد المعاصرين، بکلّ ما يزخر به هذا التاريخ النقدى.

والشعر لدي اللغويون هو معني العلم بالشئ، والتفطن له، وإدراكه، وقالوا إن كل علم يدعى شعراً ، ولكنه غاب عنه منظومة القول بالوزن والقافية، ، أما نقاد لعرب فقد سموا الشاعر شاعراً بما يشعر به من معاني القول وبما يكتب بإصابة الوصف وذلك بما يشعر به وأن يأتي بكلام موزون مقفي[103] .

ويقول ابن منظور في لسان العرب ” وليت شعري، أي ليت علمي أو ليتني علمت، وليت شعري من ذلك أي: ليتني شعرت.

وفي الحديث: ليت شعري ما صنع فلان، أي ليت علمي حاضر أو محيط بما صنع. وفي التنزيل: “وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون” ، أي: وما يدريكم. وأشعرته فشعر أي: أدريته فدرى، والشعر : منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كل علم شعراً..”.[104]

المطلب الثاني: المفهوم اللغوي والاصطلاحي للنقد:

النقد فى اللغة عند ابن فارس[105]: النون والقاف والدال، أصلٌ صحيح يدلُّ على إبراز شيء وبروزه.

من ذلك: النقد في الحافِر، وهو تقشُّره، والنقد في الضِّرس: تكسُّره، وذلك يكون بتكشُّف لِيطه عنه.

ومن الباب: نقد الدرهم، وذلك أنْ يكشف عن حاله في جودته أو غير ذلك.

ودرهم نقد: وازنٌ جيد، كأنَّه قد كشف عن حاله فعلم.

ويأتي النقد بمعنى كشف العُيوب، قال أبو الدرداء[106]: “إن نقدت الناس نقدوك”؛ أي: عبتهم واغتبتهم، من قولك: نقدت الجوزة أنقدها، ونقد الدرهم، ونقد له الدرهم؛ أي: أعطاه إيَّاه.

 ونقد الدراهم؛ أي: أخرج منها الزيف، وناقدت فلانًا، إذا ناقشته بالأم

“النقد في حقيقته تعبيرٌ عن موقفٍ كلي متكامل في النظرة إلى الفن عامَّةً، أو إلى الشِّعر خاصَّةً، يبدأ بالتذوُّق؛ أي: القدرة على التمييز، ويعبرُ منها إلى التفسير والتعليل والتحليل والتقييم، خطوات لا تُغنِي إحداها عن الأخرى، وهي متدرجةٌ على هذا النسق؛ كي يتَّخذَ الموقف نهجًا واضحًا، مؤصلاً على قواعد – جزئيَّة أو عامَّة – مؤيدًا بقوَّة الملكة بعد قوَّة التمييز”[107].

والنقد بتعريفه اللغوي هو تفحص الشيء والحكم عليه و تمييز الجيد من الرديء[108] .

كما أن النقد هو ذكر لمكامن القوة ومكامن الضعف فيها، وقد يقترح أحيانا الحلول المناسبة لها، والنقد أيضا، النظر في قيمة الشيء، والتقييم[109].

ويختلف مفهوم النقد على حسب نوع المنقود الذي يخاضُ فيه، فنقد الأدباء والشُّعَراء غير نقد الفُقَهاء وأهل الفرق، ونقد الأصوليين غير نقد المحدِّثين؛ فلكلٍّ قواعدُه ومناهجُه، غير أنَّ المشترك بينها هو النظر في المقالة لبيان عُيوبها، وكشف نقائصها، ثم الحكم عليها بمعايير فنِّها، وتصنيفها مع غيرها.

المبحث الثاني: موضوعات الشعر وفنونه في العصر الأيوبي.

لم تختلف موضوعات الشعر في هذا العصر عن موضوعات العصور السابقة، من مدح وهجاء وفخر وغزل ورثاء ووصف وشكوى وما إلى ذلك.

المطلب الأول: المدح.

المدح ضرورة فرضها الإعجاب والإكبار بالممدوح، وحاجة الشعراء إلى من يكفل لهم العيش الرغد، وحاجة الممدوح إلى شاعر يخلده على مرِّ الأيام، فكم خّلد الشعراء أناسا،  فطغت شهرتهم على مَنْ هم أشدُّ منهم هيبة وسلطانا[110].

كان الاحتلال الصليبي لأجزاء من الأراضي العربية هو الدافع والمحرك الذي ألهب العواطف، وفجّر الأحاسيس، وكان دور الشعراء في تسجيل هذه اللحظات التاريخية من البطولات والانتصارات للمسلمين علي يد صلاح الدين دوراً عظيماً، فانطلق كثير من شعراء العصر يصوّرون انتصارات المسلمين على أعدائهم، ويمدحون سلاطينهم وملوكهم وقادتهم ، لذلك لا غرابة أن نجدهم في هذا العصر يُسخّرون فنهم الشعري في مقاومة الغزاة، والتحريض عليهم، لأن الشعر هو قلب الأمة النابض وتاريخها المسجل، وعواطفه الوقّادة.

فهذا فتيان الشاغوري يصف معركة حطين فيقول:

جاشَِت جيوشُ الشّركِ يومَ لقيتهُمْ       يتذامَرُون على مُتُون الضُّمرِ
أوردتَ أطراف َ الرِّماح صُدُورَهم       فولغْن َ فى عَلَقِ النَّجيعِ الأحمّرِ
فهنـاك لم يُـرَ غـيرُ نجْمٍ مُقْبِـلٍ      فى إثْرٍ عِفريـتٍ رَجيـمٍ مُدْبِر
فَمَنِ الـذى من جيشِهِـم لم يُحترَمْ      ومن الذى من جمعهم لـم يؤسرِ
حتّى لقـد بيعتَ عَقَائِلُ أُرهقتْ        بالسَّبٍـى بالثمـنِ الأخِسّ الأحقرِ
لا يَعْدمنْك المسلمـون ، فكم يداً         أولَيْتهـم مَعْـروفَهـا لم تُنْكر
آمنْت سِرْبهمُ، وصُنْتَ حريمهم     ودرأتَ عنهم قاصِماتِ الأظْهُرِ
مـا إن  رآكَ  الله  إلا آمـراً           فيهـم بمعـروف ومُنْكِر مُنْكَرِ
 متواضعـاً لله  جـلَّ  جلالهُ           وبك اضمحلت سطـوة المتكـبر
واستعظم الأخبـار عنك معاشـرُ      فاستصغروا ما استعظموا بالمخبر
مضتِ الملوك ولم تنل عشرِ الذي       أوِتيتَه من منجـح أو مفخـر

فيصف جانباً من تفصيلات المعركة وجزئيات القتال على نحو قلما التفت إلى مثله الشعراء في نزوعهم المعهود إلى الاقتضاب في الوصف والإسهاب في المديح، ففي القصيدة نرى طلائع المحاربين الصليبيين بخيولهم التى يعتليها فرسانهم الأشداء وهم يتنادون لقتال العرب، ويطلقون صيحات الحرب وهذا القول يشير إلى ما كان من حقيقة قوة الصليبيين ومدى استعدادهم لملاقاة العرب، ومنحى الشاعر في الوصف هو عدم التهوين من بأس العدو بل إنصافه وبيان قدرته، ومع ذلك بدا من سير معركة حطين أن الصليبيين على قوتهم لا قبل لهم بإيقاف المد العربي وليس بوسعهم قهر العرب الذين طالما أعدوا لهذا اليوم ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل يرهبون به عدوهم. وهكذا استعر لهيب القتال، وانبرى المجاهدون العرب يذيقون أعداءهم الأهوال، فلا يغادرونهم كما يقول فتيان الشاغوري إلا بعد أن ترتوي رماحهم السمر من دماء الفرنجة الحمر.

أن أكثر ما كان يرى في زحمة الالتحام، حيث يفغر فاه الموت الزؤام، رؤية مجاهد عربي وهو ينقض كالشهاب في إثر مقاتل صليبي يركض بخفة أمامه ركض العفاريت عساه ينجو بجلده من القدر المحتوم وهذا ما عبرت عنه الأبيات ” فهناك لم ير غير نجم مقبل      …..  مدبر”

ويشيد الشاغوري، في نهاية المطاف، ببعض سجايا البطل الأيوبي الكبير تجاه أعدائه، وكيف أنه جنح للتسامح معهم، فأمنهم على نسائهم، وحماهم وذويهم من كل أذى، كما تقضي بذلك عقيدته السمحة ” آمنت سربهم،  ….. ومنكِر منكَر “[111].

ولابن الساعاتى قصيدة في فتح القدس يمدح فيها الانتصار ويمدح فيها صلاح الدين فيقول[112]:

أعيّـَا وقد عاينتـم الآية العظمـى لأيَّةِ حال تذخر النثـر والنَّظما
وقد ساغ فتح القدس في كل منطقٍوشاع إلى أن أسمع الأسل الصُّمَّا
تحلُّ بهِ الأضدادُ واللفـظ واحـدٌ  فكـمْ سرَّ قلباً في الأنام وكم غمَّا
وتندى مغانيه وما جادها الحيا    ولا سحبت ريح الصَّبا فوقها كمَّا
حبا مكّةَ الحسنى وثنَّى بيثربٍ واطرب ذيَّاك الضَّريح وما ضمَّا
لقد سكّـن الدهياء أمناً وغبطـةًفهل كان لفظاً سار أو عسكراً دهما
فليت فتى الخطَّاب شاهدَ فتحها فيشهدَ أنَّ السهمَ من يوسفٍ أصمى
وقـد أوتي الفتحـين مالاً وبلدةً     فلم يبق نصراً ما حواه ولا غنما
وصولٌ إلى الغايات والفكر قاصرٌ فكيف يفوت البقَ من ركب العزما
ففي لهواتِ الشّرك أرسلها ش   جاً وفي جبهة الأيام غادرها وسما
وما كان إلَّا الداءَ أعيا دواؤهُوغيرُ الحسام العضب لا يعرف الحسما
فقد أصبحت جلّ العيون بأرضهامخافة هنديّ الظُّبا تنكر السُّقما
وأصبح ذاك الثغرُ جذلان باسمـاً    والسنةُ الإغمـاد توسعهُ لثمـا

وكأنّ الفرحة بفتح القدس قد عقدت لسان ابن الساعاتيّ،  فهو يعنّف نفسه لأنّ لسانه لم ينطلق لدى تلقّي النّبأ السارّ بشعر أو نثر، بينما حلا ترديد “فتح القدس” على كلّ لسان،  ونفذ صوته إلى كل مسمع، حتّى أسمع الرّماح الصّمّ.

      أما ابن النبيه فله العديد من قصائد المدح وله ديوان مطبوع بالمطبعة العلمية يشتمل على وقسمة لثلاث أقسام قسم سماه الخليفيات للقصائد التي مدح بها الناصر أمير المؤمنين وقسم اسمه العادليات يمدح بها العادل أخا صلاح الدين وقسم معنون بالأشرفيات يمدح بها السلطان الأشرف موسي ابن ابي بكر .

ولقد قال يمدح الأشرف ويحرضه على قتال الفرنج فقال[113]:

يا  حارِسَ الدِّينِ  لَمَّا  نامَ  حارِسُهُ      وَناظِماً  شَمْلَهُ  مِنْ  بَعْدِ   تَبْديدِ
يَظُنُّكَ النَّاسُ فِي خَفْضٍ وَفِي دَعَةٍ      جَهْلاً وَكَمْ  مُسْتَرِيحِ الجِسْمِ مَكْدودِ
جَهِّزْ  جُيوشَكَ إِنَّ الثَّغْرَ قَد عَبِثَتْ       بِهِ الفَرَنْجُ  فَأَضْحَى غَيْرَ مَنْضودِ
أَيُدْرِكونَ      بِهِ   أَوْتَارَ   قُدْسِهِمُ       مِنْكُمْ  وَذلِكَ  مُلْكٌ  غَيْرُ  مَرْدودِ
يا      لَلرِّجالِ   أُنادِيْكُمْ   لِنازِلةٍ       تَسْتَنْزِلُ المَاءَ مِنْ   صُمِّ الجَلامِيدِ
أَيْنَ  الحَمِيَّةُ   هُبّوا   مِنْ   مَنامِكُمُ       إِمّا  لِعاجِلِ  دُنْيَا  أَوْ   لِمَعْبودِ
مَوْلاَيَ   خُذْها   عَرُوساً    دُرُّ  لَبِتَّها      مِنَ  ابْتِكارٍ   وَتَزْييدٍ وَتَوْلِيدِ
وَاسْتَقْبِلِ العِيدَ  فِي عِزٍّ وَفِي  نِعَمٍ      فَالنَّاسُ فِي كُلِّ يَوْمٍ  مِنْكَ فِي عِيدِ

ومن أشرفياته قوله[114]:

للَّهُ  أَكْبرُ لَيْسَ الْحُسْنُ فِي الْعَرَبِ     كَمْ تَحْتَ كُمَّةِ ذا التُّرْكِيِّ مِنْ  عَجَبِ
صُبْحُ   الْجَبينِ بِلَيْلِ الشَّعْرِ مُنْعَقِدٌ      وَالْخَدُّ يَجْمَعُ بَيْنَ  الْمَاءِ   وَاللَّهَبِ
تَنَفَّسَتْ  عَنْ عَبيرِ  الرَّاحِ  رِيقَتُهُ     وَافْتَرَّ  مَبْسِمُهُ الشَّهْدِيُّ  عَن  حَبَبِ
لا فِي الْعُذَيْبِ وَلا فِي بارِقٍ غَزَلي      بَلْ  فِي  لَمى فَمِهِ أَوْ ثَغْرِهِ الشَّنبِ
ثَغْرٌ إِذْا ما الدُّجى وَلَّى تَنَفَّسَ عَنْ    ريحٍ مِنَ الرَّاحِ أَوْ ضَرْبٍ مِنَ الضَّرْبِ
كَأَنَّهُ   حَينَ  يَرمْي  عَنْ  حَنِيَّتِهِ       بَدْرٌ رَمَى عَن هِلالِ الأُفْقِ بِالشُّهُبِ
يا جإِذْبَ  الْقَوْسِ  تَقْريباً   لِوَجْنَتِهِ     وَالْهائِمُ الصَّبُّ مِنْها غَيْرُ  مُقْتَربِ
أَلَيْسَ  مِنْ  نَكَدِ  الأيَّامِ  يُحْرَمُها       فَمِي وَيَلْثُمُها سَهْمٌ  مِنَ   الْخَشَبِ
لَدْنُ الْمَعاطِفِ  قاسِي الْقَلْبِ مُبْتَسِمٌ   لا عَنْ رِضىً مُعْرِضٌ عَنَّي وَلا غَضَبِ

كذلك لقد نهج الشعراء في مدائحهم الملك الناصر نهج القدماء في إبراز المناقب والصفات له، سواء أكانت مادية أم معنوية، وجاءت مدائحهم طويلة استفاض فيها الشعراء سعيًا لرسم صورة مثالية له، تثير إعجابه، وتسخي يديه.

ولقد حصر ابن قدامه بن جعفر الصفات التي يطيب للإنسان مدحها  في قالب الصفات المعنوية، والقيم الإنسانية النبيلة الموروثة من القدم عبر العصور السابقة، التي يطيب للنفس البشرية سماعُها، من خلال إبراز الأخلاق الحميدة للممدوح،  وهي في “العقل والشجاعة والعدل والعفة “[115]

ولقد بدت العاطفة الدينية واضحة لدى الشعراء في إضفاء الصفات الدينية على الملك الناصر، فهو متواضع حليم على الرغم من عزّة نفسه وقوته، كما يبدو في قول شرف الدين الأنصاري[116]:

عظيـمُ التواضـع في عـزّ ةٍ         حليـمٌ علـى أنـهُ قـادرُ

ومن الصفات التقليدية التي ألحّ عليها الشعراء، وأطالوا في الحديث عنها صفة الكرم والجود، التي يتمتع بها الملك الناصر، وقد عبّر الشعراء عن هذه السمة بطرق مختلفة، فهذا شرف الدين الأنصاري يصوِّر الناسَ في عهده، وقد نعموا بجوده الذي شغلهم عن انتظار قطر السماء، كما يبدو في قوله[117]:

وزيَّنَْتنـا من راحَتيْكَ بأنْعُـم       عَنينا بها في المَحْل عن صيّب القطْر

المطلب الثاني: الرثاء.

نوع الشعراء في العصر الأيوبي من صور التعبير عن الحزن والآسي علي القادة وحماة الإسلام ، فصوروا الحزن عم كل شئ وملأ الأنفس ، فنري الأصفهاني قد رثي صلاح الدين الأيوبي فقال:

وكعادة البيتِ المقدَّسِ يحزنُ ال      بيتُ الحرامُ عليه بلْ عرفاتُهُ
مَنْ للثغور وقد عدَاهـا حفظُهُ         مَنْ للجهادِ ولم تَعُدْ عـاداتُهُ
بكت الصّوارمُ والصّواهلُ إذ خلتْ       مِن سَلِّها وركوبها غزواتُـهُ
وبسيفه صَدَأٌ لحزن مصابهِ إذ        ليـس يشفـى بعـده صدياتُهُ
يا وحشتا للبيض في أَغمادِها        لا تنتضيهـا للوغـى عَزَماتـُهُ
يا وحشةَ الإسلام يوم تمكّنتْ         في كلِّ قلـب مؤمنٍ روعاتُـهُ
يا حسرتا من بأسِ راحتهِ الذي       يقضى الزَّمان وما انقضت حسراتُهُ
مـلأتْ مهابتهُ البـلادَ فإنّه   أَسـدٌ وإنَّ بـلادَهُ غاباتـُهُ
ما كانَ أَسرعَ عصرَهُ لما انقضى          فكأَنّمـا سنـواتُهُ ساعاتُــه

وهي من أروع ما في الرثاء كلماتٌ سُطرت في رثاء رمز من رموز الأمة ، واسم خالد في التاريخ الإسلامي وتاريخ العالم أجمع ، ونرى الشاعر يمتد بالحزن حتي يعم الحزن كل شئ ، ولم يكتفي الأصفهاني بأمداد حزنه لكل شئ بل جعل موت صلاح الدين هو موت لكل شئ ، وهو بذلك قد مثله بأمه أجتمعت في إنسان فقال:

لا تحسبوه ماتَ شخصٌ واحدٌفمماتُ كلِّ العالمينَ مماتُهُ

ومن شدة حزنه جعل البهجة تختفي وتموت بموته فقال:

أَعززْ على عيني برؤية بهجة الدُّنيا ووجهُكَ لا ترى بهجاتُهُ

أما الحزن والرثاء عند فتيان الشاغوري في رثاؤة الملك المغيث بن الملك العادل فربما كان أكثر استثارة لهول الموقف وعظم المصيبة فقال[118]:

إِلى المَلِكِ المُهَيمِنِ نَستَغيثُ    لَئِن ذاقَ الرَّدى المَلِكُ المُغيثُ
تَذكَّـرهُ المُلـوكُ بِكُلِّ نـادٍ     فَيَكثُرُ في سِيـادَتِـهِ الحَديثُ
يُقَصّـِرُ عَن مَدائِحِهِ جَـريرٌ      وَجَروَلُ وَالفَرَزدَقَ وَالبَعيثُ
سَيَشهَدُ في المَعادِ لَهُ الكِتابُ    العَزيـزُ بِأَن تَلاهُ وَالحَديـثُ
وَكُلُّ الناسِ مِن أَسَفٍ عَلَيهِ      يُخالُ بِصَدرِهِ صِـلٌّ نَفوثُ
مُصابٌ زَلزَلَ الأَرضين حُزنـاً    بِدُنيانـا فَأَطيَبُهـا خَبيـثُ
وَرُزءٌ كُوِّرَت شَمسُ المَعالي      لَهُ أَسَفـاً وَأُبهِـجَ مَن يَعيثُ
أَرانا حسنَ يوسُفَ رأيَ عَينٍ      وَأَنسانـا القَديـمَ بِهِ الحَديثُ
وَلَم نَـرَ قَبلَهُ أَسَداً وَشَمساً      يَ       فيءُ عَلَيهِما الشعـرُ الأَثيـثُ
فَلا عَدَدٌ وَلا عُدَدٌ تَوَقّى بِها       المَلِكُ المُغيثُ المُستَغيثُ
وَلَم تُغنِ البُروجُ مُشَيَّداتٍ        عَشِيَّةَ حُمَّ لِلأَجَلِ الحُدوثُ
أَبو بَكرٍ رَجا عُمَراً إِماماً          تَسيرُ وَراءهُ مِنهُ البُعوثُ
فَحالَت دونَ مُنيَتِهِ المَنايا                وَأَرخى جَيشَها السَيرُ الحَثيثُ
وَأَخلَفَ ظَنَّهُ زَمَنٌ غَشـومٌ        لِعَهدِ الآمِلينَ بِهِ نَكوثُ
وَقَينا السوءَ فيهِ وَفي بَنيهِ     وَلا يَعبَث بِهِ زَمَنٌ عَبـوثُ
فَكُلُّهُم لَهُ في النـاسِ وُدٌّ          يَعوقُ أَذاهُم وَلَهُ يَغـوثُ
أَتَطمَعُ في البَقاءِ وَهَل بَقاءٌ     وَآدَمُ قَبلَنـا أَودى وَشيثُ
فَلا يَركَن إِلى الدُنيا لَبيبٌ       فَعِقدُ عُهودِهـا واهٍ رَثيثُ
فَكُلُّ مُلوكِ دُنيانـا سِواهُـم       يَوَدُّ مَكانهـم فيها رَغوثُ

أما ابن عنين في رثائه الملك المعظم فيصور حزنه بالحزن الذي لا ينتهي ، فما عاد يبالي بالموت ، فما هي الحياة بعد فراق الملك المعظم، وهو هنا يحاول إظهار مدي الوفاء لرثاء الملك ومدي ولاءه له فقال[119]:

فَافعَل  بِجَهدِكَ ما تَشاءُ  فَإِنَّني        بَعدَ  المُعَظَّمِ لا أُبالي بِالرَدى
ما خِلتُهُ   يَفنى وَأَبقى بَعدَهُ          يا بُؤسَ عَيشي ما  أَمَرَّ وَأَنكَدا
لَهفي عَلى بَدرٍ  تَغَيَّبَ  في  ثَرى       رَمسٍ وَبَحرٍ في ضَريحٍ  أُلحِدا
أَبقَيـتَ  لي  يا  دَهرُ بَعدَ فِراقِهِ        كَبـِداً  مُقَرَّحَةً وَجَفنـاً أَرمَدا
وَجَوىً يُؤَجَّجُ  بَينَ  أَثناءِ الحشا       نـاراً  تَزايَـدُ  بِالدُمـوعِ تَوَقُّدا
لَو  كانَ  خَلقٌ  بِالمَكـارِمِ  وَالتُقى       يَبقـى لَكانَ مَدى الزَمانِ مُخَلَّدا
أَو كانَ شَقُّ الجَيبِ يُنقذُ مِن رَدىً        شَقَّت  عَلَيكَ  بَنو  أَبيكَ  الأَكبُدا
أَو كانَ يُغني عَنكَ دَفعٌ بِالقَنا    ال       خَطيِّ  غادَرَتِ الوَشيجَ  مُقَصّدا
وَلَقَد  تَمَنَّت  أَن  تَكونَ   فَوارِسٌ        مِن آلِ  أَيّوبَ  الكِرامِ  لَكَ الفِدا
أَبكيـتَ حَتّى  نَثـرَةً وَطِمِـرَّةً        وَحَـزَنتَ حَتّى ذابـِلاً  وَمُهَنَّـدا
كَم لَيلـَةٍ  قَد  بِتَّ فيها لا تَـرى       إِلّا  ظُهورَ الأَعوجِيَّـةِ  مَرقَـدا
تَحمي حِمى الإِسلامِ مُنتَصِراً لَهُ       بِعَزائـمٍ تَستَقـرِبُ المُستَبعَـدا

أما ابن الدهان فقد رثي توران شاه بقصيدة من أجمل قصائدة وضح فيها أن المسلمين لم يفقدوا شخص القائد فقط بل فقدوا ما يمثلة القائد من قيم للمسلمين وحماية للدين فقال[120]:

ما عُذرُ عَيني لا تَفيضُ فَتسكَبُ     لِليَومِ تُدَّخرُ الدُموعُ وَتُطلَبُ
وَإِذا أَرَدتَ عَلى الصَبابَةِ شاهِداً      فالدَمعُ أَعدلُ شاهِدٍ لا يَكذِبُ
لَم يَستَبِق في العَينِ ماء شُؤونِها     إِلّا وَنارُ القَلبِ حرّى تَلهَبُ
لا مَرحَباً بالأَرحبيَّة أَوردتخَبَراً       يَضيقُ بِهِ الفَضاءَ الأَرحبُ
غَلبَ الأَسى فيها التَجَلَّدَ بَعدَ ما     كانَ التَجلدُّ بالأَسى لا يُغلَبُ
فَسَقى الغَمامُ الصَيِّبُ الخَضِلُ النَدى     قراً بمصرَ بِهِ الغمامُ الصَيِّبُ
غيثَ البِلادِ إِذا يًصوّحُ نَبتُهاوَدَعا      الحَيا مِنهـا المَكانُ المُعشِبُ
بادي السَكينَة في النُفوسِ محكّمٌ     حَسَنُ اللِقاءِ إِلى القُلوب مُحَبَّب

وبموت الملك الظاهر أخذ الشاعر شرف الدين الحلي في تصوير الآسي الذي عم حياته ووصف الألم الذي ألم به فقال[121]:

غازي بن يوسف لا وحقك ما خبت         ناري ولا نقع البكاء غليلاأبقيـت لي من بعـد فقـدك أَنَّـةً       تَفْرِي الضلوع ورنة وعويلا
يا للـرجـال لنائبـات غـادرت          بالغدر سيف تصبُّري مفلولامالـي أرى الإيوان أصبـح بابه قفـراً وكان جنابه مأهـولا
أن أكتسـي ذلاًّ فكـم قد ذُلِّلَـتْ   للسائلـين قطوفـه تذليـلاأين العساكر في مقـرِّ طعانهـا   كالأسد تحمل من قناها غيلا
والأرض في الأعياد قد غصـت ظُبا وأسنّةً وأعنّـةً وخيولاوالرسل محدقـة بدسـت جـلاله يرتدُّ طرف الدهر عنه كليـلا
وعليك في صـدر السماط سكينة      ملأت مهابتها القلوب ذهولايا فجعة الدنيــا بأعظـم دولة     أضحى بها خطب الزمان جليلا
أأبا المظفـر لا ظفـرت بمنعـم أبداً سواك ولا انتجعـت نبيـلاأصبحت أسأل بعدما قد كنت فـيأيام ملكك مرتجـىً مسؤولا
لم لا أَطِـلّ دموع أجفاني وقـد  أضحت معاني العدل منك طلولاأبـواب ملك أَوْحَشَتْ ساحاتهـا          بعد الأنيس وعطلـت تعطيـلا
أسفي على ذاك البسـاط وموقفي      طـرباً أقبـل تربه تقبيـلامن للملوك إذا دعوك ولـم تزل   ظلاًّ لهم في النائبات ظليـلا
كم من كتاب كالكتائب عنهم         كفت العدو وقد بعثت رسولايا تاركي صِفر اليدين مكابداً          للدين مهجور الفناء ضئيلا
من ذا أؤمل في الورى لمطالبي       هيهات بعدك أرتجي مأمولاأأظـل أنتجـع الملوك مرجيـاً             منهـم كريماً تارة وبخيـلا
حسبي حمى الملك العزيز فإنني      لا      أبتغي ما عشـت عنه رحيل

وفي رثاء العماد الأصفهاني لنور الدين يربط بين خصوصية الجود وعمومية الخير الذي فقد بفقد نور الدين ن وهو بذلك يصف نور الدن بالأجود والأوفى للخير فقال[122]:

ولمـا غـاب نـور الدين     عنـا أظلـم الحفــل
وزال الخصـب والخـير    وزاد الشـر والمحـل
ومـات البـأس والجـود      وعـاش اليأس والبخل
وعـز النقـص لمـا هـان    أهل الفضـل والفضـل
وهـل ينفـق ذو العلـم         إذا مـا نفـق الجهـل
وإن الجـد لا يسمــن          حتـى يسمـن الهـزل
ومذ فـارق أهـل الخـير    مـا ضـم لـه شمـل
وكـاد الديـن ينحــط    وكـاد الكفـر أن يعلو
على قلبـي مـن الأيـام          فــي خفتهـا ثقـل
وقـد حـط علـى الكـره      مـن الهـم به رحـل

وفي رثاء الشاعر لصلاح الدين نرى الشاعر وهو يستفهم عمن سيجود علي اليتامي والأرامل وعن فئة من الناس كانت تعيش علي عطايا صلاح الدين فقال في قصيدتة شمل الهدى والملك عم شتاته[123] :

من لليتامى والأرامل راحم        متعطف مفضوضة صدقاته

وفي نفس القصيدة رثي الشاعر الشجاعة والجهاد في سبيل الله ، فكانت الحروب الصليبية هي في الأساس لديهم حرباً دينية ، جعلت من مفهوم الجهاد شيئاً بارزاً ومهماً ، وكان صلاح الدين من ابرز وأهم القادة الذين جاهدوا في حروبهم مع الصليبين فقال[124]:

أيـن الذي عنت الفرنج لبأسه        ذلا ومنها أدركـت ثاراته
أغلال أعنـاق العدا أسيافـه       أطواق أجياد الورى مناته
لم يجد تدبير الطبـيب وكم وكم        أجدت لطب الدهر تدبيراته
من في الجهاد صفاحه ما أغمدت    بالنصر حتى أغمدت صفحاته
من في صدور الكفر صدر قناته  حتى توارت بالصيـاح قناته
لذ المتاعب في الجهاد ولـم تكن    مـذ عـاش قط لذاتـه لذاته

ولقد رثي الأصفهاني صديقة الذي يمثل له الأنس فى الحياة فقال[125] :

أرى الحزن لا يجدي على من فقدته ولو كـان في حزني مزيد لزدتهتغيـرت الأحـوال بعـدك كلهـا فلست أرى الدنيا على ما عهدته
عقـدت بك الأيمـان بالنجح واثقا      فحلت يد الأقدار ما قد عقدتهوكان اعتقـادي أنك الدهر مسعدي فخانتني الأيام فيمـا اعتقدته
أردت لك العمر الطويل فلم يكـن      سوى ما أراد الله لا ما أردتهفيا وحشة من مؤنـس قد عدمته  ويا وحدة من صاحب قد فقدته
وداع دعـاني باسمـه ذاكرا له       فأطربني ذكر اسمه فاستعدتهفقدت أحب الناس عندي وخيرهم      فمن لائمـي فيه إذا ما نشدته

أما ابن الساعاتي فيرى في صديقة الظهير الحبشي روحاً لبدنه فعند فراقه فارقت معه متع الدنيا كلها كما فارقت الروح الجسد فقال فيه يرثوه في قصيدته كيف السكون من الدنيا إلى سكن[126]:

يا هالكاً كان روحي فارقـتْ بدنيفكيـف ظنّك بعد الروح بالبدن
أحرجت ذا المصر في عيني فاجمعهُلا واسع الصدر ألقاهُ ولا العطن
فوجههُ الطلقُ عندي عابسٌ تربٌونيـله العذب مثل الآجنِ الأسن
وفيك شقّـق عيني السُّهادُ أسـىً فما يخـاطُ لها جفـنٌ على وسن
يا أنسَ ساكنةِ الأجداث جاورهاميتاً ويا وحشةَ الأحيـاء والمدن

لله ما وارت الأيدي التي تربت      منه ومـا أدرج الأقوامُ في الكفن

ويرى ابن سناء الملك في صديقة السيف القاطع لأعدائه والقوة التي تضرب الأعداء فقال في رثاءه لصديقة[127]:

لقد كان عضباً أَرهَف العَزْمُ حدَّهوأَعيا يميني أَن تَسُلَّ المواضِيا
وقد كنت منه حين أَصبَح في يَدِيأَسُرُّ المُوَالي أَو أَضرُّ المُواريا
وقد كان إِحسانُ الليالي وحسنُها فقُومُوا بنا حتَّى نُعزِّي اللياليا
أَعدُّ الليالي ليلةً بعد ليلةٍوقـد عِشْتُ دَهراً لا أَعـدُّ اللياليـا
خَلِيلي قد آنَسْـتُ عنـدك جفوةً   وما جاءَ في الأَخبارِ كونُك جَافِيا
أَتُعرضُ عنِّي والغرامُ كما بدا    وتَصْدِفُ عنِّي والدموعُ كما هيا
وبي غُلَّةٌ لولاك لم أَذْكِ جَمرَها   ولم يَغدُ منها الماءُ بالْجَمْرِ صَالِيَ

ولم يكن الرثاء مرتبطاً برثاء التعازى والأقرباء فقط بل كان هناك رثاء المدن ، وكان رثاء مدينة القدس والذى قاله أبو يوسف بن المجاور بقصيدة قال فيها[128]:

أعيني لا تَرقيْ من العَبراتصِلي، في البكاء ، الآصال بالبكُرات
لعل سيول الدمع يطفىءُ فيضهاتوقد ما في القلب من جَمرات
ويا قلب أسعرْ نار وجْدك كلماخَبَتْ، يادكارٍ يبعث الحسرات
ويا فم بُحْ بالشجو منك ، لعلهيروّح ما ألقى من الكرُبات

وللأصدقاء نصيب وافر من الرثاء في العصر الأيوبي، فالصبر يضحى عزيزاً عند البهاء زهير ، فتراه يرفض العيش بعد موت صديقة فتح الدين عثمان والي الأسكندرية فيقول[129]:

لقد خنته فى الود إذ عشت بعدهوما كنت فى ود الصديق بخوان
وعهدى بصبرى فى الخطوب  يطيعني   فما لي أراه أظهر عصياني

ولم يكن الرثاء الذي قيل في الجواري بأقل في بعض الأحيان من الرثاء لباقي الأغراض الأخري ، فإننا نجد في بعض الأحيان ان الجواري قد نالت حظها من الرثاء اكثر من الزوجات ، ويمكن أن يرجع ذلك لأن العلاقة مع الجواري في ذلك الوقت ليس لها خصوصية كالتي للزوجة ، فهي أمر مألوف حينها، فهي علاقة يتلهي بها الشاعر، وليس بها الأرتباط النفسي الموجود بين الرجل وزوجته ، ومن الشعراء الذين رثوا جاريته ،ابن سناء الملك فقال فيها يرثوها:

بَكَيتُكِ بالْعَينِ التي أَنْتِ أُختُهاوشمسُ الضحى تبكيك إِذ أَنتِ بنتُها
وتَضحَكُ غِزْلانُ الفَلاةِ لأَنَّنيبعينيك لمَّا أَنْ نظرتُ فضحْتُها
ويا منيةً يا ليتني لم أَفز بهاوأمنيةً يا لَيْتَني ما بلغْتُها
شهدْتُ بأَنيَّ فيك أَلأَمُ ثاكللليلةِ بَيْن مِتِّ فيها وعشتُها
أَفادِيتي يا ليت أَنِّي فديتُهاوسابقتي يا ليت أَنِّي سَبَقْتُها
وقد كنتِ عندي نعمةً وكأَننيوقد عِشْتُ يوماً بعدها قد كفرتُها
وما بال نفسي فيِك ما كان بخْتُهامماتي لمَّا لم يَعِش مِنْك بختُها
نعَمْ كبِدي لا وَجْنتي مُذْ لطمْتُهاعليكِ وعيشي لا ثيابي شققْتُها
أَيا دهر قد أَوجَدتْني مُذْ وَجدتهافما لك لا أَعْدمْتني إِذْ عَدِمتُها
تطلَّبتها من ناظِرِي بعد فقدِهافضَاعَتْ ولكن في فؤادِي وَجدْتُها
ثكلتكِ بدراً في فؤادِي شروقُهوفاكهةً في جنةِ الخلد نبْتُها
على رغْمِها خانتْ عُهُودِي وإِنَّهجزاءٌ لأَنِّي كمْ وفتْ لي وخنتُها
وأَنفقتُ من تِبْرِ المدامِع للأَسىكنوزاً لهذا اليوم كُنْتُ ذخَرْتُها
وسَالت على خدَّيَّ م لوْعَة الجَوىسيُولُ دموع خُضْتُها ثم عُمْتُها
لآلئُ دمعي من لآلئَ ثغْرهاففي وَقْتِ لثْمي كُنْتُ منهُ سرقتُها

المطلب الثالث : الهجاء.

الهجاء هو سلب المهجو فضائله النفسية ويُعرف ابن رشيق الهجاء بأنه: ” وأجود ما في الهجاء أن يسلب الإنسان الفضائل النفسية ، وما تركب من بعضها البعض ، فأما ما كان في الخلقة الجسمية من المعايب ، فالهجاء به دون ما تقدم “[130].

ومن أشهر شعراء الهجاء في ذلك العصر ابن عنين ” محمد بن نصر الله من مكارم بن الحسن بن عنين” ، وكان هجاءاً، قل من سلم من شره في دمشق، حتى السلطان صلاح الدين والملك العادل ونفاه صلاح الدين فذهب إلى العراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان والهند واليمن ومصر. وعاد إلى دمشق بعد وفاة صلاح الدين فمدح الملك العادل وتقرب منه. وكان وافر الحرمة عند الملوك، قال ابن النجار في تاريخه وهو من أملح أهل زمانه شعراً، وأحلاهم قولاً، ظريف العشرة، ضحوك السن، طيب الأخلاق، مقبول الشخص، من محاسن الزمان.

      وله أبيات في هجاء القاضي الفاضل فقال:

ذو طَرفيْـن إذا نَسبْتهمـا          يَحـارُ فـي ذاك كـلُّ ذي لـبِّ
فالأخـتُ والأُمُّ مِنْ بَني شَبقٍ       والأبُ والابـنُ مِنْ بنـي كَلْـبِ

وهو هنا يتناول ام وأخت القاضي الفاضل في هجائه ، فابن عنين هنا قد سلب القاضي الفاضل نسبه فالشاعر هنا أشار الى ضعه نسب القاضي الفاضل وجعلة شخصية غير سوية لا تلائم المنصب الذي كان فيه القاضي الفاضل ، فالشاعر قد رماه في أصولة ونسبه وشرفه[131].

      كذلك قام ابن عنين بهجاء ” ابن سيدة “[132] في نسبه فقال فيه[133]:

قُلْ لابنِ سيدةٍ وإنْ أضْحـى لهُ       خـولٌ تُدلُّ بِكَثـرةٍ وخيولُ
ما أَنـْت إلا كالعُقـابِ فـَأُمهُ       معروفـةٌ ولهُ أبٌ مَجْهُـولُ

وهو هنا قد جرد ابن سيدة من كل فضيلة فجعله بلا نسب معروف فشبهة بطائر العقاب أمه معروفة النسب وأبوه مجهول الأصل[134].

أما فتيان الشاغورى فقد هجا في نسب قاضٍ يُدعي الجمال المصري فقال فيه[135]:

ما الجَمالُ المِصرِيُّ عِندِيَ إِلّا     ذَهَبٌ مِثلُهُ يُسَكُّ وَيُصرَف
أُمُّـهُ مِصر فَهيَ مَعـرِفَةٌ ل     كِن أَبوهُ مُنَكَّرٌ لَيسَ يُعرَف

فالصورة الشعرية هنا مزرية لمهجوة فقد جعل نسبه لا يعرفه أحد فقد رمي أمه بالفحش حين جعلها مرتعاً للرجال فضاع نسبه فلا يستطيع معرفة أبوه من بين الرجال الذين واقعتهم أمه.

أما بن الساعاتي فينعت مهجوة بالبخل ويرميه باللؤم ويصفه بالأبله والجبان وليس له من صفات سوى صفات العبد فيقول[136]:

وذي ثروةٍ ما زال يرغب في الخنا     ويزهد في كسب المكارم والحمدِ
هـو  المـرء لا  يزداد  إلاّ لآمة     ولو زوجوهُ الحورَ في  جنَّة الخلد
عجبتُ  لكفَّيهِ  وما  بهما  نـدّى     وقد قيلَ إنَّ الماءَ في الحجر الصلد
وأملتُ  نعمـاهُ   فلمَّـا   بلوته        بليتُ  بممنون الندى  مقرِ الورد
بأبلهَ من  ضبٍ  وأجبن من  طلى       وأبخل من  كلب وأقبح  من قرد
وتدعوه  بالمولى  على  كلّ  حالةٍ     ولكنهُ  يأبى  سوى   شيم  العبد

ويرسم ابن الساعاتي صورة لشخص نمام وهذه الصورة مستوحاة من عالم الحيوان الذي تنتشر فيه الأمراض فيقول[137]:

تجاوز دنياَّت العجيل وجهلهُ       فما يهتدي عجلٌ يكون بلا عقلِ
رمى جيش الانكتار بروحهِ        فيكفيه ما فيها من البرد والثقل
أحطُّ على مأكولهِ من ذنابةٍ      وانقل فيهم للحديث من النمل
بلاهم بهِ الله القويّ فإنَّهُ أشدُّ      من الطاعون في زمن المحل
حسامٌ ولكن للمودَّات حسمهُ      يشام لإفساد الأخلاَّء لا القتل
فحصّل لهُ نعلاً يزين أديمهُ     فلا بدَّ للسيف الصقيلِ من النعل

وهو هنا شبهه بالذباب بين الناس لا يتوقف بنقل الكلام بينهم ، فأصبح بذلك أشد من الطاعون في إفساده .

لم يتوقف الهجاء لدى شعراء هذه الفترة علي هذا الحد من التعرض بالفضائل الخلقية والنفسية بل تعدُّوه إلى هجاء العيوب والنواقص الجسدية ، فقد عمد الشعراء إلى رسم صور ساخرة لبعض أجزاء مهجويهم البدنية ، وأبرز العيوب الجسدية التي تناولها شعراء هذه الفترة الزمنية هي الّلحى فقد رسموا لأصحابها صورا كاريكاتيرية ساخرة تثير الضحك وتحط من قدر صاحبها ، وتشوه صورته الإنسانية وتذهب وقاره ، فقد عُدت اللحية مظهرًا للوقار والتدين منذ أمد بعيد فها هو ابن سناء الملك يعرِّض برجل يدعى ابن عمر ويصور لحيته كمروحة الجيش تجلب لهم الريح في المكان الذي يحتاج إليه الجند للترويح من الحر فيقول[138]:

عرضَتْ لحيةُ ابنِ عمروٍ كما طال لَت فحلْقاً لها وسُحقاً وبُعدا
إِنما أَصبحـت كمروحة الخيشِ    حَكَتْها لَوْناً وشكـلا وبَرْدا

ولم يتوقف الأمر علي الهجاء باللحية فقط بل تعدى ذلك، فهذا ابن الساعاتي  يهجو رجلاً بضخامة انفه فيقول[139]:

يا مانعي صفو الوصال         ومانحي   كدر  الصدود
ما ضاقت  الدنيا   عليَّ        وقد حوت أنف    السديد

كما أن سواد البشرة قد جُعل دربًا من دروب الهجاء والمداعبة فقد هجا القاضي الفاضل صديقاً أسود البشرة ،  فيصور تغير سواده لما شاب بفأرة تمرّغت في دقيق فيقول[140]:

صَديقُنا قُبّـِحَ مِـن صَديـقِ      مُيَسِّـرِ الأَخلاقِ لِلعُقـوقِ
وَقاعِدِ العِرضِ عَلى الطَريـقِ         سَوادُهُ وَالشَبُ في التَحقيقِ
تَمَـرُّغُ الفـارَةِ فـي الدَقيـقِ

أما فتيان الشاغورى فيعيب على أحد الكتاب شعره الركيك ، ويصفه بصفات نابية ، ولا يجده إلا كالخنافس إذا ما أراد المنافسة في الشعر ، فيقول[141]:

وَما الثَلجُ في كانونَ يَهمي رَبابُهُ مُلِثّاً عَلى هَضبَـي سَنيرٍ وَلُبنـانِ
بِأَبـرَدَ مِن شِعرٍ رَكيكٍ تَلوكُهُ كَلَوكِ الخَرا فَكَّيكَ يا اِبنَ المُذيتاني
قَريضٌ يَسُـدُّ الناسُ مِنهُ أُنوفَهُم     كَأَنّـَكَ في تَكتيلِهِ بِنتُ وَردان

أما الأقارب والأرحام فلم يسلموا من الهجاء أيضاً ، فابن عنين يظهر عقوقًا ووقاحة وسلاطة لسان ينهش بها والده ، ويحمله مسؤولية نكوصه وعدم قدرته على نيل المعالي في قوله[142] :

وَجَنَّبَنـي أَن أَفعَلَ الخَيرَ والِـدٌ       ضَئيلٌ إِذا ما عُدَّ أَهـلُ المناسِبِ
بَعيدٌ عَنِ الحُسنى قَريبٌ مِنَ الخَنا    وَضيعُ مَساعي الخَيرِ جمُّ المَعايِبِ
إِذا رُمتُ أَن أَسمو صُعوداً إِلى العُلى    غَدا عرقُهُ نَحـوَ الدَنِيَّةِ جاذِبي

ولم تسلم حماته من هجاءة فقد أظهر ابن عنين سخطه من حماته فذهب يُعرِّض بها لتشجيعها ابنتها على لطم خديه ، و مورِّيًا في هجائه ، فيقول[143] :

أَشكـو إِلـى اللَهِ حَماتـي فَمـا      يَعلَـمُ ما لاقَيـتُ مِنها سِـواه
عَجـوزُ سوءٍ لَو رَأَت قـودَةً      في   النسـرِ طـارَت بِجَناحَي قَطـاه
تَقـولُ لِلبِنتِ الطَمـي خَــدَّهُ     وَلا تَهابيـهِ وَصُكّــي قَفـاه
وَلَيَّنــي بِالمُخـِّ أَخـلاقَـهُ   وَضَمّخـي لِحيَتَـهُ مِـن حَـراه
وَبـاهِتـيـهِ إِن رَأى ريبَـةً       وَابكــي وَسُبّيـهِ وَسُبّـي أَبـاه
وَاللَهِ لا أُفلِـحُ ما عُمِّـرَت قـُل     لي مَتـى أَفلَحـَ صاحِـبُ حَماه

وبالطبع لم ينسي الشعراء أن يهجو بعضهم بعضاً ، فهذا ابن الساعاتي حين هجا ابن سناء الملك فجعل يذم فيه بخله وسوء عشرته، فيقول[144]:

نزلنا على شاعـر البلدتين    نزول الجياع على المعدمِ
فلا باليديـن أجادَ القـرى    ولا المذق أحسنـهُ بالفم
وأقبل يشتـم أهـل الشـآم  ولولا الحمـاقة لم يشتـم
وبات يـذمُّ الخفيف الثقيل    خفيـفُ الدمـاغ ثقيـل الدم

المطلب الرابع: الشعر السياسي.

الشعر هو بمثابة تأريخ لكل الأحداث التي تجري ، وبالتالي فهو يعبر عن الحالة السياسية للمجتمع ، وكان كنتيجة طبيعية للحالة السياسية الغير مستقرة أواخر العصر الأيوبي بين الملوك الأيوبيين من جهة وبين الأيوبيين والمماليك من جهة أخرى وخصوصاً في فترة الملك الناصر يوسف بن محمد أو كما كان يكني بيوسف ابا المظفر [145] ، فقد شهدت هذه الفترة تحولاً في دفة ومجريات الأمور ، ومن الشعر السياسي علي سبيل المثال ما قاله النور الأسعردي[146] لتنبيه الملك الناصر أن المماليك يتأهبون لقتاله بعدما علم أنهم يتأهبون لقتاله لا للصلح معه فقال[147]:

لعمرُكَ إنَّ اللـينَ ليـسَ بنافعٍ      لديْهمْ وقـدْ ميَّزُْتهـمْ بتجا ربـي
فقصدُهمُ تثبيـط عزمكَ عنهُمُ        فدقِّقْ تجدْني ناصِحا غيرَ كاذِب
فُقـلْ مستطيرًا في مرادِكَ ناطقا         بأَلْسُن أسْيـافٍ قواصٍّ قواضبِ

وبعد مقتل توران شاه سنة 648 هـ احتدم الصراع بين المماليك  وبين الملك الناصر ، فبعثَ النور الإسعردي إلى الناصر  وهو على أطراف مصر  يطلعه على ما أكتشفه من مؤامرات، وما تقصاه من أخبار، محرضا إياه على قتال المماليك قائلا[148]:

ولا تسْتمِعْ من غيرِ  ُنصحي ولا ُتطع       وصُمَّ ولا ُتهملْ لهم أبدًا أمرا
وجـرِّدْ إليهمْ جُرْدَ خيْلكَ ضُمّـَرا     مُسوَّمـة نصـرًا مُحجَّلة ُ غـرّ ًا
ولا يقْدِمنَّ الخيلَ غيرُكَ في الوغى   وطعْنُ الورى لا َخْلق منكَ به أحرى
وأغرقْهـمْ في أبحُـر من دمائهـم       إذا لبسوا للنَّقْع أرْدية َ غبْـرا
لقد غـرَّهم لما نجـوْا منكَ أوَّلا    وظّنوا الذي قد كان من جيشِهمْ عُذْرا

وأشاد سيف الدين المشد[149] بقتال الناصر، وانتصاره على الفرنج حتى أذعنوا إلى الصلح سنة 653 هـ ، وعدَّ ذلك نصرًا له، فقد جاءوه مستسلمين صاغرين، طالبين الصلح معه، ويستبشر المشد بهذا الصلح، فهو مقدمة للقضاء على اليهود والنصارى، وهذا ما يتجلى في قوله[150]:

تراهُ يومَ الوغى والنَّقْعُ قـد حميت ْ      مجاهدا في سبيل اللهِ مُجتهدا
عفَّى حصونَ الفرنج اللائذين بها      ولمْ يـدعْ دارًا لهم ولا بلـدَا
فعندَ ذلك جاؤوا صاغرين لهُ       مُسْتسلمينَ أسارى يسألون جدَا
وعادُة الكرمـاءِ الصّيدِ أّنهمُ       لا يمنعونَ الذي يمْتاحُهم صَغدَ ا
أبقى عليهم رُسومًا كان يطْمِسُها      ما لا يُقيـمُ لمسكـين لهمْ أوَدَا
وعن قليل فما يبقى بها أحد       منْ معْشرٍ يؤثِرونَ السبْت والأحَدَا

المطلب الخامس : الحنين.

الحنین من الموضوعات القدیمة في الشّعر العربي، أكثر منها الشّعراء لأنها تُُعبِّر عن عاطفة إنسانیة صادقة، ویرتبط غالباً بالغربة الّتي یفارق فيها الإنسان وطنه وأهله  وأحباءه  لظروف مختلفة .

وكان لشعراء الدولة الأيوبية النصيب الوافر من ھذا الموضوع في الشعر ، فقد عبّروا عن حنینهم لوطن تركوه، وأودعوا فیه  الغالي والنفيس من  الأھل والأقرباء والأحبة والأصدقاء والذّكریات ، إما رغبة في العلم، والجاه، والمال، أو مكرھین في حالة الفقر والنّفي.

وها هو ابن السّاعاتي یطلب من صاحبه أن یحیي الدّیار برامتین، ثم یدعو الله أن تسقيها السّحاب الممطرة، فربّما یرد جمادھا على مخاطبها، وھو إنسان شدید التّشوق واللهفة لهذه الدّیار، ثم یطلب من صاحبه أن ینظر إلى آثار الدّیار ورسومها، فهو مشغول عن النّظر إلیها ببكائها  وقلقه فيقول[151].

حيّ  الديار  برامتين[152]  ونادها       جادت عهادُ المزنِ عهدَ  سعادها
فلربما   بلغ  المرادَ   مخاطباً        عن  حال  ناطقها  لسانُ  جمادها
أنظرْ   معالمها  سلمتَ  فمقلتي       مشغولةٌ   ببكائها  وسهادهـا
فلو  أنَّ   مشتاقاً   أثار ترابها        لأصاب قلبـي  في  خلال رمادها
كانت  رسوماً  كالسُّطور  مواثلاً        فمحوتها  بالدمع   محوَ مدادها
سوق تباع  بها  القلوبُ  رخيصةً        وتنفَّق  العبرات  بعد  كسادها
دمٌ   وقفتُ   بها   وبان   أنيسها       فبكيتُ وحشةَ  نجدها  ووهادها
شقيتْ  مغانيها  المحولَ   وفوَّفت       أيدي السحاب الغرّ  من أبرادها
ودجَّةٍ   سوداءَ    قصَّر   طولها        بيضاءُ  صبغىُ   فودها كفؤادها
معشوقة  الحركات  عامُ   دنوّها       والوصلِ أطولُ  منه يومُ  بعادها
أسفي  على  ألف  القوام  ومقلةٍ       صادت  قلوب  العاشقين بصادها

أما ابن مطروح[153]فهو يبعث بتحيتة للديار فهي بالنسبة إلية متنفساً لأحزانه فيقول[154]:

تحيـةٌ وســلامووقفــة واستـلام
علـى الحمــى وسقـاه         للدمع منـي غمـام
فللـدموع انتشـار   ببـرقه   وانتـظـام

أما القاضي الفاضل فقد اتخذ من الدّمع وسیلة لیسأل رسوم الدّار عن المحبوب الّذي ھجره وتركه في ألم وعذاب ، وحنین مستمر، في قوله[155]:

الدَمعُ يَسأَلُ عَنكَ رَسمَ الدارِ        وَالنَومُ فَضَّ خَواتِمَ الأَسرَارِ
فَالحُبُّ نارٌ لا يُكَذِبُ مَسُّها         وَالهَجرُ فيهِ مِن عَذابِ النارِ
قِف بِالهَواجِرِ ذا بِذاكَ فَطالَما     قَد كُنتَ فيها نائِمَ الأَسحارِ
يا قَلبُ كَيفَ بَقيتَ بَعدَ أَحِبَّةٍ      ساروا وَتَقنَعُ عَنهمُ بِالدارِ
حُجَرٌ خُلِقتَ بِهِ رُميتَ وَفيهِ لي     تَعَبٌ وَراحَتُهُ إِلى الأَحجارِ

أما سبط بن التّعاویذي فیدعو بالسّقیا للدِّمن الدّارسة التي خلت من أھلها الظّاعنین ویتمنى أن یعود إليها الأنس والحیاة، فالهوى العذري ما زال حیاً فيها، وإن هي مقفرة، فطلب السّقیا وفاء للعهد الّذي كان بین الشّاعر وسكان الدّار فيقول[156]:

سَقـى صَـوبُ الحَيـا دِمَناً        بِجَـرعاءِ اللِوى دُرَسـا
وَزادَ   مَحَـلَّكِ    المَـأنـو        سَ يا دارَ الهَـوى أَنَسـا
لَئِن دَرَسَت رُبـوعُكِ فَـال    هَوى العُـذرِيُّ ما دَرَسـا
بِنَفسـي جـيرَةٌ لَم  يُب    قِ فـيَّ فِراقُهُـم نَفَسـا
نَشَـدتُ  اللَهَ  حادِيَهُـم       فَمـا أَلـوى  وَلا  حَـبَس

أما ابن عنين فيجعل البرق  رسول یحمل الأشواق والحنین لاھله، حیث یقول[157]:

يا بَرقُ حَيّ إِذا مَرَرتَ بِعزَّتا    أَهلي وَإِن زادوا جَفاً وَتَعَنُّتا
أَبلِغهُمُ عَنّي السَلامَ وَقُل لَهُم    أَحبابَنا هذا الصُدودُ إِلى مَتى
طالَ اِنتِظاري لِلتَّلاقي فَاِجعَلوا     لِصُدودِكُم أَجَلاً يَكونُ مُوَقَّتا
كَم أَحمِلُ الشَوقَ المُبَرّحَ وَالأَسى لَو كانَ قَلبي صَخرَةً لَتَفَتَّتا
يا سادَةً فارَقتُ يَومَ فراقِهِم  عَقلي وَطَلَّقتُ السُرورَ مُبَتَّتا
حَرَّمـتُ بَعدَكُمُ وَذاكَ يحـقُّ لي  لِبسَ الجبابِ وَتُبتُ عَن ذِكرِ الشِتا
أَحبابَنا بِدِمَشقَ دَعوَةَ نازِحٍ  لَعِبَت بِهِ أَيدي النَوى فَتَشَتَّ

أما البرق عند ابن مطروح فيبكيه ويؤرقه ، فالحنين إلى الديار وساكنيها يذكره به البرق فيقول[158]:

وما أومض البرق من تلقاء أرضكم       إلا ولي ناظرٌ  بالدمع  هطالُ
ولا   تقربت  يوما  من     دياركم        إلا  وداخلني  خوف  وإجلال
ولا   تفكرت   يوما   في  جمالكم        إلا  ولي  لوعة  منكم  وبلبال
أسائل  الركب  عنكم  لا   لبعدكم        عني  لأنكم  في  القلب   نزال
لكن  لأسمع  أذني  طيب ذكركم         فتغتدي  ولها  كالقلب   بلبال
أنتم   ملاذي وأنتم  عدتي  ولكم        مني هواكم ولم  يشبهه ذا القال
لو  لم تحلوا  بقلبي  بعد  بعدكم        لكان  لي وله في الحب  أحوال
لي منكم في الثرى شخص يؤنسني     بعد الممات ولي في الحشر آمال

والبرق عند القاضي الفاضل هو رسول يبعث به للأهل والوطن ليطفئ به نار الحنين في قلبه فيقول[159]:

يا لَمعَةَ البَرقِ بَل يا هَبَّةَ الريحِ      روحي بِجِسمي إِلى مَن عِندَهُ روحي
خُذي لَهُم مِن سَلامي عَنبَراً عَبِقاً       وَأَوقِدِيهِ   بِنارٍ    مِن   تَباريحي
ناشَدتُكِ  اللَهَ   إِلّا كُنتِ  مُخبِرَةً        عَنّي  بِأَنَّهُمُ    ذِكري   وَتَسبيحي

ومن مظاهر الطّبیعة الأخرى التي وظفها الشّعراء في قصائدھم لیعبروا عن حنینهم ونزوعهم إلى الوطن الرياح .  فابن مطروح یجد في ریح الشّمال عزاءه  فیحلّفها أن تحمل أشواقه  للأحبة والأھل فیقول[160]:

بالله    يا    ريح     الشمال         قصي  عليهم  شرح    حالي
وتحملي    شوقي      الذي          ينبيك  عن   سهر     الليالي
فلعلهم       أن        ينعموا          لي     بالدنو      وبالوصال
أو     يبعثوا     إن        هجع        ت على النوى طيف    الخيال
يا    جيرةٌ     جاروا       علي        يَ  وسادة  صرموا     حبالي
كم      تهجرون        محبكم         مالي     وللهجران     مالي
وحياتكم              وحياتكم          قسم  من  الأقسام     غالي
ما    رمت    عنكم     سلوةً          كلا    ولا    خطرت    ببالي

المبحث الرابع: تلقي النقاد للأغراض الشعرية التقليدية فى العصر الأيوبي.

لم تختلف موضوعات الشعر في هذا العصر عن موضوعات العصور السابقة، من مدح وهجاء وفخر وغزل ورثاء ووصف وشكوى وما إلى ذلك.

ويرى الكثير من النقاد أن العصر الأيوبي لم يكن يمتاز بالإبداع والعبقرية فى الأدب والشعر بقدر ما كان يمتاز ببيراعة الصنعة والمهارة الفنية والتي غلبت عليه في معظم الوقت ، لذلك وصف المستشرق ” جب” العصر الأيوبي بالعصر الفضي أما العصر السابق له بالعصر الذهبي ، وفي رآي محمد سلام زغلول فإن هذا الكلام لا يخلو من الحقيقة ولكن أيضاً لم يخلو الشعر والأدب في ذلك العصر أيضاً من الحس الرقيق المرهف ، كذلك يرى محمد سلام أن الأدب الأيوبي عامة أدب برجوازى أى أدب الطبقة الحاكمة أو ادب تسليه [161].

المطلب الأول: الهجاء.

الفرع الأول: المفهوم والنشأة للهجاء.

الورقة الأولي: المفهوم.

القصد من الهجاء الوقوف على ملحه ، وما فيه من ألفاظ فصيحة ، معان بديعة ، لا التشفي بالأعراض والوقوع فيها ، وليس الهجاء دليلا على إساءة المهجو ، ولا صدق الشاعر فيما رماه به ، فما كل مذموم بذميم ، وقد يهجى الإنسان بهتانًا وظلمًا أو عبثًا أو إرهاب[162].

أما شوقي ضيف فيرى الهجاء أنه انعكاس لصورة من صور المجتمع بجميع جوانبه ، ليس شراً كله ولا خيرا كله، فالهجاء من الممكن أن يكون وسيلة إصلاح ، وتهذيب وتقويم لكل اعوجاج، سواء للفرد أو للجماعة [163].

أما محمد محمد حسين فيرى الهجاء أنه ” أدب غنائي يصور عاطفة الغضب أو الاحتقار أو الاستهزاء سواء كان موضوع العاطفة هو الفرد أو الجماعة أو الأخلاق أو المذاهب[164]، وهو ما أشترك معه في الرآي أيضاً أحمد أمين  من حيث كون الهجاء ناشئاً عن الغضب والاحتقار[165] ، فكلا الباحثين يظهر اتفاقًا حول دوافع الهجاء وأسبابه ، وما يحرك مشاعر الهجَّاء وأحاسيسه تجاه مهجوة .

ومن السابق نرى أن الهجاء هو كشف للعيوب، وتعداد للمثالب في الفرد والمجتمع ، وإبراز للنقائض، والغرض هو السعي للإصلاح والتوجيه.

الورقة الثانية: النشأة

الهجاء من الأغراض الشعرية الضاربة بآثارها في الدهر، فهي قديمة الجذور، فكان العرب في الجاهلية يَعْدونه من وسائل الصراع ، ويصف الأصمعي شعر الهجاء بأنه ” نكدٌ وبابه الشر ، فإذا دخل في الخير ضعف”[166].

وكان للشعراء الهجائيين في الجاهلية رهبتهم ، فكانت القبائل في الجاهلية تتخذ الهجاء من وسائل الصراع، ولقد بلغت بالقبائل في الجاهلية إلي أخذ العهود والمواثيق على الشاعر المأسور ، وربما شدُّوا لسانه بَِنسْعَة، وهذا ما فعله بنو تميم بعبد يغوث المحاربي ، كما يظهر في قوله[167] :

أقولُ وقد شدُّوا لساني بِنِسْعةٍ           أمعشر تيمٍ اطلقوا لي لسانيا

ولم يأتي الهجاء في العصر الجاهلي في قصائد مستقلة ولكن كان يأتي في ثنايا قصائدهم بالفخر والحماسة ، وكان الهجاء في الجاهلية يتعرض لكل ما كان يفخر به العرب من قيمهم ومثلهم سواء من نسب وكرم وشجاعة ، وحتي الطعن في النسب والقذف والتعريض كان من أسلحة المهجو[168].

وجاء الإسلام وغير قيم الهجاء فكان كل ما مس مسلماً أو خدش حياء الدين بلفظ صار أثماً ، ووضح عمر بن الخطاب مفهوم الهجاء المقذع في حواره مع الحطيئة بقوله” إياك والمقذع من القول ؟ قال : وما المقذع ؟ فقال أن تخاير بين الناس فتقول فلان خير من فلان ، وآل فلان خير من آل فلان “[169]، فتحول الهجاء إلى الدفاع عن الإسلام والرد على الكفار دون التعرض لرمي الأنساب أو العصبية القبلية .

ومع ظهور القبلية مرة أخرى ، والصراعات على الخلافة فى العصر الأموي، تبدل حال الهجاء مرة أخرى وكان يحمل في طياته طابع السخرية والتهكم [170].

وفي القرن الثالث الهجري تعددت اتجاهات الهجاء ما بين شخصي واجتماعي وسياسي ، ومال الهجاؤون إلى الهجاء الساخر ، الذي طالت به ألسنة الشعراء أفراد الشعب كافة ، ولم يسلم أحد منه إلا وكالوا له الهجاء كيلا ،  ودفعهم تنافسهم إلى أن يتبادلوا الهجاء[171]  ، وفي القرن الرابع كان الهجاء في كثير من الأحيان إرضاء لأمير أو سلطان أو حاكم[172].

الفرع الثاني: تلقى النقاد المعاصرين للهجاء في العصر الأيوبي.

يأتي الهجاء ضمن الموضوعات الأساسية في الشعر العربي، ولعل مرد ذلك يعود إلى طبيعة الحياة العربية الأولى ولاسيما في العصور القديمة التي كانت تقوم على القبلية والعصبية وما ينشأ من ذلك من صراعات وخلافات، وإلى الكره الذي ينشأ في النفوس مع البغضاء والغضب، وإلى أمور أخرى تطلبت أن يتناولها الشعراء من خلال معاني الهجاء في أشعارهم.

وإذا كان العربي يُسَر ويبتهج لمعاني المديح فإن امتعاضه من الهجاء كان أكبر من ذلك، ويبدو أن خوف العرب من الهجاء كان أظهر من ارتياحهم للمدح، وأنهم كانوا من ألسنة الشعراء على حذر، فهم يعايشونهم ويحاذرونهم كما يعايش سكان المناطق البركانية براكينهم المخوفة.

ومن هنا كان الهجاء أحد الأسلحة الفاعلة في الصراعات التي تنشأ بين القبائل أو الأشخاص، وكان الناس يتخوفون منه كتخوفهم من السيوف والرماح إن لم يكن أكثر منها، وكان الجميع يدركون أثر الهجاء في الناس، ولذلك كان الشعراء يهددون ويتوعدون بالهجاء.

ويرى دكتور محمد سلام زغلول أن شعر الهجاء في العصر الأيوبي أتخذ أشكال وألوان متعددة، بل وجده يختلف في مادته عن الهجاء التقليدي القديم، كهجاء جرير والأخطل أو كهجاء ابن الرومي ، بل وجد الهجاء في العصر الأيوبي قد تعرض لأشياء غير مسبوقة كهجاء العيوب الخلقية وهجاء الأرحام، والأقارب ، والذات، والأصدقاء ، والهجاء بالرذائل النفسية ، ولم تسلم كافة الطوائف المجتمعية من هجاء الشعراء بل لم يسلم الشعراء أنفسهم من هجائهم لبعضهم البعض، ولم يفلت العلماء والفلاسفة وأرباب المهن من الهجاء، كما أن الهجاء السياسي كان لوناً من ألوان الهجاء المنتشرة في ذلك الوقت ، وبالطبع كان الصليبين لهم نصيب وافر من الهجاء في قادتهم وملوكهم وألقابهم وأوصافهم ومسمياتهم وحتى صفاتهم الخلقية وشعاراتهم الدينية.

حتي أن الأمر قد وصل مع الشعراء في تلك الفترة الى هجاء ما لا يعقل هجاءة كهجاء الحيوانات وهجاء مظاهر الطبيعة المختلفة وغيرها من الأشياء التي لا إدراك لها .

ومن أشهر الهجائيين في ذلك العصر ابن عنين وكان مشهوراً بالهجاء وثلب أعراض الناس حتى وصل الأمر إلى أن صلاح الدين طردة لخبث لسانه[173].

وعلل الدكتور محمد سلام على ظهور تلك الألوان من شعر الهجاء إلى سوء الأحوال الاجتماعية وفقر الناس ، فالظلم الاجتماعي أدى إلى وصول جماعة من الناس إلى مراتب عاليه من الجاه والسلطان وجعل فئة من الناس تحصل على المال الوفير دون الفئات الأخرى مما جعل الناس يتحاسدون ويتحاقدون مما حدي بشعر الهجاء إلى ذلك النحو[174]

ومما هو جدير بالذكر أن هجاء الأشياء التي لا إدراك لها كالحيوان والنبات ليس من الهجاء المستحدث في العصر الأيوبي بل كان نوعاً شائعاً في عصور سابقة قبل العصر الأيوبي وبالتحديد عند شعراء القرن الثاني الهجري[175]

أما محمد يوسف فيرى أن الهجاء فى العصر الأيوبي تناول كل ما يزرى المرء ويحط من قدرة ، ويسلبه فضائلة ، والعرب في ذلك الوقت كانوا يعتدون بفضائلهم وخصالهم كالشجاعة ، والكرم ، وعفه النفس ، والنسب، وطهارة اليد ، فهي في نظرهم فضائل تكتمل بها مروءة الإنسان[176].

كما يرى أن الهجاؤون قد أتخذوا من الصفات الخلقية روافد لأهاجيهم ينسجون منها صوراً ساخرة لإلحاق الأذى النفسي بمهجويهم، وكانت رذيلة البخل من أبرز الصفات التى لجأ اليها الشعراء فى أهاجيهم.

ولقد سلك الشعراء خلال هذه الفترة في هجائهم مسلكًا يشوه الصورة الآدمية التي أبدع الله سبحانه وتعالى صُنعها ، فشبهوها بالحيوانات التي تنفر منها النفوس والعيون ، وفيه حط من قيمة المهجو ، وسخر وتندر به وتهكم وضحك منه ، ليذيع ذكره على الأفواه فتبتسم إشفاقًا عليه حينًا وانتقامًا حينًا منه آخر[177].

وقد لاحظ محمد يوسف أن  اللوحات الهجائية التي رسمها الشعراء للأشخاص الذين هجُوهُم سواء كانوا من المقربين لهم ، أو فئات أخرى كان أعتمادهم فيها على التجسيم والتشخيص والمفارقة ، وتغليب الطابع الشخصي عليه ، بهدف إثارة الضحك والسخرية من المهجو، وهو ما يطلق عليه الهجاء الساخر والذي يرى بعض أّنه  وسيلة لتسلية الأمراء والملوك وطبقات الشعب الأخرى عن طريق السخرية ببعض الشخصيات المعروفة في المجتمع ولكنه من ناحية أخرى كان ينم عن ألم دفين  ويشف عن كرب داخل النفوس، ويقصد من يلجأ إليه أن يداوي ألمه بنقضه، فاستعمل الشعراء معه الفكاهة ، وكأنهم أرادوا مع تلك الفكاهة تجاوز الواقع والابتعاد – ولو ظاهريًا – عن مشكلات عصرهم ، ومزاولة الحرية الفكرية في صور من صورها  لذا مال الشعراء في كثير من أشعارهم إلى السخرية بغرض الإضحاك معتمدين في أسلوبهم على الإزراء بمهجويهم من الناحيتين المعنوية والجسمية[178] .

ويرى عباس محمود العقاد أنه من الألوان الأخرى التي هجاها الشعراء الفترات العُمرية في حياة الإنسان التي تتمثل في شبابه وشيبته  ويبدو لي أن هذا النوع من الشعر أقرب للشكوى منه إلى الهجاء، والشكوى عادة هي نتيجة لأوضاع اقتصادية واجتماعية سيئة في حياة الإنسان .

ويكشف هذا النوع من الهجاء وعن شيء من تعاسة الواقع وسوداويته دفعت الشاعر للتعبير عن أيام الحرمان والفقر فذم شبابه ، لأنه لم ينعُم فيه بلذة عيش، ولم يكن هذا النوع جديدًا على هذه الفترة بل سبق شعراءها آخرون في عصور متقدمة مع تباين في النظرة إلى الشباب بين كثير من الشعراء فلم تكن صورة الشباب في ذهن ابن الرومي مثلا  فترة من الزمن ، أو ظواهر من المتعة والعافية ، وإنما يذكر شبابه وهو ينفذ إلى صميمه وباطنه ولبابه الذي لا يُحسب بالأيام[179].

أما التميمي فيرى أن العرب قديماً كان الكرم عندهم مظهر للقوة والسيادة ، وان البخل سبَة ومذمة، فكان العربي يحرص كل الحرص على البذل لضيوفه ، فالكرم في نظرهم مكرمة أخلاقية ، عليه أن يقوم بها حتي ولو فى أحلك الظروف، فكان الهجاؤون يقومون بذم مهجوويهم بالبخل ، فيصير ذكر المهجو حديث الركبان فيصمونه بكل عيب ويشوهون صورته[180].

ويرى التميمي أن شعراء الهجاء في تلك الفترة عمدوا الى رسم صورة شعرية ساخرة لبعض أجزاء مهجويهم البدنية ، وفي أعتقادة أن توجيه الشعراء توجيه الشعراء بشكل واسع نحو العيوب البدنية بجانب العيوب النفسية ما هو إلا دليل على أنهم كانوا ينشدون الكمال والجمال لدى الأخرين في الناحيتن الشكلية والنفسية[181].

ويرى أبو الخير أنه لولا التشجيع الذى لقيه الشعراء في العصر الأيوبي أثر كبير فى رواج المساجلات الشعرية بين الشعراء، بل إن بعضًا من أبناء ملوك بني أيوب كانوا من أشهر الشعراء فقد كان الأفضل بن صلاح الدين شاعرا ، لذلك حرص الشعراء على إقصاء خصومهم والتقليل من إبداعاتهم بل وإظهارهم في أبشع صورة وتجويد شعرهم لنيل الرضى من جانب الحكام والأمراء ، فكان للمنافسة بين شعراء مصر والشام من الإجادة والإبداع، أثر في رواج الشعر ومنه شعر الهجاء وما تضمنه من نقد اجتماعي وسياسي للجوانب السلبية في تلك الحقبة الزمنية[182] .

أما  احمد بدوى فيرى أن مصر والشام فى العصر الأيوبي قد شهدت ازدهارًا أدبيًا ومرد ذلك الازدهار إلى أن الحكام كانوا يحبون الأدب،  ويجيزون عليه، ويجلسون للشعراء مجالس، ينصتون فيها إلى شعرهم ، وينقدون إنتاجهم.

ويرى أن الشاعر هو كاتب وناقد ومؤرخ لعصره يرسم ما يشاهد ويسمع من بيئتة فى قصائد شعرية معبرة ، ونستطيع إذا تعمقنا فى هذا الهجاء أن ندرك الكثير مما كان عليه هذا العصر، ويرى أن الهجاء الأجتماعي في ذلك العصر أدى دوراً هاماً فهجاء الشعراء ونقدهم  للمرافق العامة يعرضون ما بها من فساد القائمين عليها ويشهرون بهم أمام عامة الناس، ومثل هذا الشعر الهجائي أدى دورًا ساميًا في المجتمع ، يذكر بما ينبغي أن يكون عليه أفراد المجتمع من كريم السجايا كالطهر والنقاء والأمانة، وتجّنب أ ي مظهر مستقبح ومنتقد ، كما يُظهر ذلك الشعر الصورة الواقعية لحياة المجتمع في تلك الفترة الزمنية، فالهجاء نظرات نقدية لبعض أحوال المجتمع تناولها شعراء ذلك العصر في صورة ساخرة[183].

أما عبد اللطيف حمزة فيرى أن أقوي شعر الهجاء والنقد لم يناله أحد بمقدار ما ناله الفلاسفة فى العصر الأيوبي ، فلقد كانت الدولة الأيوبية عنيفة فى التعامل مع الفلاسفة ولا تتهاون فى معاقبتهم، ولا تتساهلف ى قتلهم وإبادتهم ، ولا ترضي منهم جدلاً ، ولا ترضي منهم عملاً[184]، وهو ما يتوافق مع رأى محمد كامل حسين والذى رأى أن الشعراء أعتبروا الدراسات الفلسفية دراسات إلحادية ، وان القائمين بها من العلماء زنادقة[185].

هجا الشعراء في مصر والشام كل ما لا يرتضونه من مظاهر الحياة المختلفة ، أفرادًا ، وجماعات ، ومدنًا ، وأقاليم ، ودور سكن ، ومرافق عامة ، وربما هجوها من خلال الطعن بأهلها وساكنيها، وقد كثرت شكواهم من الناس وأخلاقهم وطبائعهم ، وفشا الذم من الزمان ،والأهل والأقارب والأصحاب ، والبلد والقطر والإقليم ، فقالوا كثيرًا مما لا يحصيه عدٌّ ، حتى كان لهم باب في هجاء المدن والبلاد ، دخله شعراؤهم ليحطوا من قدر المكان وسكانه[186].

المطلب الثاني: المدح.

يرى الدكتور محمد زغلول سلام أن من معالم الأدب الأيوبي كثرة ألفاظ المديح والإطراء، وأن شعر المديح في ذلك العصر كان يحمل الكثير من معاني الخضوع والذلة ، كما يرى أن الشعراء في ذلك الوقت اتخذوا من المديح مذاهب لهم لطلب المال والحصول عليه وأن نغمة السؤال والاستجداء الصريح كانت من النغمات السائدة واستدل علي ذلك بقول ابن التعاويذى[187]:

أَتَرضونَ  يا  أَهلَ  بَغداذَ  لي        وَعَنكُم    حَديثُ   النَدى  يُسنَدُ
بِأَنّي  أَرحَلُ  عَن   أَرضِكُم         أَجوبُ    البِلادَ      وَأَستَرفِدُ
أَلا   رَجُلٌ   مِنكُم   واحِدٌ     يُحَرِّكُهُ     المَجدُ    وَالسودَدُ
يُقَلِّدُني   مِنَّةً   يَستَرِقُّ  بِها         حُرَّ      شُكري     وَيَستعبِدُ
وَيَغضَبُ   لي  غَضبَةً   مُرّةً          يَعودُ  بِها  المُصلِحَ  المُفسِدُ
لَقَد    شانَني   أَدَبي   بَينَكُم        كَما  شينَ   بِاللِحيَةِ   الأَمرَدُ
أَما   لي  مِنكُم  سِوى  شِعرُهُ  رَقيقٌ     وَخاطِرُهُ     جَيِّدُ
يَسُرُّكُمُ     أَن   يُغَنّى    بِهِ          وَيُطرِبُكُم     أَنَّهُ    يُنشَدُ
وَأُقسِمُ   أَنَّ   رَغيفاً     لَدَيَّ           مِن   قَولِكُمُ  هَيِّداً   جَيِّدُ
أَرى   البَحرَ   مُعتَرِضاً   دونَكُم      وَما  لي عَلى   سيفِهِ   مَورِدُ
وَيَبعَدُ  خَيرُكُمُ   إِن   دَنَوتُ    عَنّي     وَالشَرُّ     لا    يَبعَدُ
وَأَشهَدُ  في  الرَوعِ  يَومَ   اللِقاءِ       وَإِن  قُسِمَ   الفَيءُ  لا   أَشهَدُ
وَأَغرُسُ   مَدحي   فَلا   أَجتَني   وَأَزرَعُ  شُكري  وَلا  أَحصُدُ
أَبيعُ  ثَنائي   وَكُتبي  وَلا    يَمُدُّ           إِلَيَّ        بِرِفدٍ        يَدُ
وَيوسِعني   الدَهرُ  ظُلماً   وَلا           أُعانُ   عَليهِ   وَلا    أُنجَدُ

أما محمود مصطفي فيرى أن الشعر عامة والمدح بصفة خاصة ما كان له إلا لينتعش في العصر الأيوبي وذلك لتعلق رجال الدولة ووزرائها وحكامها بالشعر والشعراء، وتقديرهم السخي لهم سواء في مجالسهم أو في حروبهم ، فهو بذلك يتفق مع الدكتور محمد زغلول سلام في هدف الشعراء من اتخاذ شعر المديح مساراً لهم ، فكان الشعراء ينصبون على مدح الأمراء والسلاطين حتى يحصلون على المال ، حتي أنه قيل أنه في فتح القدس على يد صلاح قام صلاح الدين بجمع الفدية من الأسرى حتى قيل أنه جمع مائتي ألف دينار، فقصد الشعراء من كل صوب تجاه القدس يُعلقون الآمال للحصول علي المال ويمدحون السلطان ومنهم الشاتاني[188] فقال فيه يمدحه[189]:

أرى  النصر  معقوداً  برايتك  الصفرا     فسر  وافتح  الدنيا  فأنت  بها  أحرى
يمينك فيها اليمن واليسر في اليسرى    فبشرى لمن يرجو الندى منهما بشرى

المطلب الثالث: الغزل.

الغزل من الفنون الشعرية المحببة إلي النفس، والتي يطيب سماعها ولكن أخذ الغزل منحي أخر في العصر الأيوبي ، وذلك من وجهة نظر دكتور محمد سلام زغلول فيرى أن الغزل بالمذكر قد شاع بصورة لم يتطرق لها أحد من سابقيهم حتى أصبح من عادة الشعراء الأيوبيين أن يفتتحوا به قصائدهم كما كانت تُفتتح قصائد الشعر قديماً بالأطلال والنسيب .

ويرجع دكتور محمد سلام ذلك إلي انتشار الغلمان من الفرنج وما يجلبه تجار الرقيق من الأتراك [190].

وقد شاع الغزل بهذه الصورة في أواخر العصر الأيوبي وهو عصر ركود وانحدار وتدهور فلم يجد الناس ما يملئون به الفراغ الذي يعيشون فيه سوى الخلوة للنساء والغلمان.

ويذكر الدكتور محمد سلام مثل على هذا الشعر أبياتاً من الشاعر أبو سعيد الحسن بن خالد بن المبارك بن محضر النصراني المارديني ، الملقب بالوحيد[191].

   لقد أثرت  صدغاه  في   لون   خده         ولاح   كفيء من  وراء  زجاج
ترى عسكرا للروم في  الزنج  قد بدت       طلائعه  تسعى  ليوم هياج
 أم  الصبح   بالليل   البهيم  موشح    حكى آبنوسا في  صفيحة  عاج
لقد  غار  صدغاه   على  ورد  خده       فسيجه  من  شعره  بسياج

المطلب الرابع : الرثاء.

إن شعر الرثاء هو الأقرب إلى الصدق بوجه عام من باقي الأغراض الشعرية الأخري لأرتباط الرثاء بمشاعر الإنسان في مواجهة الموت مما يولد آلفة بين الشعر والقارئ فالرثاء كما ترى الباحثة خلود جرادة هو تجربه إنسانية بالدرجة الأولي[192].

وهي ترى ان العصر الأيوبي في فن الرثاء كان مرتبطاً بالقيم العربية الأصيلة، وبتعاليم ديننا الحنيف، ومن أبرز هذة التعاليم التقوي والتي كان الشعراء ينعوا بها في شعرهم ، كما نعي ابن سناء الملك أبيه بالتقوي فقال في قصيدته ” أيا دار في جنات عدن له دار”[193]:

مضى  طاهرَ الأَثوابِ من كل ريبةٍ      وأَثواب  أَطهار   البرية  أَطهار
طرائقه     بين   الأَنام    مراشد   وأَخبارُه بين  الملائِكِ  أَسمَارُ
وقد  شَكَرَتْ  مِنه الصيامَ  أَصائلٌ       وأَثْنَتْ  عليه   بالتهجُّد  أَسحارُ
رأَت أَنْفُسٌ  أَكفانَه  وهْي  سُنْدُسٌ       إِن  أَبصرتْها أَعينٌ وهْي أَطْمَارُ

وترى خلود أن شعر الرثاء على مختلف عهودة بعد الأسلام لم يختلف من عصر لأخر وذلك لتوحد المصدر للقيم المحمودة والمثل العليا المأخوذة في شعر الرثاء فالمنبع واحداً وهو الدين الإسلامي ، ومن هنا لا نرى أختلافاً جذرياً ما بين الرثاء في العصر الأيوبي أو الرثاء في العصور السابقة له فتكاد الصور والمعاني تكون واحدة إلى حد كبير[194].

وترى خلود أن الرثاء فى العصر الأيوبي لم يقتصر علي أسلوب واحد من أساليب التعزية فلقد جمع الشعراء في العصر الأيوبي بين أساليب تعزية متعددة فالعماد الأصفهاني قد مزج في رثاءه لأولاد صلاح الدين بين التفجع والحزن وما بين المدح في مناقب صلاح الدين[195]:

يا  وحشتا   للبيض  في  أغمادهالا   تنتضيها   للوغى   عزماته
يا  وحشة  الإسلام  يوم  تمكنتفي  كل  قلب  مؤمن  روعاته
يا حسرتا  من بأس راحته  الذييقضى الزمان وما انقضت حسراته
ملأت  مهابته    البلاد   فإنهأسد  وإن    بلاده    غاباته
ما  كان أسرع عصره  لما انقضىفكأنما     سنواته    ساعاته
لم  أنس يوم  السبت  وهو لما بهيبدي السبات وقد بدت غشياته
والبشر   منه    تبلجت    أنواره والوجه  منه  تلألأت   سبحاته
ويقول   لله   المهيمن    حكمةفي مرضة حصلت بها  مرضاته
وقف  الملوك  على انتظار ركوبهلهم  ففيم تأخرت ركباته

المطلب الخامس: شعر التصوف.

يرى الدكتور عبد اللطيف حمزة الميل الطبيعي للشعب المصرى منذ القدم إلي الدين لذلك نجد المصريين يستجيبون لكل دعوة تقوم على أساس ديني ، والتصوف ليس بالأمر الجديد في العصر الأيوبي فهو كان موجوداً منذ القرن الثاني الهجرى ، وكان من أعظم شعراء التصوف فى العصر العباسي ” ذو النون المصرى”[196] وفي العصر الفاطمي ” ابن الكيزاني”[197].

وكان للتصوف معانٍ دينية صالحة أنذاك كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن سرعان ما تغيرت تلك المعاني لمعانٍ أخرى بتطور الأحوال ومصر كانت خاضعة خضوعاً تاماً لهذا التطور.

وعلى الصعيد الفكري فقد بدأ التصوف سلوكًا وعبادة ثم تحول إلى علم، كتب فيه أصحاب الطريق كما كتب الفقهاء في الفقه وعلوم الدين، بدأ ذلك بأن كتب بعضهم في الورع ومحاسبة النفس[198].

المطلب السادس: الشعر السياسي.

إن الباحث في تاريخ العرب والمسلمين فى العصر الأيوبي، يجد أن البلاد العربية والإسلامية آنذاك ممزقة الأوصال، متردية الأحوال، فالدولة العباسية في بغداد قد ضعفت، ولم يعد للخليفة سلطة على أغلب أجزاء الدولة، والخلاف محتدم بينها وبين الدولة الفاطمية في مصر، وأنشغال الدولة العباسية بالسلاجقة الذين سيطروا على خلفائها، وأصبحوا يتدخلون فى أمور الدولة وسياساتها، ولم يكن حال الدولة الفاطمية بأحسن من حال الدولة العباسية، فالتفكك الواضح، والضعف الجّلي، والفتن الداخلية، الصراع المؤلم الذي كان ينخر جسدها ويزيد في تفككها وضعفها،  كانت من سمات الدولة الفاطمية آنذاك[199].

أن الأحداث المتتالية والمتسارعة التي مرت بها مصر منذ اواخر العصر الفاطمي وحتي بداية العصر الأيوبي، أدت إلي تأثر الشعراء بهذة الأحداث ، ومنذ طرد الصليبين من مصر بعد أستدعاء الوزير شاور لهم لمحاولتة الحفاظ على منصبة، علي يد أسد الدين شيركوه، فكان قول العماد الأصفهاني للتهنئة بالوزارة لأسد الدين فقال[200]:

بالجدِّ أَدركتَ ما  أَدركتَ  لا  اللّعبكم  راحةٍ  جُنيَتْ  من دوحةِ التّعبِ
يا شيركوهُ بن شاذي الملكُ دعوةَ مَنْنادى فعرَّفَ خيرَ ابنٍ بخيرِ أَبِ
جرى الملوكُ وما حازوا  بركضهمُمن المدى في العُلى ما حُزْتَ بالخَبَب
تَمَلَّ من مُلْكِ مصرٍ رتبةً  قصرتْعنها  الملوكُ فطالتْ سائرَ الرُّتَبِ
افخرْ فإنَّ  ملوكَ الأرضِ قاطبةً أَفلاكُها منكَ قد دارتْ على قُطَبِ
فتحتَ  مصرَ وأَرجو أَن تصير بهامُيَسَّراً فتحَ بيت القدس  عن  كَثَبِ
قد أَمكنتْ أَسدَ  الدِّين   الفريسةُ منفتحِ البلادِ  فبادرْ نحوَها وَثبِ
أنتَ الذي  هو  فردٌ  من   بسالته والدِّينُ من عزمه في جحفلِ لجبِ
في حَلْق ذي الشِّرك من عدوى سُطاكشَجاً والقلبُ في شَجنٍ والنّفسُ في شَجَبِ
زارتْ بني الأَصفر البيضُ التي لقيتْ حُمْرَ المنايا بها مرفوعَةَ الحُجُبِ
وإنها نَقَدٌ من  خلفها أَسَدٌ أرى  سلامتها  من أَعجب العَجَبِ
لقد رَفَعْنا إلى الرَّحمن أيديَنا  فيشكرِنا ما بهِ الإسلامُ منكَ حُبي
شكا إليكَ بنو الإسلام يُتْمهمُ فقمتَفيهم مقامَ الوالدِ الحدبِ
في كلِّ دارٍ  من الإفرنجِ  نادبةٌ  بما دهاهم  فقد بانوا  على  نَدَب

وفي نهاية القصيدة يتعجل الأصفهاني الحوادث ويحرض أسد الدين على الوثوب على ما بقي من الخلافة الفاطمية فيقول:

رُدَّ الخلافةَ  عباسية  ودع الدَّ عيَّ فيها يصادفْ شرَّ  مُنْقَلَبِ
لا تقطعَنْ ذنبَ الأفعى وترسلهافالحزمُ عندي قطعُ الرأس كالذَّنبِ

ومن الشعر السياسيى كما يرى عبد اللطيف حمزة ، ما قاله القاضي الفاضل كبشارة لنور الدين محمود ، ونظم العماد الصفهاني شعراً فيه فقال[201]:

قد خطبنا للمستضئ بمصرنائب المصطفى إمام العصر
وأشعنا بها شعار بنى العباس فأستبشرت وجوه النصر
وتركنا الدعى يدعو ثبوراوهو بالذل تحت حجر وحصر
وتباهت مناير الدين بالخطبة للهاشمي فى أرض مصر
واغتدى الدين ثابت الركن فى مصر محوط الحمى مصون الثغر
عرف الحق أهل مصر وكانواقبله بين منكر ومقر
ما يقام الإمام إلا بحقما تحاز الحسناء إلا بمهر
خلفاء الهدى سراه بيني العباس والطيبون أهل الطهر
بهم الدين طاهر مستقيمظاهر قوة قوى الظهر
دام نصر الهدى بملك بنى العباس حتى يقوم يوم الحشر

المطلب السابع: الحنين فى الشعر الأيوبي.

ارتبط شعر الحنين بالبعد عن الأهل والأصحاب والوطن ولإسامة بن منقذ شعراً عبر فيه عن الحنين للديار بعد أن رحل عنها مكرهاً من عمه فقال شعراً عبر فيه وبصدق عن الآمه المفجعة وقلبه الجريح لفراقه الوطن والهل والأصحاب فقال فيه[202].

أأحبَابنَا ما أشتكِي بعد   بُعدِكُمْ        سوى أنَّنِي باقٍ ولُبِّيَ   حَاضرُ
وما هكذَا يَقضِي وفَائِي  وإنّما        جَرَتْ بهواها لا هَوايَ المقادِرُ
وقد كان للبَينِ المُشِتِّ    أوائلٌ        وليس له حتّى المماتِ  

ویتشوق ابن السّاعاتي إلى الشّام من خلال حدیثه عن أھلها، وتصویره جمال طبیعتها، وإطنابها في الوصف، واستحضار كل الصّور الجمیلة، ویفضلها عن غیرھا من البلاد، إذ یقول[203]:

أوطان أو طاريْ ودينُ صبابتيألا أحْولُ سَبابهٌ عن دينها
تختالُ نفسك في نفاسةِ أهلهاوتلدُّ عَينُكَ في مَحاسِن عَيْنها
هتفت بوجدى والغرام سواجعٌجاءت على أفنانها بفنونها
ضوقي دفين بالشام ونشوة الأشواق لا يصيبك مثل دفينها

ومن الشّعراء الّذین تناولوا ظاھرة الحنین وخصوصاً الحنين الى الوطن، الشاعر ابن عنین، فقد حن إلى دمشق الّتي نُفي منها، وأُبعد عنها، فیقول متشوقاً إلیها وھو في الیمن، مظھراً ما یكتنفه من شوق شدید إلیها، واصفاً طول اللّیل وعدم مجئ النّهار جرّاء أرقه، متمنیاً العودة إلى دياره حیث الأمان والاستقرار، معبراً عما یخلتج صدره من شوق ملتهب إلى دمشق فيقول[204]:

حَنينٌ إِلى الأَوطانِ لَيسَ يَزولُوَقَلبٌ عَنِ الأَشواقِ لَيسَ يَحولُ
أَبيتُ وَأَسرابُ النُجومِ كَأَنَّهاقُفولٌ تَهادى إِثرَهُنَّ قُفولُ
أُراقِبُها في اللَيلِ مِن كُلِّ مَطلَعٍكَأَنّي بِرَعيِ السائِراتِ كَفيلُ
فَيا لَكَ مِن لَيلٍ نَأى عَنهُ صُبحُهُفَلَيسَ لَهُ فَجرٌ إِلَيهِ يَؤولُ
أَما لِعُقودِ النجمِ فيهِ تَصَرُّمٌأَما لِخضابِ اللَيلِ فيهِ نُصولُ
كَأَنَّ الثُرَيّا غُرَّةٌ وَهوَ أَدهَمٌلَهُ مِن وَميضِ الشِعريينِ حَجولُ
أَلا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةًوَظِلُّكَ يا مَقرى عَلِيَّ ظَليلُ
وَهَل أَرَيني بَعدَما شَطَتِ النَوىوَلي في رُبى رَوضٍ هُناكَ مَقيلُ
دِمَشقُ فَبي شَوقٌ إِلَيها مُبَرَّحٌوَإِن لَجَّ واشٍ أَو أَلَحَّ عَذولُ
دِيارٌ بِها الحَصباءُ دُرٌ وَتُربهاعَبيرٌ وَأَنفاسُ الشَمالِ شَمولُ
تَسَلسلَ فيها ماؤُها وَهوَ مُطلقٌوَصَحَّ نَسيمُ الرَوضِ وَهوَ عَليلُ
فَيا حَبَّذا الرَوضُ الَّذي دونَ عزَّتاسُحَيراً إِذا هَبت عَلَيهِ قَبولُ
وَيا حَبَّذا الوادي إِذا ما تَدَفَّقَتجَداوِلُ باناسٍ إِلَيهِ تَسيلُ
وَفي كَبِدي مِن قاسِيونَ حَزازَةٌتَزولُ رَواسيهِ وَلَيسَ تَزولُ

وعبر القاضي الفاضل عن شوقه الملتهب، وحنینه الدّائم إلى الشّام وتفضیلها عن سواھا، فهي تفوق غیرھا في الحسن والجمال متخذاً من الرّیح التّي تهب من صوبها رسولاً یبلغ سلامه وأشواقه الحارة، فیقول[205]:

لَيسَ في الأَرضِ ما يَفوقُ سِوى الشامِ وَدَعني مِن سائِرِ الآفاقِ
يا رِياحَ الشَآمِ أَنتِ رَسولٌيَتَعَنّى في حاجَةِ العُشّاقِ
وَإِذا زُرتِ غُلَّتي بِنَسيمِقامَ بَينَ الحَشا مَقامَ العِناقِ
لَكِ مِن أَدمُعي مَيادينُ شَوقٍفَاِركُضي فيهِ مِثلَ رَكُضِ العِتاقِ
ذِخِرَت مُقلَتي كُنوزَ دُموعِفَاِجهَدي يا هُمومُ في الإِنفاقِ
فَكَأَنَّ الأَنداءَ نَفتَهُ راقِوَكَأَنَّ الحَفيفَ صَوتُ الراقِ
وَسَلامٌ عَلى اللَيالي الخَواليمِن مُعَنّى مِنَ اللَيالي البَواقي
عَلَّلوني عَنِ الشَآمِ بِذِكرٍإِنَّ قَلبي إِلَيهِ بِالأَشواقِ
مَثَّلَتهُ الذِكرى لِعَيني كَأَنّيأَتَمَشّى هُناكَ بِالأَحداقِ
لا أَغَبَّ الغَمامُ عَنهُ تَحاياتُلبِسُ الغُصنَ سُندُسَ الأَوراقِ
عَذَّبَ اللَهُ بِالتَنائي التَنائيوَأَذاقَ الفِراقَ طَعمَ الفِراقِ

المبحث الخامس: تلقي النقاد للأغراض الشعرية المستحدثة فى العصر الأيوبي.

إلى جانب هذه الموضوعات التقليدية ظهرت موضوعات أخرى تتصل بسبب أو بآخر بما سبق من موضوعات وتتخذ لنفسها، في الوقت ذاته، مساراً مختلفاً له حدوده وقيوده، مما جعل المتأمل فيها يصفها بالجديدة المستحدثة ومن هذه الموضوعات ما يلي:

المطلب الأول: شعر الجهاد والحروب.

كان للحروب للصليبية أعظم الأثر في إنعاش الحركة الأدبية في ذلك العصر، فيمكن القول بأن هذه الحروب كانت النفير العام الذي دوى فأيقظ الشرق من رقدته ، ونبهه من غفلته ، ووحده بعد تفرقه وجمعه بعد شتات، وأعاده إلى الجد والصرامة ، بعد أن أضعفه الترف ، وخدرته النعمة فقد بعثت الحروب الصليبية في الأدب الحياة ، وجددت فيه القوة ، فأذكت حواس الشعراء والكتاب، وألهبت مشاعرهم ، وأججت انفعالاتهم، وأمدتهم بالمعين الصادق من المعاني والأفكار، فأصبح الشاعر أو الكاتب لا يمدح أو يكتب استجابة لدافع خارج شعوره، أو تحقيقا لرغبة مفروضة عليه، وإنما يستمد من نفسه الوحي والإلهام، ويجد في قراراتها الحافز والدافع.

يرى الدكتور عبد اللطيف حمزة أن التحمس الديني الذي أقترن بالحروب الصليبية هو من اهم الأسباب التي نما بها وقوي شعر الجهاد وهو ما سماه بالقومية الإسلامية[206] .

ويرى الدكتور محمد زغلول سلام أن العصر الأيوبي هو عصر الحروب المتصلة بين المسلمين والصليبين وكانت تلك الحروب هي السبب في ظهور لون من الأدب وهو ما يسمي بأدب الجهاد والدعوة لحماية الإسلام والمسلمين ، وظهور أدب القتال وأدب وصف الجيوش والمعارك والقلاع  والآت الحروب ، وهو ما شجع على إبراز فضائل الشجاعة والبطولة في ذلك العصر[207].

كما يرى أن الشعر ” أدي دوراً هاماً في معارك التحرير بين المسلمين والصليبين وكانت له حظوته وأثره عند السلاطين والوزراء والأمراء والقواد ، وكان الشعراء ألسنة الثناء والدعاية لانتصاراتهم وأعمالهم . وهكذا ظل الشعراء المحترفون مقربين من أصحاب السلطة وكبار رجال الدولة”[208].

فالشعر في هذه الفترة كان سجلاً لأحداث العصر ، وما حدث في الحروب الصليبية ، وما لاقاه المسلمون علي أيدي الفرنجة الغاصبين من القتل والتخريب، وتشريد الآلاف من المسلمين، وخروجهم من ديارهم هائمين على وجوههم ، لاجئين إلى البلاد الإسلامية ، يحملون معهم أنباء الرعب والخوف ، فكان تخليد هذه الذكريات من قبل الشعراء ، كما سطر الشعر بأبياته الخالدة انتصارات الأبطال وعلي رأسهم صلاح الدين، ونور الدين محمود .

وحتي جنود وقواد صلاح الدين الأيوبي كان لهم نصيب من الشعر فقال الغّزي أبياتاً في جند صلاح الدين من الترك قال فيها[209]:

في فتية من رجال العرب ما تركت     للرعد  كرَّاتهم صوتاً ولا صيتا
قوم   إذا   قوبلوا   كانوا ملائكة      حُسناً وإن  قوتلوا كانوا  عفاريتا

أما الملاحظة النقدية التي رآها دكتور محمد سلام أنه لم يجد من بين الشعراء في ذلك العصر من تناول شخصية أحد الأبطال ، فحاول تخليدها بشعر يرسم معالمها كما فعل المتنبي لسيف الدولة ، أو كما خلد هوميروس[210] أخيل[211] ، وتعليل ذلك في رأى الدكتور محمد زغلول سلام ” أننا لا نجد سوى قصائد عادية في مستواها الفني ويبدو أن شعراء العصر كانوا مشغولين بالصنعة والمظهر اللفظي أكثر من العناية بروح الشعر مما جعل الشعر يخرج أحياناً عن طريق الفن والإبداع إلى مجموعة من الألفاظ والصفات المكررة ، والتي تحمل أوصافاً تُحشد حشداً تنفر السامع بطول القراءة وتكسبه الملل والسأم”[212] .

ولكن ومع ذلك فإن أمتزاج شعر الجهاد ضد الصليبين وتشبيهة بسير أبطال الإسلام الأوائل وجهادهم لنشر الإسلام وإبراز صفات الصحابة الأوائل ومدى نصرتهم للإسلام كانت لها أبلغ الآثر للتحفيز للجهاد ضد الصليبين وبث روح التضحية والفداء في صدور الجند المدافعين عن الإسلام ضد الصليبين[213]

ويرى محمود مصطفي أن المتتبع الجيد لدواوين شعراء هذا العصر سوف يجدها مليئة بشعر التحريض علي الجهاد وشعر الحروب ووصفها، ويرى أن الشعراء في هذا الاتجاه في الشعر قد استطاعوا لبس ثوب الحقيقة والاتصال بالواقع فصار للشعر روعة ودبت فيه الحياة ، والتي لم تكن معهودة قبل ذلك في الشعر العربي الذي سوى بين الجبان والرعديد ، والبطل والصنديد ، فجعلهما جميعاً يحميان الديار ، يأبيان الفرار.

ولقد استشهد محمود مصطفي على كلامه بديوان ابن النبيه والذي أهتم فيه بالفتوحات والانتصارات التي تمت علي يد ممدوحية فكان أشد ما كان في الديوان من أغراض خلوه من الخيال الكاذب إلا بنصيب ضئيل[214].

أما دكتور عمر عبد الرحمن الساريسي ففي كتابه الموسوم “نصوص من أدب الحروب الصليبية ” فيشترك مع دكتور محمد سلام زغلول في أن الأدب عموماً والشعر خصوصاً هو تسجيل لتأريخ الأمة والتعبير عن آلامها وآمالها والتطلع لآمالها وأحلامها فالشاعر هو مرآة لهموم الوطن وأحزانه. ويتساءل في كتابة هل الشعراء في فترة الحروب الصليبية قد أستطاعوا بلوغ هذا الهدف؟.

وهو في كتابة أيضا يرد على تسائلة بأن الشعر فى العصر الأيوبي هو إنعكاس لملامح الفكر الإسلامي وهو ما يدفع لقتال الصليبين وذلك أبتغاء لمرضاة الله تعالى ونشر كلمة التوحيد[215] .

غضبت للدين حتى لم يفتك رضيً      وكان دين الهدى مرضاته الغضب

ويرى الدكتور الساريسي أن الشعراء في ذلك الوقت كان يحلو لهم المقارنة بين النصرانية التي دفعت المعتدين – الصليبين – للعدوان وبين الإسلام الذي يقف في وجه المعتدي والمقارنة هنا من قِبل الشعراء هي لون من ألوان تثبيت الحقائق وتجليتها أمام العيون[216] :

شتان  ما  بين  ناقوسٍ  يُدان به     وصفٌ وإن نظم المدَّاح  أو  نثروا
الله  أكبرُ  صوتٌ   تقشعرّ  له       وإن  تعاظمَ  منه  الخُبْرُ   والخَبَرُ

والساريسي يرى أن النصوص الشعرية أثناء مرحلة الجهاد في الحروب الصليبية قد رسمت صورة معبرة عن هذة الحروب في لحظات أنتصاراتها وعبرت بشكل قوي عن نفوس المسلمين وما يعتريها من آمال يعلقونها علي أبطالهم وقادتهم المجاهدين[217] .

وفي رأية أن الشعراء لم يكتفوا بنقل أحاسيسهم وأحاسيس الناس من حولهم إزاء نكبة احتلال القدس ، من حزن وأسي ، ولكنهم خطوا في دعوتهم بالشعر الى خطوات محددة الأهداف واضحة المعالم فدعوا الى تخليص قبلة المسلمين الولي من ايدى المشركين المعتدين ، وظلت هذة الدعوة تتكرر حتي منّ الله على المسلمين بذلك ، فنكاد لا ننظر الى التهنئة من الشعراء بأى نصر يحققة المسلمين إلا ونجدهم قد طالبوا بفتح القدس وأغروا به[218].

كذلك فإن الدكتور عمر الساريسي شعر أن شعر الجهاد والحروب في ذلك الوقت قد تكفل بنقل الحروب الصليبية الينا ، كما تكفلت بنقل أفراح المسلمين بالنصر ، كما يرى أن اشعار الجهاد كانت دعوة لتحرير سائر المدن الشامية المحتلة ، فكلما تحررت مدينة من يد الصليبين دعا الشعراء للمضي لتحرير باقي المدن المحتلة، ليستردها القادة المسلمين وممن أنشأ في ذلك العماد الكاتب في قصيدتة[219]:

قل للمليك صلاح الدين أكرم من يمشي على الأرض أو من يركب الفرسا
من بعد فتحك بيت القدس ليس سوى صور فإن فتحت فاقصد طرابلسا
أثر على يوم انطرسوس ذا لجب وابعث إلى ليل أنطاكية العسسا
وأخل ساحل هذا الشام أجمعه من العداة ومن في دينه وكسا
ولا تدع منهم نفسا ولا نفسا فإنهم يأخذون النفس والنفسا
نزلت بالقدس فاستفتحه ومتى تقصد طرابلسا فانزل على قدسا
يا يوم حطين والأبطال عابسة وبالعجاجة وجه الشمس قد عبسا
رأيت فيه عظيم الكفر محتقرا معفرا خده والأنف قد تعسا
يا طهر سيف برى رأس البرنس فقد أصاب أعظم من بالشرك قد نجسا
وغاص إذ طار ذاك الرأس في دمه كأنه ضفدع في الماء قد عطسا

أما الدكتور أحمد بدوى أنه ليس من العجيب أن يعقد الناس آمالهم على من يحكم مصر بأن يسترد ما أغتصبة الصليبين من أراضي ليست بملكهم ، وأن يوحد راية المسلمين تحت هدف واحد ، فكلما فتح صلاح الدين بلداً دعاه الشعراء إلى فتح ما تبقي من الأراضي الاسلامية ، بل يرى أن الشعراء في ذلك العصر لم تقف أمانيهم عند حدود تحرير الأراضي الإسلامية فقط ، بل تعدت ذلك إلى توحيد المسلمين كافة تحت راية صلاح الدين ، فلقد بلغ صلاح الدين فى نفوس الشعراء مبلغاً كبيراً ، فرأوة جديراً بأن يكون حاكم بلاد المسلمين ، بل تمادى البعض بأن رأة جديراً بملك الأرض[220].

ولعل ما يراه الدكتور أحمد بدوى من أن الشعر في ذلك العصر أثره فى تقييد كثير من الإنتاج الشعرى بالرغبة الملحة فى أن يكون للشعر هذة الصنعة والزخرف والعديد من الألوان والمحسنات البديعية[221] وهو ما أتفق معه كلياً فى أن الوضع السياسي والأجتماعي لهذة الفترة هي ما حتمت على الشعر الظهور بذلك الوضع من الصنعة المتكلفة.

المطلب الثاني: شعر مدح المدن وذمها.

يرى الدكتور محمد سلام زغلول أن العصر الأيوبي قد أمتاز بلون شعرى قد ندر أن نجد مثيلاً له في العصور الأدبية الأخرى وهو لون مدح المدن وذمها ، فأصبح كل شاعر أو أديب ينتصر لبلده فيمجده ويهجو بلد منافسة[222].

ومن فرسان هذا اللون من الشعر القاضي الفاضل والذي طالما مدح في مصر وجال بقلمه في ذكر فضائلها والتغني بها وذم مدن الشام وقد كان يرد عليه العماد الأصبهاني في فضل بلاد الشام[223].

أما سامي الدهان فيرى أن الشعراء في العصر الأيوبي في مصر والشام قد ذموا  كل ما لا يرتضونه من مظاهر الحياة المختلفة ، أفرادًا ، وجماعات ، ومدنًا ، وأقاليم ، ودور سكن ، ومرافق عامة ، وربما هجوها من خلال الطعن بأهلها وساكنيها، وقد كثرت شكواهم من الناس وأخلاقهم وطبائعهم ، وفشا الذم من الزمان ، والأهل والأقارب والأصحاب ، والبلد والقطر والإقليم ، فقالوا كثيرًا مما لا يحصيه عدٌّ ، حتى كان لهم باب في هجاء المدن والبلاد ، دخله شعراؤهم ليحطوا من قدر المكان وسكانه[224].

 أما قحطان التميمي في دراسته فيرى أن الأهمال وسوء العشرة هي من أهم الأسباب التي تجعل الشاعر يذم في مدينتة او بلدة أو اقليمه أما حين يلقى الشاعر الأهتمام والحب فى بلده فأنه يشدو بمحاسن بلده  وهذا يدلل على اختلاف دوافع الشعراء تجاه هذا اللون من الشعر ، ويجعلنا نتفق مع ما ذهب إليه قحطان التميمي بقوله ” وليس من شك في أن الإنسان يأنس بالمكان حين يأنس بأهله، ويضيق به ويضجر به حين يلقى من أهله الإهمال وسوء العشرة[225] ”   فالأنس والضجر والسعادة والشقاء عند الشعراء مؤثرات الحب والكره للمكان ، وما يتحقق منها يحدد شعور الشاعر بالرضى والغضب فيميل إما للمدح أو الذم .

 ويُعد ابن عنين أكثر الشعراء حدة وأشدهم قسوًة في ذم المدن، وذم أهلها خاصتهم وعامتهم وله فيها قصيدة تسمى “مقراض الأعراض”  زادت أبياتها عن خمسائة بيتًا ، لم يفلت أحد من أهل دمشق منها بأقبح ذم ونفاه السلطان صلاح الدين إلى الهند ، فمضى ومدح ملوكها واكتسب مالا ، وعاد إلى دمشق فقال  فيها [226]:

أَضالِعٌ تَنطَوي عَلى كَربِوَمُقلَةٌ مُستَهِلَّةُ الغَربِ
شَوقاً إِلى ساكِني دِمَشقَ فَلاعَدَت رُباها مَواطِرُ السُحبِ
مَنازِلٌ ما دَعا تَذَكُّرُهاإِلّا وَلَبّى عَلى النَوى لُبّي
مَتى أَرى سَيِّدي المُوَفَّقَ يَختالُ ضُحىً في عِراصِها الرُحبِ
يَمشي الهُوَينى وَخَلفَهُ عُمَرٌيَختالُ مِثلَ المَهاةِ في السِربِ
وَسيدي كُلَّما تَأَمَّلَهُتاهَ وَأَبدى غَرائِبَ العُجبِ
تَجَعمُسٌ قَلَّ مَن يُناظِرُهُفي الناسِ إِلّا تَعَنفُقُ الرَحبي
المُدَّعي أَنَّهُ بِحِكمَتِهِعَلَّمَ بقراطَ صَنعَةَ الطِبِّ
وَهوَ لَعَمري أَخَسُّ مَن وَطيءَ التُربَ وَأَولى بِاللعنِ وَالسَبِّ
وَلَو رَأَيتَ المِطواعَ يَنظُرُ في التَشريحِ كَيفَ الفَقارُ في الصُلبِ
وَكَيفَ مَجرى الأَنوارِ في عَصَبِ العَينِ إِذا ما اِنحَدَرنَ في الثُقبِ
وَإِنَّ في لُكنَةِ اِبنِ عَونٍ لَمايَشغَلُهُ عَن فَصاحَةِ العُربِ
وَلِاِبنِ نَجلِ الدَجاجِ طولُ يَدٍتَجمَعُ بَينَ الفُراتِ وَالضَبِّ
يَقودُ رَضوى إِلى عَسيب وَلايُعجِزُهُ ما اِرتَقى مِنَ الهَضبِ
ثُمَّ أَبو الفَضلِ مَع حَماقَتِهِيَقطَعُ عُمرَ النَهارِ بِالضَربِ
وَالمغزلُ الحَنبَلِيُّ مُجتَهِداًيفتلُ في لِستِ الثقَّالَةِ الكتبي
هذا وَكَم غادَرَ المُؤَيَّدُ ذا الخَليطَ بِالدِبسِ لاثمَ التُربِ
وَلَو أَشا قُلتُ في المُخَلَّعِ مافيهِ وَما عفتُ ذاكَ مِن رُعبِ
لَكِن أَيادٍ لِعِرسِهِ سَلَفَتعِندي وَحَسبي بِذِكرِها حَسبي
كَم عاثَ بِاللَيلِ في الفِراشِ عَلىكرومِ بُستانِ شُفرِها
عَلى اِستِها خِرقَةٌ مُعلَّقَةٌكَطَيلَسانِ اِبنِ مُكتَعِ الحَربي
وَأَسمَرٍ كَالهِلالِ رُكّبَ فيغُصنِ أَراكٍ مُهَفهَفٍ رَطبِ
صَبا إِلَيهِ عَبدُ اللَطيفِ وَلاغَروَ لِذاكَ القَوامِ أَن يُصبي
وَفي حَديثِ اِبنِ راشِدٍ زَبَدٌعَلى لِحى سامِعيهِ كَالشَبِّ
وَاِبنُ هِلالٍ إِذا تَنَحنَحَ لِلغِناءِ يَعوي مُشابِهَ الكَلبِ
حَلقٌ وَضَربٌ يَستَوجِبانِ لَهُمُعَجَّلَ الحَلقِ مِنهُ وَالضَربِ
وَلِلنَفيسِ الصوفيِّ عَنفَقَةٌمَحلوقَةٌ لِلمِحالِ وَالكِذبِ
كَلِحيَةِ المُرِّ كُلَّما حُلِقَتنَمَت نُمُوَّ الزُروعِ وَالعُشبِ
مَعايِبٌ حجبُهُنَّ يَهتِكُهاهتكَ بَناتِ الرَقِّيِّ في الحُجبِ
ما إِن رَأَينا مِن قَبلِهِ مَلِكاًيَسيرُ في مَوكِبٍ مِنَ القحبِ
يَثِبنَ نَحوَ الزُناةِ مِن شَبَقٍكَاِبنِ زُهَير البَرغوثِ في الوَثبِ
وَلَو تَرَدّى النَزيهُ مِن حَبلٍقَباً لَأَضحى مُمَزَّقَ القَبِّ
وَالعِزُّ عَبدُ الرَحيمِ سَيِّدُنامُطَيلَسٌ لِلقَضاءِ بِالشرب

أما محمد يوسف فهو يرى أن هناك تناقض في شخصية الشاعر في العصر الأيوبي وموقفة تجاه بلد ما فتارة يُفتن الشاعر بها فيمدحها وتارة أخرى ينقلب عليها فيقدحها ويزرى بأهلها مستخدماً المقابلات اللفظية وهو ما استدل عليه محمد يوسف في شعر ابن عنين وهو يهجو مدينة بخاري لما لقيهمن أهلها من ضجر وإجحاف وفتور حتى تكاد تخرجه من دينه ومعتقده ، مما دفعه للقسم ألا يعود إليها مرة ثانية ولو كانت جنة الخلود في  الأرض ، فيقول[227]:

آلَيتُ  لا  آتي بُخارى   بَعدَهاوَلَو   انَّها  في  الأَرضِ دارُ  خُلودِ
فَلَقَد    حَلَلتُ  بِها  حَنيفاً  مُسلِماً   وَرَحَلتُ  عَنها  بِاِعتِقادِ  يَهودي

المطلب الثالث: شعر الأحاجي والألغاز.

يرى الدكتور محمد سلام زغلول أن شعر الألغاز والأحاجي والذي كان الشعراء يتراسلون به ويقضون أوقاتهم هو دلالة علي مقدرة الشاعر وتمكنه ، ولقد نبغ فيها مجموعة من الشعراء وآلف فيها الكتتب مثل كتاب ” عقلة المجتاز فى حل الألغاز” لعلي بن عدلان الربعي .

وشعر الألغاز في رأى محمد سلام هو الشعر الذي يعتمد علي النكتة أو اللمحة البادرة ، واستدل على ذلك بموقف لابن شيث والذى كتب للملك المعظم عيسي أنه لما فارقة ودخل منزله طالبه أهله بما حصل له مع السلطان فقال لهم ما أعطاني شيئاً فقاموا إليه بالخفاف وصفعوه فكتب شعرا يقول فيه:

وتحالفت بيض الأكف كأنها          التصفيق عند مجامع الأعراس
وتطايرت سود الخفاف كأنها     وقع المطارق من يد النحاس

فرمى المعظم الرقعة إلى فخر القضاة ابن بصاقة وقال له: أجبه عنه. فكتب نثراً ونظماً، فجاء في النظم:

فاصبر على  أخلاقهن  ولا تكن        متخلقاً   إلا   بخلق   الناس
واعلم  إذا  اختلفت عليك   بأنه        ما في وقوفك ساعة من باس[228]

المطلب الرابع: المدائح النبوية.

لقد عُرف المديح النبوي منذ بعثة رسول الله هاديا ونذيرا، ونظمه الشعراء من الصحابة وشعراء العصور اللاحقة، لكنه لم يصبح ظاهرة متفردة إلا بعد مدة طويلة من الزمن، ولم يستقر ويتكامل إلا في أواخر العصر الأيوبي وبداية العصر المملوكي، إذ أضحت له قواعده وأصوله، وتقاليده المعنوية والفنية.

جاءت المدائح النبوية فنا أصيلا من فنون الشعر الديني، له مكانته عند المسلمين فهو متعلق بصاحب الدين والمثل الإنساني الأعلى، فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم شخصية إنسانية فريدة، هي أعظم شخصيات التاريخ الإنساني، فكان لا بد للأدب من أن يغتني بالحديث عنها، وكان لا بد للأدب من أن يشيد بها وبفضائلها، ويقدم للناس فيضا من خصائص الإنسان الكامل، ليقتدوا بها، وتصفو نفوسهم بتملّيها، وشخصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استوجبت المدح من المسلمين وغيرهم لعظمتها وسموها.

ويرى الدكتور عمر موسي باشا أن المديح النبوي أصبح من الأغراض الشعرية المعروفة أواخر العصر الأيوبي وأنتشر منذ اوائل العصر المملوكي ، ويرى أنه من الأسباب التي أدت الي انتشار شعر المديح النبوي هو أضطراب الحياة السياسية وسوء الأحوال الإجتماعية بمختلف مظاهرها ، وتدهور الأحوال الأقتصادية ، أما السبب الأساسي في تصوره لأنتشار هذا اللون الشعري في العصر الأيوبي هو خطر الحروب الصليبية والتترية وجثوم الأعداء من كل جانب ، فوقف الشعراء يدافعون عن المقدسات الإسلامية ويمدحون الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن الأمثلة الرائعة التي ضربها عمر باشا للممدائح النبوية مدح ابن الساعاتى للنبي بقصيدة أستهلها بوصف الديار وذكر النسيب وخلص منه الى النعوت النبوية فقال فيها[229]:

وكيف أخمل في دنيا وآخرة  ومنطقي ورسول الله مأمول
هو البشير النذير، العدل شاهده وللشهادة تجريح وتعديل
لولاه لم تك شمس لا ولا قمر ولا الفرات وجاراها ولا النيل
ولم يجب آدم في حال دعوته نعم، ولم يك قابيل وهابيل
مرتّل الوحي يتلوه ويدرسه ولم يكن لكلام الله ترتيل
فسيّد الرسل حقا لا خفاء به وشافع في جميع الناس مقبول
نبّت نبوّته الأخبار إذ نطقت فحدّثت عنه توراة وانجيل
أضاء هديا وجنح الكفر معتكر ووجه حق، وستر الشك مسدول
لم يثو في أهله أهل العباء ففا ت القوم وحي مثواه وتنزيل
الخمسة الغرّ لم يقض اجتماعهم إلّا وسادسهم في الجمع جبريل
فمنهم أخذ التنزيل أجمعه في الكافرين وفي الباغين تأويل
فضيلتا شرف ما ناله بشر أولى وأخرى بهم تردى الأضاليل

أما الدكتور محمد سلام زغلول فيرى أن المدائح النبوية في العصر الأيوبي لم تأخذ حقها كلون شعري جديد إلا منذ بداية العصر المملوكي وهو هنا يشترك بالرأى مع الدكتور عمر باشا ، كذلك يرى أنه على الرغم من ان البداية الحقيقية للمائح النبوية فى العصر الأيوبي إلا أنه لم نجد في العصر المملوكي قصيدة كادت تخلو من مدح النبي ، بل إن الشعراء في ذلك الوقت قد أفردوا قصائد بذاتها لذلك اللون الشعرى مثل قصيدة البردة والهمزية للبوصيرى[230].

الفصل الثاني

في دراسة الظواهر الفنية.

المبحث الأول: الظواهر الفنية فى الشعر الأيوبي.

      المطلب الأول: بناء النص الشعرى.

إن النص الشعرى بكافة صورة ابتداءاَ من البيت الواحد مروراً بالمقطوعة وانتهاءً بالقصيدة الطويلة متعددة الموضوعات ، هي فى النهاية بناءً فنياً يصور تجربة ما، ولقد صور ابن طباطبا العلوى النص الشعري بقوله ” الشاعر كالنقاش الرقيق الذى يصنع الأصباغ فى أحسن تقاسيم نقشه ، ويشبع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه فى العيان ، أو كناظم الجوهر الذى يؤلف بين النفيس والثمين الرائق ، ولا يشين عقوده بأن يفاوت بين جواهرها فى نظمها وتنسيقها، وكذلك الشاعر”[231]  .

أما الجاحظ فيرى أن الشعر الجيد هو ” متلاحم الأجزاء ، سهل المخارج ، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغاً واحداً ، وسبك سبكاً واحداً ، فهو يجرى على اللسان كما يجرى الدهان “[232].

ومن السابق يتضح أن التلاحم لأجزاء النص الشعرى وعناصره هو أساس البناء الشعرى أو الفنى الجيد ، غير أن عملية البناء هذه لا تخضع لأنفعال ومشاعر الشاعر وعاطفته فقط بل يظل للعقل دوره فى جمع وربط هذة العناصر الفنيه بعضها ببعض ليظهر الشكل الفني للعمل الشعرى[233]

الفرع الأول: المقطعات الشعرية:

القطعة من الشعر ما كانت أبياتها من ثلاثة الى سته [234]، أما  ابن رشيق فأشار ان العرب لا يسموا الأبيات قصيدة إلا اذا بلغت السبعة أو العشرة أبيات [235].

وقد كان للنقاد فى القديم والحديث التفاتات فى مسألة القطعة الشعرية بالأطالة او التقصير فى الشعر، خلاصتها أن لكل أمر قيمته الفنية إذا وافق مقتضى الحال[236].

ولقد أورد بن رشيق رأى الخليل بن أحمد فى قوله ” يطوَّل الكلام ، ويكثَّر ليفهم ، ويوجز ويختصر ليُحفظ ، وتستحب الأطالة عند الإنذار والإعذار ، والترهيب والترغيب ، والإصلاح بين القبائل ، كما فعل زهير والحارث بن حلزة ومن شابههما وإلا فالقطع أطير فى بعض المواضع ، والطوال للمواقف المشهورات”[237]

ومن المقطعات الشعرية لابن عنين قوله[238]: ( الطويل)

دَعَت في أَعالي الصُغدِ يَوماً حَمامَةٌعَلى فَنَنٍ في ظِلِّ رَيانَ كَاليَمِّ
فَهاجَت مَشوقاً وَاِستَفَزَّت مُتَيَّماًوَأَبكَت غَريباً وَاِستَخَفَّت أَخا حلمِ

وهنا نجد الحالة النفسية التى يعيشها الشاعر، والممثلة بالفقدان والحنين الى الوطن فى ابيات قصيرة .

ولقد جسد الشاعر اسامة بن منقذ من خلال مقطعته الشعرية التي كتبها يجسد فيها احساسه وشعوره، عندما یدنو الموت منه، فحینذاك تنفجر في قلبه كل مشاعر الحزن والأسى على من یموت غریباً بین الناس دون أن یجد حوله أحدا من أھله  وأقربائه، وكان ذلك ما شعر به أسامة عندما ماتت ابنة أخیه ووالدها غائب عنها، وكذلك أعمامها وأخوالها، فقال[239]:

(الكامل)

ويح الغريبة والديار ديارها لم تَرتَحلْ عنها، ولم تَتَغَرَّبِ
ماتت غريبة وحدة من تربها وشقيقها ومن العمومة والأب
فهي الوحيدة ُ، والأقاربُ حولَها وهي البعيدة في المحل الأقرب
فإذا تضرَّمَ في الجوانِحِ ذكرُها قال الأسى : بالله يا عين اسكبي

ومن المقطعات الشعرية المتميزة بقوة العاطفة لأسامة بن منقذ ، والتى شكا فيها من كثرة الترحال فى البلاد فقال[240]: ( مجزوء طويل)

يا  دهرُ  كم  هَذا   التَّفَرْرُقُ   والتَّغَرُّبُ     والشَّتاتُ
أبداً   على   سيرٍ     كأنْنِي الشّمسُ لَيس لها ثَباتُ
متقلقلُ   العَزَماتِ      كالمطلوبِ   أفرقَهُ      البَياتُ
ناءٍ  عن   الأهلينَ     والأَوطانِ   والأترابُ     ماتُوا
ولَبِئْسَ  عيشُ  المرءِ     فارقَهُ    الأحِبّةُ      واللِّدَاتُ
فإِلامَ     أَشقى       بالبَقاءِ  وكَمْ   تُعذّبُني   الحياة

 الفرع الثاني: القصيدة الشعرية.

القصيدة ما هي إلا عالماً شعرياً متجانساً تتآلف فيه الأشياء وتتلاقي بحيث يبرز من هذا التآلف الكيان الشعرى[241]، والقصيدة هي كالبناء المحُكم الذى تتكامل وتتآزر فيه كل العناصر اللغوية بنظام معقد من العلاقات والتقابلات والتى لا يمكن تحققها فى البنيه العاديه[242].

ومن السابق فإنه من المهم الوقوف على أسلوب بناء القصيدة الشعرية وهيكلتها والأهم تحديد العلاقة بين أجزائها ومن هنا تنبع القيمة الفنية والجمالية للقصيدة[243] ، وتتكون القصيدة من مطلع ، وتخلص ، وخاتمة كل منهم يكمل الأخر.

الورقة الأولى: مطلع القصيدة.

لقد قسم النقاد العرب القدماء فى حديثهم عن القصيدة العربية الى ثلاثة أجزاء المطلع والتخّلص والخاتمة، فالقصيدة تُستهل بمقدمة مختلفة الموضوعات متواصلة الوشائج؛ وهى إيحاء بموضوع القصيدة، أو ترمز له، وقد أدرك تلك العلاقة الأوائل فابن رشيق يرى أن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر، وباينه في صحة التركيب غادر الجسم عاهة، تتخون محاسنه وتُعفِّى معالم جمال[244].

لقد اعتنى القدماءُ بمقدمة القصيدة وحثوا الشعراء على استحسان تقديمها، وأسموها بأسماء كثيرة  كالابتداء، والاستهلال، والافتتاح[245]، وحري بالشاعر أن يحسن ابتداء قصيدته، لأنه أول ما يقع في السمع من الكلام فإذا، كان الابتداء حسنا بديعًا ومليحا رشيقًا كان داعية إلى الاستماع لما يجيء بعده من الكلام [246].

ولقد أهتم الشعراء فى العصر الأيوبى بوحدة القصيدة فقسموا قصائدهم الى أقسام، يفضي كل قسم إلى الأخر فى كثير من الأحيان ، فتأتى القصيدة مثالاً فى الجودة والإتقان، لذلك نجد حرص الشاعر الأيوبي على أختيار مطلع القصيدة فهو أول ما يقع فى السمع من القصيدة ، وهو الدال على باقى القصيدة[247].

ولقد دعا اسامة بن منقذ الى تحسين المطلع فإنها دلائل البيان[248]، إذ يجب أن يكون أسلوب الشاعر قوياً مؤثراً، وسهلاً يؤثر فى السامع بحيث يجذبه الى الاستماع لباقى القصيدة [249]، كما اشترط النقاد على ان يكون مطلع القصيدة دالاً على ما بنيت عليه القصيدة بغير تصريح بل بإشارات يستدل منها على القصيدة من مدح أو هجو أو رثاء أو باقي الأغراض الشعرية[250].

            ويتضح جلياً أهتمام الكثير من شعراء العصر الأيوبي بالمطلع وحسن تناوله ونجد ذلك فى قول ابن عنين فى حنينه لدمشق فيقول[251]:

(الطويل)

حَنينٌ إِلى الأَوطانِ لَيسَ يَزولُوَقَلبٌ عَنِ الأَشواقِ لَيسَ يَحولُ
أَبيتُ وَأَسرابُ النُجومِ كَأَنَّهاقُفولٌ تَهادى إِثرَهُنَّ قُفولُ
أُراقِبُها في اللَيلِ مِن كُلِّ مَطلَعٍكَأَنّي بِرَعيِ السائِراتِ كَفيلُ
فَيا لَكَ مِن لَيلٍ نَأى عَنهُ صُبحُهُفَلَيسَ لَهُ فَجرٌ إِلَيهِ يَؤولُ

ومن أقٌوال اسامة بن منقذ فى مطلع قصيدة ماذا يروعك من وجدي ومن قلقي فيقول[252]:                                             ( بسيط)

مَاذَا يروعُكَ من وَجدي ومن قَلَقِيأمْ مَا يَرِيبُكَ من أجفَانِيَ الدّفُقِ
هَنَاكَ بُرؤُك من دَائِي ومن سَقَمِيونَومُ جَفْنَيكَ عن هَمّي وعن أرَقِي
إن كنتَ قَدّرْتَ أنَ الحبّ مَوردُهسهلٌ فإنّك مَغرورٌ به فَذُقِ
لِتَستَبيح مَلامي أو ليَفْسَحَ لِيسَدادُ رأيِكَ في جَهْلي وفي خُرُقي
لا تَحسَبَنَّ الهَوى ما كنتَ تَسمَعُهمن مُدّعٍ لمن يُعالِجْه ومُخْت

وعلى الرغم الى ما يشیراليه مطلع القصيدة من الحالة  النفسية للشّاعر ، وما يعانيه  من قلق وحزن، إلا أن الشّاعر أجاد فى مطلع قصیدته الى الاشارة لفحوى القصيدة وعرضها العام، وھو الحنین إلى المحبوب.

      ومن المطالع الجيدة قول القاضى الفاضل [253]:       ( الطويل)

سَقى اللَهُ تِلكَ الدارَ عَودَةَ أَهلِهافَذَلِكَ أَجدى مِن سَحابٍ وَقَطرِهِ
لَئِن جَمَعَ الدَهرُ المُشَتِّتُ شَملَهُفَما بَعدَها ذَنبٌ يُعَدُّ لِدَهرِهِ
فَكَيفَ تَرى أَشواقَهُ بَعدَ عامِهِإِذا كانَ هَذا شَوقَهُ بَعدَ شَهرِهِ

      ومن المطالع التى تُحدث أثراً فى نفس السامع، لأحتوائها لعناصر الموسيقى الداخلية مطلع لقصيدة لعماد الأصبهاني يقول فيها[254]:   ( الكامل)

هل عائدٌ زمنُ الوِصالِ المنْقَضيأَم عائدٌ لي في الصبابة ممرضي
لا أَشتكي إلاّ الغرام فإنّهُبلوى عليَّ من السّماءِ بها قُضي
لا لاح حالي في الهوى مشهورةٌحاولتَ تسليتي وأَنتَ مُحرِّضي

أما من أهم المطالع التى جاءت بالتغنى بالنصر ما جاء بقول سناء الملك يمدح به الملك الناصر فقال[255]:                          ( الخفيف)

لستُ أَدري بأَيِّ فتحٍ تُهنَّايا مُنيلَ الإِسلام ما قد تمنَّى
كلُّ فتح يقول إِنِّيَ أَولىوهْوَ أَولى لأَنَّه كان أَهْنا
أَنُهنِّيك إِذ تملكتَ شاماًأَم نهنّيك إِذ تملكت عَدْنا
قد ملكتَ الجِنان قصراً فقَصْراإِذ فتحتَ الشآمَ حِصناً فحِصْ

ولقد جاءت معظم القصائد التي قيلت فى التغنى بالانتصارات فى العصر الايوبي، جاءت مستمدة من الحدث ذاته والواقع المحيط به، متلائمة ومتناغمة مع موضوع الحدث ذاته،  ومن اهم المطالع التى قيلت فى التغنى بالنصر قول ابن الساعاتى [256]:

أعيَّا وقد عاينتم الآية العظمىلأيَّةِ حال تذخر النثر والنَّظما
وقد ساغ فتح القدس في كل منطقٍوشاع إلى أن أسمع الأسل الصُّمَّا
تحلُّ بهِ الأضدادُ واللفظ واحدٌفكمْ سرَّ قلباً في الأنام وكم غمَّا

الورقة الثانية: التخّلص.

 التخلص هو الأنتقال من معنى لمعنى أخر بتخلص سهل ، يختلسة الشاعر أختلاسا رشيقاً دقيق المعنى، بحيث لا يشعر السامع بالأنتقال من المعنى الأول إلا في وقع المعنى الثانى ، وذلك من شدة الالتئام والانسجام بينهما.

فالتخلص هنا هو أن يخرج الشاعر من غرض شعري لغرض أخر كأن يكون فى نسيب الى مدح او غيرة بلطف، وكانت العرب تستعمل بعض الصيغ المعروفة مثل ( دع ذا ) ( وعد عن ذا ) ويأخذون فيما يريدون، فإذا لم يستعمل الشعراء مثل ذلك وأنتقلوا مباشرة إلى الموضوع الموالى فإن ذلك يسمى طفرا أو أنقطاعاً[257]، وحسن التخلص الى موضوع القصيدة الرئيسي لدى ابن القيرواني يمثل النقلة النوعية الأكثر أهمية [258].

ولقد سار شعراء العصر الأيوبي على طريقة القدماء فى بناء قصائدهم فلقد حرصوا  على الاھتمام بالتّخلص، لأنه نتیجة طبیعیة لوجود مقدمة تمهد للدّخول في الموضوع الرّئیسي للقصیدة، وإن تحرروا منها في بعض الموضوعات التي لا تستدعي اصطناع المقدمات لسیطرة عواطف الشّوق والحنین عليهم[259].

ومن الأمثلة المحمودة لحسن التخلص، ما ورد فى “قصيدة حنين إلى الأوطان ليس يزول” ، لابن عنين يقول فيها[260]: ( الطويل)

دِمَشقُ فَبي شَوقٌ إِلَيها مُبَرَّحٌوَإِن لَجَّ واشٍ أَو أَلَحَّ عَذولُ
دِيارٌ بِها الحَصباءُ دُرٌ وَتُربهاعَبيرٌ وَأَنفاسُ الشَمالِ شَمولُ
تَسَلسلَ فيها ماؤُها وَهوَ مُطلقٌوَصَحَّ نَسيمُ الرَوضِ وَهوَ عَليلُ
فَيا حَبَّذا الرَوضُ الَّذي دونَ عزَّتاسُحَيراً إِذا هَبت عَلَيهِ قَبولُ

ویتفنن العماد الأصبهاني في التّخلص ویحسنه، حین صور أیام الشّباب المنصرمة بأیام الممدوح، إذ یقول[261]:                  ( الطويل)

يا حسن أيام الصّبا ، وكأنهاأيام مولانا الإمام المُستضي
ذو البهجة الزهراء ، يشرق نورهاوالطلعة الغراء ، والوجه الوضي

كما أجاد ابن الساعاتى التخلص الجيد كما فى قوله[262]:      ( الطويل)

  فلا خاب ظني في العقيق وأهله    كما لم يخب في الظافر الملك سائل

ونجد هنا أنه قد أنتقل من غرض  الحنین إلى المدح انتقالاً سلساً رشیقاً، دون أن یشعر به الملتقى وهو ما عرفه ابن القيروانى فى حسن التخلص.

الورقة الثالثة: الخاتمة.

حرص شعراء العصر الايويى على خاتمة القصيدة لأنها أخر ما يبقى فى الأسماع ، فإن كان ابن رشيق قد أشار ان المطلع هو مفتاح للقصيدة ، ولكن الخاتمة هي القفل وأخر ما يتعلق بالأذهان والأسماع فيقول فى ذلك ” قاعدة القصيدة، وأخر ما يبقى منها فى الاسماع ، وأذا كام أول الشعر مفتاحاً له وجب أن يكون الأخر قفلاً”[263].

      والخاتمة لدى بعض الشعراء والنقاد يجب أن تكون ذات ألفاظ مستعذبه، وأن تكون أجود أبيات القصيدة ، وأن تكون خلاصة للقصيدة وبياناً للمعنى الذى يقصدة الشاعر[264]، لذلك نرى الأهتمام من الشعراء الأيوبيين بخاتمة القصيدة ، ومن الأمثلة على حسن خاتمة القصيدة خواتيم قصيدة قدسيات الجلياني والتي بدأها بمطلع بقولة [265]: ( البسيط )

أَبا المُظَفَّرِ أَنتَ المُجتَبى لِهُدىأُخرى الزَمانِ عَلى خُبرٍ بِخَبرَتِهِ

معبراً بهذا المطلع بالنصر والأشادة بالبطل الذى حقق النصر على يديه ويختم قصيدتة بقوله:

حَتّى يَكونَ لِهَذا الدينُ مَلحَمَةًتَحكي النُبُوَّةُ في أَيّامِ فَترَتِ

ونجد هنا الربط بين المطلع والخاتمة للقصيدة بالربط بين ايام العهد النبوي وبين أيام صلاح الدين الأيوبي، وبذلك فقد حقق الجلياني وحدة القصيدة والربط بين موضوعها من المطلع للخاتمة.

أما الخاتمة عند ابن عنين فكانت حسنة المأخذ ، وتتميز بالألفاظ السهلة المناسبة لأغراضها فيقول[266]:

رَعَى اللهُ أیّاما تَقَضَّتْ بِقربِكُموَعصْرَ الصِّا يا حبذا ذاكَ منْ عّصرِ
فسائِر أيامي لديكْم مَواسِمٌ وكُلُّ الليالي عِندْكم ليلة القدرِ

كما أحسن ابن مطروح فى ختام قصيدته بالدعاء بالسّقيا الى الرّبوع والديار فقال[267]:                                                ( الطويل ).

سلام على ذاك الزمان الذى مضىوسقيا لهاتيك المعالم والرُّبا

أما العماد الأصبهاني ففي قصيدة تميزت بالحنين الى الأصدقاء ببغداد فتميزت خاتمتها بوحدة الموضوع والهدف فقال فيها:     ( الهزج)

توكلتُ عَلى اللهإذا ضَاقتْ بي السُّبْلُ
وَعَلقتُ بحبل اللهكفّي فهو الحَبُلُ

ويختتم البهاء زهير مدحيته للملك الناصر بأفضلية شعره، ما جعل الدهر بعض رواته، يقول[268]:

كلامٌ يسرُ السامعين كأنمالسامعهِ فيهِ الشَّرابُ المُفرحُ
نسيبٌ كما رقَّ النسيمُ من الصَّباوغازله زهُرُ الرياضِ المُفتحُ

فالشاعر في قصيدته التي بدأها بالغزل وأحسن التخلص للمدح، يؤكد في نهايتها جمالها، وحسن تذوق السامع لها، فهي كالخمر طابت لشاربها، وكالنسيم رقة ولطفًا، ما جعل الناس يتناقلونها، ما يجعل الشاعر يصل إلى مراده وقصده.

المطلب الثاني: الصورة الشعرية.

            الفرع الأول: تعريف ومفهوم الصورة الشعرية.

من الصعب أعطاء تعريف واحد تام التحديد لمفهوم الصورة الشعرية، فالأختلاف بين النقاد والبلاغيون المعاصرون قد بلغ مداه فى تحديد المفهوم، وذلك لإندراج مفهوم الصورة الشعرية تحت رؤى فنيه مختلفة، ولتغيير المفهوم وتطوره تبعاً للشعر ذو الطبيعة المتغير[269].

ويرى منير سلطان أن الصورة الشعرية هي اللقطة التي تُشجل وضعاً معيناً لشئ ، سواء أكان حياً أم جماداً ، أم ظاهرة من ظواهر الطبيعة، ولكن الشاعر بأسلوبة يمنحها الايقاع والحركة واللون، فيبعثها كأنها كائن جديد[270].

أما مدحت الجيار فيرى أن الصورة الشعرية هي أساس وجوهر الشعر، وهي تصوير معني عقلي وعاطفى متخيل، ليكون المعني متجلياً أمام المتلقي، حتي يتمثله بوضوح ويستمتع بجمالية الصورة، وهو أداته القادرة على الأبتكار وتشكيل موقف الشاعر من الواقع وفق إدراكه الجمالي الخاص[271].

أما أندريه بروتون فيرى أن الصورة هي إبداع خالص للذهن لا يمكن أن تنتج عن مجرد المقارنة أو التشبيه بل هي نتاج للمقاربة بين واقعين متباعدين، وبقدر ما تكون علاقة الواقعين بعيدة وصادقة بقدر ما تكون الصورة قوية ومحققة لهدف الشاعر[272].

ومن التعريفات السابقة نرى أن الصورة الشعرية تُساعد على إبراز المعني، وتقريبة للأذهان، كما أنها لها تأثير واضح فى المتلقي، لأنها تُشكل أوتار الاهتزاز الشعري الذي يؤدي بالتالي إلى اهتزاز عاطفي عند السامع أو القارئ، ومن هنا يحدث التجاوب مع الشعر.

والصورة الشعرية هي الأداة التى تتربع على سائر الأدوات الشعرية، وبغيابها أو بحضورها نحكم على الشعر بالجودة أو الرداءة، وذلك لأن الصورة الشعرية هي تحويل القيمة الشعورية إلي قيمة تعبيرية يتم بواسطة الصورة الشعرية[273].

أن تداخل العديد من العوامل التي تحدد طبيعة الصورة الشعرية كالتجربة والشعور والإدراك والتشابه جعلت النقاد والباحثين يختلفوا فى تحديد مفهومهم ما بين الصورة عامة والصورة الشعرية على وجه الخصوص[274] .

إن الهدف الأساسي من الصورة الشعرية هو محاولة تقديم مشهد جديد، يقوم الشاعر بأبتكارة وبإمكاناته التعبيرية، ووسائلة الفنية، ليُبرز تشكيله الجمالى المُستحضر للغة الإبداع، لمحاولة التأثير على المستمع ليجعلهم يعيشون تجربته، وبذلك فهو يترك فى نفوسهم أثراً لا يقل بأى حال من الأحوال عن الذى يعيشه الشاعر نفسه[275].

ونفهم من السابق أن الصورة الشعرية هى  وليدة الخيال لدى الشاعر، وما يُحدثه من أثر في الأسماع والقلوب، فهي الأداة الأسلوبية التي تنفث السحر في الصورة الجمالية التي يبدعها الشعراء، وتتجلى فيما يبرزونه فيها من ضروب القول، وأفانين الكلام وهي جوهر العمل الشعري وأداته القادرة على الخلق والعطاء بما توصله إلى نفوس الآخرين، وبدونها يبقى العمل الأدبي جامد يفتقد الحيوية  والتأثير، لذلك فإن الشاعر الجيد هو من يستطيع نقل فكرته من خلال التصوير الجيد الى قراءة وسامعيه[276].

       الفرع الثاني: الصورة الشعرية فى الشعر الأيوبي.

ولقد أعتمد الشعراء الأيوبيين على تشخيص أفكارهم وأحاسيسهم، بضروب من البيان المختلفة، ونوعوا فى صورهم سواء الحسية، أو السمعية، أو قد تكون الصورة سيكولوجية.

ومن الشعراء الذين أجادوا استخدام الصور الشعرية سواء المفردة أو المركبة، بن الساعاتي والذي تميز بالقدرة على التعبير عن المعاني والأبعاد النفسية للتجربة الشعرية، وتميز بالتكوينات العديدة للصور المفردة، ودلالاتها المعنوية وتجسيدها عن طريق تبادل المدركات وتمثل ذلك فى قولة[277]:

سأهدي إلى عَلياكِ كُل خريدةٍمن الفضلِ لمْ تَعلقْ بها كفٌ فارعِ
نتائجُ أفكار إليكَ نوازعٌوليست إلى غير العلى بنوازعِ
تجئُثقيلاٌ أو خفيفٌ ترنحتقدودُ المعاني منهُ قبلَ المسامِعِ
فما كان لولاكَ السماح بُمطلقضحوكٍ ولا صدرُ الزمان بواسع

جعل ابن الساعاتي من الزمان والوقت وهما شيئين غير ملموسين غير ماديين جعل لهما صفات المكان الملموس من حيث الضيق والأتساع، كذلك جعل من أفكاره ومعانيه الشعرية الثقيلة أحياناً والخفيفة أحياناً وبذلك حولها لأشياء مادية ملموسة، كما استخدم الشاعر كلمة ترنحت وهي كلمة تفيد الحركة الغير متزنه أو المتمايله وهو ما أكسب البيت الشعرى الحركة هي من صفات الكائنات الحية. 

      كذلك قوله[278]:

ويوم كظل السمهريّ قصرتهُبمنجزِ وَعدِ كدْتُ أقضْي ولا يَقضي

فقد جعل الشئ المعنوي وهو اليوم له صفة مادية، وهو الطول والقصر، كما أن الظل، مع أنه يُدرك بإحدى الحواس الخمسة إلا أنه لا يمكن أن يمسك الشاعر الظل كما يمسك القماش ويقوم بتقصيره.

كما أن ابن الساعاتي أستطاع فى شعرة أضفاء الصفات الإنسانية عليه ، حتى أستطاع أن يجعل الشعر كائنات حيه تخرج منها الحياه ، وهو الأمر الذى يُزيد من قيمة الصورة الشعرية، ويعمقها كما فى قوله[279]:

أى ملكٍ لولا أسمهُ لبكى المنـبر من فرط لوعه والتياح

وقد أعطى ابن الساعاتي الجماد – المنبر – صفات إنسانية فهو يشعر كما يشعر الإنسان باللوعة ويبكي على ممدوحه ، وهو ما أعطي للشعر عمق وحيوية ساعد على إيصال المعنى المطلوب للقارئ أو السامع.

وأجاد ابن الساعاتي فى وصف صورة حالة التناقض بين المسلمين المنتصرين، والصليبيين المنهزمين، ووظف الصليب لوصف حاله الأنهزام، بينما وظف الأنجيل ليرمز به الى نصارى بيت المقدس الذين شاركوا المسلمين فرحتهم بالأنتصار فيقول[280]:

يبكى من المنبْرِ الصليب كماتضحك للمصحف الأناجيل
تسجد دينا لها القلوب إذايُقرأ ذكر منها وترتيلُ

ونجد هنا أن ابن الساعاتي قد وفق فى إبراز حالة التناقض بإستخدام الأفعال المتناقضة كيبكي ويضحك اللذان ساعدا على رسم حالة المفارقة بين حال المسلمين وحال الصليبيين.

كذلك فإن ابن الساعاتي كما برع فى الصور المفردة قد برع أيضاً فى الصور المركبة، والصورة المركبة ما هي إلا مجموعة من الصور المفردة تتآزر معاً لترسم علاقات متفاعلة ينتقل القارئ عبرها تنقلات غير صادمة وغير مفاجئة له، ومن شعر ابن الساعاتي الذي يوضح ذلك المعنى[281]:

قفْ بالخليج فإنهأشهى بقاع الأرض ربعا
رقصت له الأغصان إذأثنى الحمام عليه سجعاً
متعطف كالأيم ذعراحين خيف فضاق ذرعا
وإذا تمرُّ به الصبافأطربْ لسيفٍ صار درعا
متباريات سفنهُخفضاً براكبها ورفعاً
مثل العقارب أقبلتْفوق الأراقم وهي تسعى

وكما نلاحظ فإن الصورة المركبة فى هذة الأبيات ما هي إلا مجموعه من الصور الفردية ، أجتمعت معاً لتركيب الصورة المركبة، بدأت الصور بتشبيه الخليج وهو يتمايل ويتعرج مثل الأفعى المذعورة الهاربة، وتصوير السفن التى تمر فى الخليج بالمتبارين الذين يتسابقون بتارة تجد السفن من شدة السرعة تنخفض بركابها وحمولتها وتارة أخرى ترتفع ، كما شبه السفن بالعقارب التى تسير فوق الأفاعى كالسفينة فوق النهر، كما شبه الخليج بالسيف الذى سرعان ما يتحول لدرع يصد الرياح إذا مرت عليه[282].

انظر إلى الكانون في بدوّهوبعدما يخمد منهُ ذا اللّهب
بينا تراهُ سبجاً مذهّباًحتى ترى الفضة من فوق الذهب

واستوحى ابن الساعاتي صورة مهجوه من عالمي الحيوان والحشرات معًا ، إمعانًا في تقبيحه ، فهو كالعجل في جهله وقلة عقله ، وكالذبابة في تطفُّله ، وكالنمل في نقله للحديث ، فيقول[283]: ( الطويل )

تجاوز دنياَّت العجيل وجهلهُفما يهتدي عجلٌ يكون بلا عقلِ
رمى جيش الانكتار بروحهِفيكفيه ما فيها من البرد والثقل
أحطُّ على مأكولهِ من ذنابةٍوانقل فيهم للحديث من النمل
بلاهم بهِ الله القويّ فإنَّهُأشدُّ من الطاعون في زمن المحل
حسامٌ ولكن للمودَّات حسمهُيشام لإفساد الأخلاَّء لا القتل
فحصّل لهُ نعلاً يزين أديمهُفلا بدَّ للسيف الصقيلِ من النعل

ولم يكن ابن الساعاتي بمفردة من أجاد الصورة الشعرية، بل تميزت الفترة الأيوبية بالصور الشعرية المميزة، ومنهم فتيان الشاغوري والذى أستمد صورة الشعرية من واقع الحياة اليومية فقال[284]: (سريع)

رَأَيتُ بِالجامِعِ أُعجوبَةًوَالناسُ يَسعَونَ إِلَيها زُمَر
فَقُلتُ يا قَومُ عَلى رِسلِكُمما يَعِظُ الجاموسُ إِلّا البَق

وهو هنا حاول أن ينتقص من مقدار مهجوه بأن استمد صورتة الشعرية من عالم الحيوان ، فقد شبه أحد الوعاظ وصورة بأنه جاموس وشبه من يعظهم بأنهم بقر.

      كما استطاع فتيان الشاغورى الأستعاتة ببعض الشخصيات التاريخية فى تهكمه على القاضي الفاضل،  إذ استدعى صور ساخرة  من شخصيتين متناقضتين من التاريخ ، في قوله:

لا مَرحَباً بِالناقِصِ اِبنِ الفاضِلِهَذا اِبنُ قُسٍّ في فَهاهَةِ باقِلِ
وَأَجَلُّ قَدراً مِنهُ بَغلَتُهُ الَّتيأَضحى أَبوها مِنهُ فَوقَ الكاهِلِ

أما القاضى الفاضل فيصور أحد مهجويه ممن لا يُرجى منه خير بالسراب الذى لا يُنتظر منه ماء فيقول[285]: ( متقارب )

فيا عَجَباً هَالةٌ قدْ بدتْوأنتَ تُرى عنْدها مُظلما
وَمَا كُنتَ إلا كَمثْل السَّرابِيسوقُ إليه سياطَ الظلما

أما اسامة بن منقذ فيرسم صورة بيانية معبرة لخفقان قلبه، فشبهة خفقان قلبة بالبرق الملتهب، لشدة شوقة لمحبوبتة فيقول فى قصيدته كم ترزمي وكم تحني يا ناق: ( السريع )

أصقبت الدار وقلبي مشتاق ما أتعب الحامل قلباً تواق
كالبرق مشبوب الضرام خفاق

اما ابن سناء الملك فيصور الرهبة، والجموع الكبيرة فى تشييع أبيه ، كما يصور والده بالنفس المطمئنة التى خاطبها الله بان ترجع اليه راضية مرضية ، كل ذلك فى مشهد مكتمل فيه عناصر اللون والصوت والحركة ، والشعور بالرهبة من الموقف نفسه ، فيقول[286]:

رَأت أنْفس أكْفانهُ وَهْيَ سُنْدُسوَإنْ ابصرتهْا أعين وَهْي أطمارُ
وَشيعه التكبيرُ حَتي إذا ثَوىتلقاهُ إجلال هُناكَ وإِكْبار
فيا نِفسهُ فيك السكينةُ والهدَىوفوقك سِر فيه لله اسرارُ

      أما ابن النبيه فلقد قدم صورة مؤثرة فى رئائه ابن الخليفة الناصر لدين الله، فصور لنا عرساً فى السماء ، تتهيأ له الحور العين بالزينة، ومأتم فى الأرض، صور لنا الصوت الجميل فى السماء ، والجلبة فى الأرض ، صور لنا الثياب الزاهية فى السماء ، ولون السواد يعم أهل الأرض، فصور لنا الحزن والفرح، الثياب الزاهية والسواد، اصوات الفرح فى السماء ، والجلبة فى الأرض فيقول[287] :

      مأتَمهُ في الأرْضِ لكن لهُعُرْسٌعلى السبع الطباقِ الشدادْ
فالخودُ فىِ المسحِ لها رنةٌوالحور تُجلى فى المروطِالجساد

الفرع الثالث: الأسلوب واللغة:

الأسلوب الأدبي هو المنوال الذي ينسج فيه التراكيب، أو القالب الذي يفرغ فيه وبهذا التعريف يصبح الأسلوب هو طريقة الشاعر لإيصال عواطفه وأفكاره إلى المتلقي والذي بدوره يستطيع أن يميز شاعراً من آخر من خلال استقراء أسلوب الشاعر، ولهذا نرى أن تباين الشعراء في مذاهبهم الشعرية واضح حتى عند أولئكَ الذين حاولوا مجاراة شاعر قديم وتقليد أسلوبه في التعبير الشعري وذلك لأن الأسلوب هو طريقة التفكير والتصوير والتعبير[288].

والمقصود بالأسلوب طريقة التعبير التي تخيرها الشاعر، لتصوير عواطفه وأحاسيسه، وانتقاء ما يناسبها من ألفاظ وعبارات كي تؤدي معانيه، وقد عرفه الجرجاني بأنه ” الضرب من النظم والطريقة فيه”[289].

أما ابن خلدون فيرى أن الأسلوب هو ” المنوال الذي ينسج فيه التراكيب أو القالب الذى يفرغ فيه”[290].

ولقد أتسم الشاعر الأيوبي عموماً بأختيار الفاظة البعيدة عن التعقيد، والمميزة بالجزالة والرقة ، كما تميزت بالبساطة والوضوح، وخلت من التعقد والتكلف، مما يُزيد من قوة تأثير الشعر فى الأذهان، ونلمح ذلك فى كثير من النصوص منها، ما قاله فتيان الشاغورى فى مدحه لخير الأنان ، وقد أستخدم الألتفات فى الضمائر، فيقول[291]:

أؤمّل من خير الأنام شفاعةبها النعيم بالجنان أخلد
فأنت رسول الله وهي شهادةأقر بها حتى المعاد وأشهد
وددت بأنى زرت قبرك راجلاوقبلت تربا أنت فيها موسّد
ومرغت خدي عند قبرك ضارعاًبأرض حصاها لؤلؤ وزبرجد

أما ابن عنين فلقد تميز باستخدامة الأساليب والتراكيب والألفاظ العامية وذلك فى الغالب للسخرية بمهجوه  وهو ها هنا القاضي الفاضل فيقول[292]: ( الكامل)

كَم ذا التَّبَظرُمُ زائِداً عَن حَدِّهِما كانَ قَبلكَ هَكَذا الحُدبانُ
فَحِرِ امّ مُلكٍ أَنتَ مالِكُ أَمرِهِمَن أَنتَ يا هذا وَما بيسانُ
أَظهَرتَ فَضلَ تُقىً وَفَضلَ تَعَفُّفٍوَاللَهُ يَعلَمُ أَنَّهُ بُهتانُ
ما طالَ في اللَيلِ البَهيمِ سُجودُهُإِلّا لِيَركَعَ فَوقَهُ السودانُ
فَإِذا سَمِعتَ سَمِعتَ أَمراً مُنكَراًوَإِذا رَأَيتَ رَأَيتَ لا إِنسانُ

كذلك قوله[293]:

هَذا اِبنُ هرونَ الَّذيفي عَصرِنا لا يُفلحُ
يَبيعُ مِسكاً أَذفَراًبَيعُ الحراءِ أَربَحُ

ومن الأساليب المميزة أيضاً، من جنوح شعر ابن الساعاتي للصيغ النثرية وأسلوب الحوار فى الشعر ، ولا يميز شعره من النثر سوى الوزن فيقول[294]: ( الطويل )

أسائلتي عن صالحٍ إنَّ صالحاًوإن نال حظَّا من علا وتقدُّمِ
لهُ إفكُ مدَّاحٍ وأبنة كاتبوكدية صوفيّ وعقل معلم
إذا ما أضاءت داره لوفودهِثناهم بوجهٍ كاسف اللون مظلم
فهم رتعٌ في جنَّةٍ من حريمهاومنهُ ومن أخلاقهِ في جهنَّ

ولأسامة ابن منقذ صورة شعرية لمنافق، تميزت هذة الصورة بالسهولة المتناهية فى ألفاظها ومعانيها وقربها من المتلقى، كما تميزت بالبعد عن التكلف والصنعة ، أذ يقول[295]: ( الكامل )

ومماذق رجع النداء جوابه فإذا عرا خطب فأبعد من دعي
 مثلُ الصَّدَى ، يَخفَى علي مكانُه أبداً ويملأ بالإجابة مسمعي

ومن السابق نرى أن الأساليب تتفاوت بين غرض شعري وآخر، كما تتباين لغتها، فالأسلوب الذي يناسب الرثاء، وما يتطلبه من ألفاظ شاجية ومعان مبْكية ، هو غير الأسلوب الذي يناسب المدح والفخر، وما يتطلبه من قوة وجزالة ، وكذلك الغزل الذي يتطلب الرقة واللطافة ، وينطبق الاختلاف على بقية أغراض الشعر الأخرى.

الأسلوب هو الطريقة الخاصة التي يصوغ فيها الكاتب أفكاره، ويبين بها ما يجول في نفسه من العواطف والانفعالات، اما اللفظ والمعنى فهما أهم ركيزتين يرتكز عليهما الشعر لتأثيرهما فى النفوس[296] وعلى الشاعر أن ينتقي أرقى الألفاظ وأفضلها حتى تساعده في أداء المعنى وإتمامه، فلا يصح أن يكون المعنى صائبًا، واللفظ فاترًا ركيكًا، ففي ذلك مدعاة إلى استهجانه ورفضه، وهذا يتطلب من الشاعر أن يتقن الربط بين أسلوبه وموضوعات شعره[297].

واشترط النقاد حسن الربط بين الأسلوب وغرض القصيدة، فلكل مضمون ألفاظه الخاصة به، فألفاظ المديح مثلا، لا يستعملها الشاعر فى الهجاء، وألفاظ المديح الجزلة لا تستعمل في غرض الغزل الذين يحتاج إلى ألفاظ رقيقة سهلة فيقول ابن أبي الإصبع: ” ومن ائتلاف اللفظ مع المعنى أن يكون اللفظ جزلا إذا كان المعنى فخمًا، ورقيقًا إذا كان المعنى رشيقاً”[298].

اللغة عنصر من عناصر الشعر المهمة فلابد للشاعر أن يسلك فيها مسلكاً خاصاً يستطيع بها أن يؤدي معاني بطريقة تختلف عنها فيما عدا الشعر من فنون القول ومعنى هذا أن عليه أن يختار فيتحرى الجميل المناسب والأنيق الحسن[299]

فنرى القاضي الفاضل يرسم لحزنه عمراً طويلاً كعمر نوح عليه السلام، ودمعه مثل الطوفان، ولا شئ يحميه من حزنه ولا من دمعه فيقول[300]:

حُزنٌ غَدَتْ أعمارهُهُ نوحيةٌوَالدَّمْعُ كالطوفانِ لا الغُدرانِ
وَأنا ابنُ نوحٍ قبرهُ الجبلُ الذيما كان عاصِمهُ من الطوفانِ

المبحث الثاني: اتجاهات النقاد في دراسة الظواهر الفنية .

المطلب الأول: بناء القصيدة

يرى الساريسي أن براعة الأستهلال فى الشعر فى العصر الأيوبي عامة تميز بجودة الأفتتاحيات للقصيدة وكذلك خواتيم الصائد ، وتميز الأفتتاحيات للقصائد بالإحساس العميق بموضوعاتها وعناصرها المختلفة كالمدح أو الهجاء أو … ألخ .

واستدل الساريسي على كلامة بمطلع رائية القدس فيرى انها خلاصة نفسية لما يريد الشاعر أن يوافي به أول من يلقاه من الناس بعد سماعه بهذا الفتح العظيم – فتح القدس – واستخدم الشاعر أسلوب المراوحة بين الأسلوب الخبر والإنشاء فى مطلع القصيدة ، فجعل الشطر الثاني متسبباً عن الأول فيما يدل على تدفق الشعور الصادق لدى الشاعر[301]

ويرى عمر موسى باشا أن القصيدة العربية هيكلاً شعرياً متكاملاً لا تتجزأ، وذلك على الرغم من تعدد الموضوعات والأغراض الشعرية، وإبعاد الأنقطاع الكائن بين أجزاء القصيدة يتم بحسن التخلص والخروج من بداية القصيدة لخاتمتها، وشعراء العصر الأيوبي بذلوا جهودهم للمحافظة على صون هيكل القصيدة العريبة التقليدي، ولكنهم وأمام التيارات الشعرية القادمة من المغرب الأندلسي والمشرق الفارسي قد وصلهم أنماط جديدة تتعارض مع الهيكل التقليدي للقصيدة، ولقد حاول شعراء هذا العصر أن يطبعوا هذة الأنماط الجدية بطابعهم ، ويستخدموها فى معالجة أغراضهم الخاصة ، وكان لا بد لهذة التطورات والأنماط الجديدة فى هيكل القصيدة العربية من أن تتبعها أنماط جديدة فى التعبير، وفى بنية الألفاظ والتراكيب، والتحرر من الأوزان والقافية[302].

المطلب الثاني: اللغة الشعرية والأساليب والمحسنات البديعية:

كثيراً ما نرى من ينعت الأدب فى العصور الأيوبية بأنه أدب قد تخلى عن الإبداع والتجديد، وغاص فى بهارج المحسنات اللفظية والصنعة البديعية، حتى أصبح يمكن أن يقال على أدب هذة الفترة بأدب الإنحطاط أو عصور الإنحطاط الأدبي

وذلك عكس ما يراه الساريسي في أدب هذا العصر، فالساريسى يرى  تميز وبساطة التراكيب اللغوية بشكل عام، وقربها الى البساطة فى الصياغة والمدلول ، وهى السمة العامة لأدب هذا العصر فالصياغة العامة لا تحتاج معانيها الى المعاجم إلا فى القليل النادر.

ولعل ذلك يرجع – من وجهة نظر الساريسي – الى نوعية الموضوعات الشعرية نفسها والتى تناولتها هذة الحقبة الزمنية فى الشعر والأدب[303].

اما احمد بدوى فيرى أن العصر الأيوبي بما يحيطة من نواحي سياسية واجتماعية وحروب فى معظم اوقاته هو الذي أثر فى تقييد كثير من الأنتاج الشعرى بالرغبة الملحة فى أن يكون للصنعة والزخرف مكان فى هذا الشعر ، إذ تجد فيه كثيراً من ألوان المحسنات البديعية[304].

أما دكتور الهرفي فيرى أن لغة الشعر هي مدى توفيق الشاعر فى أختيار ألفاظة للدلالة على المعنى الذى يريدة ، وذلك من ناحية المضمون والجرس الموسيقى وتناغم الشكل والمضمون فى العبارة الشعرية ، وعند تطبيق هذا المبدأ على لغة الشعر فى العصر الأيوبي وخصوصاً فى فترة الحروب الصليبية ، نجد أن الشعراء قد أبتعدوا عن العامية فى أشعارهم ، إلا أننا نجد بعض من الكلمات الأجنبية دخلت على الشعر بفعل أختلاطهم بالصليبين الذين عاشوا معهم وأختلطوا بهم ، ولكنه فى النهاية يرى أن شعراء هذا العصر قد وفقوا فى أختيار قصائدهم التى تدل على المعني الذى يريدون التعبير عنه ، فهناك أنسجام كامل بين اللفظ والمعنى ، وبين اللفظ والموسيقى وبين اللفظ والجرس الموسيقى ، فالكلمة ليست بنفسها كما يقول النقاد ولكن بغيرها ايضاً[305].

كما يري الهرفي ان معظم الأوزان الشعرية المعروفة قد أستخدمها شعراء العصر الأيوبي وخصوصاً شعراء الجهاد ، وذلك لأن شعر الجهاد قد اتسعت موضوعاتها لمعان كثيرة  كالمدح ، والهجاء ، والوصف ، والرثاء، …. الخ ، فلقد كتبوا الشعراء فى تلك الفترة فى البحور المختلفة كالطويل ، والبسيط ، والوافر، والمتقارب ، والمتدارك ، والكامل …. الخ ، لأنهم حشدوا عناصر الشكل جميعاً للتعبير عن مشاعرهم الفياضة فى إيراد المعاني الحماسية فى شعر الجهاد[306].

اما الدكتور محمد سلام زغلول فيرى أن الأهتمام بالمحسنات البديعية كان محل أهتمام الشعراء الأيوبيين وأعتبروه ضرورة شعرية لا يكون الشعر جميلاً إلا بها[307] ، وهو يرى أن الأساليب والألفاظ البديعية فى تلك الفترة ، والتى سماها البعض بالمذهب الفاضلي نسبة الى القاضي الفاضل ، زعيم الحركة الأدبية – على حد قوله – فى تلك الفترة ، فهو يرى ريادة القاضي الفاضل لمذهبة الفني وأتباع الكثير من أهل عصره له حيث قال ” وطرأ علي مصر رجل من فلسطين هو القاضي الفاضل، وتعلم هذه الطريقة من طرائق التعبير فى مصر، ثم أزداد مع الأيام تعلقاً بها، وتيسر له طبعاً بعد أن يكون زعيماً سياسياً وأدبيا للمصريين، وأن ينشر مذهبه الفني فأنتشر انتشاراً كبيراً وتحمس له الكثرة من أهل مصر”[308].

وهو ما يؤيدة شفيق الرقب فى أن شعراء هذا العصر استخدموا المحسنات البديعية ، وكأنها ميدان يتنافسون فيه لإظهار مهاراتهم فى التصرف بالكلمة المفردة ، رسماً ، وصوتاً ، ومعنى لاستدعاء صورة الزخرفة اللفظية[309].

يرى الساريسي أن الشعراء الأيوبيين أستخدموا المقارنة كلوناً من ألوان تثبيت الحقائق وتجليتها أمام العيون ، وخصوصاً فى فترة الحروب الصليبية ومقارنة الشعراء ما بين النصرانية التي دفعت الصليبين للعدوان وبين الاسلام الذى وقف فى وجوه المعتدين[310]

أما الدكتور عمر موسى فلقد رأى أن الشعر فى ذلك العصر قد شهد تطوراً خرج به من الأساليب التقليدية، وذلك لأن الشعر فى هذة الفترة لم يكن حكراً على الطبقة المثقفة وحسب بل سعى الى العوام من الناس ، ولقد تنازع الشعراء مذاهب فنية متباينة فى الصناعة الشعرية سادت فى ذلك العصر، كان أهمها البديع والذى طغى على كل المذاهب والأساليب الفنية فأصبح يُعرف هذا العصر بعصر البديع[311].

كما يرى عمر باشا أن العرب قد أهتموا بقدسية الحرف ورمزيته، وجمال الكلمة ، وبلاغة التركيب، والبليغ الموجز منه، ولكن جاء فى ذلك العصر، جحافل من الغرب والشرق ومن غير العرب، مما أدى الى تطورات جديدة فى اللغة وأساليبها ، فلقد شهد هذا العصر وفراً فى الألفاظ التى تسربت الي الشعر، ومما ساعد على ذلك الوفر اللغوي والألفاظ الغريبة المعربة، الأحداث التي شهدها ذلك العصر من حروب ضد الصليبين، وفي الأساليب نرى أنحداراً نحو السهولة المتناهية وعدم التحرج من أستخدام التعابير العامية فى كثير من الأغراض المعروفة[312].   

المطلب الثالث:الصورة الشعرية

إن الصورة الشعرية هي جزء لا يتجزأ من العمل الأدبي، وهو جزء أصيل لا ينفصل عن سياق القصيدة العام، فالقصيدة فى الأصل هي صورة شعرية باحاسيسها وتجاربها، وتآلف ألفاظها ومعانيها، ولقد أهتم شعراء العصر الأيوبي بالصورة الشعرية أهتماماً بالغاً وأعتمدوا بشكل كبير على على الصورة الشعرية فى نقل أفكارهم ومشاعرهم، سواء ذلك بالأساليب البيانية المعروفة، أم الوصف الذي يعتمد على ظلال الكلمات وإيحاءاتها[313].

ويرى الساريسي أن الشعر الأيوبي فى مرحلة الجهاد والتحرير ضد الصليبين قد قام بدوره على خير قيام، فلقد كان الشعر يعمل كأداة للتسجيل التاريخي الأمين، وتسجيل الأنتصارات العظيمة للمسلمين على يد قائدهم صلاح الدين، فى صور فنية أحتوت على عناصر الفن الشعري الأصيل، وأقل ما يوصف به معاني وصور الشعر فى تلك الفترة أن توصف بالحيوية فى خدمة القضايا المصيرية بوقتها.

كما يرى أن شعراء العصر الأيوبي قد اتقنوا وصف المعارك وما يتصل بها من أدوات وأسلحة تجعلك كأنك تشاهد المعركة، فالصور الشعرية وضحت مدى البأس فى المعارك مع الصليبين ، فالرمح ينظم قتلى الأعداء بعضهم مع بعض ، اما السيف فينثر جموعهم ويفرقهم ، والسيف لا يُغنى إلا جلادة وما اعظم تصويره وهو يضرب كل هام بضربة قاسمة يتحطم بها صلبان الأعداء، والخيول وما تُثيرة من غبار فى ارض المعارك حتي لا ترى نور الشمس على الأرض[314].

وأتفق الهرفي مع ما يراه الساريسي فى أن شعر الجهاد فى هذة الفترة كان صادراً عن عاطفة جياشة ، أغنت الشعراء عن الصنعة والتكلف الممقوت، كما ان الإستخدام الجيد للبديع جعلة نسيجاً متكاملاً مع المضمون بحيث يُسهم الجناس والطباق وغيرهما من الألوان البديعية فى تجلية المعنى وتاكيدة، أما الأخنلاف بين الرأيين، فكان فى رؤية الهرفي للصور الفنية فى شعر الجهاد للشعراء الأيوبيين، والذى ارتآى أنها صور فنية قديمة مأخوذة عن سابقيهم، مع أضافة معاني جديدة لها رغبة فى التجديد[315].

الفصل الثالث

نماذج

 من تلقي

 النصوص الشعرية

اختلف الباحثون والنقاد في تحديد تسمية هذه المرحلة وتباينت آراؤهم حول هذه الحقبة الزمنية، وذلك ناجم على ما يبدو من ظن اغلبهم بانها حقبة قليلة العطاء ونصيبها من الأدب يسير بسبب كثرة الاجتياحات المتعاقبة عليها، وما اعتراها من تسيب وفوضى سياسية، واقتصادية وأدارية واجتماعية، الأمر الذي دعا قسم من الباحثين إلى ان يصف أدب هذا العصر بالتقليد والجمود والانحدار، وعدم القدرة على التعبير تارة،  لكن قسماً آخر من النقاد والدارسين اشادوا بعطاء هذه المرحلة العلمي والادبي وما فيها من عبقرية او اصالة وابداع تارةً اخرى، ومنهم من وقف عند النتاج الأدبي لهذا العصر بالرأي الموضوعي والنظرة المنصفة، علما ان لكل ناقد ادلته التي يسوقها لتعزيز رأيه، واقتناعه الذي ادت اليه دراسته ومنطلقاته النقدية.

المبحث الأول: تلقى النقاد والدارسين لشعر البهاء زهير.

المطلب الأول: تلقى “وئام محمد” لشعر البهاء زهير.

يرى وئام أن البهاء زهير يُعد من أبرز الشعراء فى العصر الأيوبي ، ويتميز عن أقرانه من الشعراء فى تلك الفترة بأنه كان على رأس مدرسة الطبع وليس الصنعة، والتى تتخذ من النماذج العليا فى الشعر وموروثاته مثلها الأعلى، كما تتميز بالتوليد الذهني والتفنن فى الشعر وأيجاد الجديد[316].

ولقد قام “وئام محمد ” بتناول شعر البهاء زهير من كيفية تشكيل الأنا فى شعره ولقد تم تناول منظور الأنا من ثلاث نقاط كفاءة الذات ، والأنا النموذجية، وأطراد ضمير الأنا[317].

ولقد تناول كفاءة الذات من منظور الذات العاشقة بلفت أنظار العاشقين اليها لأنها ليست بعاشقة عادية بل هي ذات مخترعة لمذهب جديد فى العشق ولها مريدونها الذين يدرسون مذهب العشق على يديها فيقول[318] :

أنا في الحبّ صاحبُ المعجزاتِ جئتُ للعاشقينَ بالآياتِ
كانَ أهْلُ الغرامِ قَبليَ أُمِّيِّـ ـينَ حتى تلقنوا كلماتي
فأنا اليَوْمَ صاحبُ الوَقتِ حقّاً والمحبونَ شيعتي ودعاتي
ضربتْ فيهمُ طبولي وسارتْ خافِقاتٍ عَلَيهِمُ رَاياتي
خَلَبَ السّامِعينَ سِحرُ كلامي وَسرَتْ في عُقُولِهمْ نَفَثاتي
أينَ أهلُ الغرامِ أتلو عليهمْ باقياتٍ منَ الهوى صالحاتِ
خُتِمَ الحُبُّ من حَديثي بمِسكٍ ربّ خيرٍ يجيءُ في الخاتماتِ
فعلى العاشقينَ مني سلامٌ جاءَ مثلَ السلامِ في الصلواتِ
مَذهبي في الغرامِ مَذهبُ حَقٍّ وَلقَد قُمتُ فيهِ بالبَيّنَاتِ
فلَكَم فيّ مِن مَكارِمِ أخلا قٍ وكمْ فيّ من حميدِ صفاتِ

ونلاحظ من الأبيات السابقة ما يعكس إحساس الأنا بتفردها غير المسبوق ، وبساطتها المطلقة فى مجال العشق والغرام ، ونلاحظ أن الذات العاشقة تقدم المبررات ، كى يقتنع الأتباع والمريدون أقتناعاً لا رجعة عنه ولا ردة فيقول فى قصيدته “رفعت رايتي على العشاق”[319]:

أَنا في الحُبِّ أَلطَفُ الناسِ مَعنىًدَمِثُ الخُلقِ ذو حَواشٍ رِقاقِ
أَعشَقُ الحُسنَ وَالمَلاحَةَ وَالظُرفَ وَأَهوى مَحاسِنَ الأَخلاقِ
لَم أَخُن في الوَدادِ قَطُّ حَبيباًفَيُنادى عَلَيَّ في الأَسواقِ
شيمَتي شيمَتي وَخُلُقي خُلُقيوَلَوَ اِنّي أَموتُ مِمّا أُلاقي
لَطُفَت في وَصفِ الهَوى كَلِماتيأَينَ أَهلُ القُلوبِ وَالأَشواقِ
وَإِذا ما اِدَّعَيتُ في الحُبِّ دَعوىًشَهِدَ العاشِقونَ بِاِستِحقاقي
شَنَّفَ السامِعينَ دُرُّ كَلاميوَتَحَلَّت أَجيادُهُم أَطواقي

فالذات لدى البهاء زهير فى رأى وئام تستمد سلطتها من وفائها للأخر ، وتخول لنفسها أن تمارس الحب بحرية تامة دون خشية أو رقيب[320].

كما تناول “وئام” كفاءة الذات من منظور الذات الفردية فى شعر البهاء زهير وهى ذات منفردة تحاول كشف مفرداتها، وتحاول كشف العلاقة الجدلية التى تربطها بالزمان والمكان، ونرى الذات الفردية يؤرقها طول الزمن فتبدو منحسرة تقاسي الآلام والأحزان .

وَلَيلَةٍ ما مِثلُها قَطّ عُهِدمِثلَ حَشى العاشِقِ باتَت تَتَّقِد
طَلَبتُ فيها مُؤنِساً فَلَم أَجِدبِتُّ أُقاسيها وَحيداً مُنفَرِد
طالَت فَأَمّا صُبحُها فَقَد فُقِدفَتَحبَلُ المَرأَةُ فيها وَتَلِد

فالصورة فى الأبيات متناغمة مع المعاناة التى تلاقيها الذات، فأكثر تجربة تؤرق الإنسان هى تجربة العشق[321] .

وتناول “وئام” كفاءة الذات من منظور الذات الجماعية ، فهي الذات المتبصرة بجميع ما يدور بحولها، والتى تأبى أن تكون شاذة وسط محيطها ، فهي تتكيف على المحيط التى حولها أينما كانت وحيثما حلت فهي حريصة على التماسك الأجتماعي ، وحريصة على التواصل بينها وبين الأخر

أحبابنـا حاشاكـم مـن عيــادةٍفذلك وهن في القلـوب مضيـضُ
وما عاقني عنكم سوى السبت عائقُففي السبت قالوا ما يُعاد مريـضُ
فلا تنكروا منـي أمـورًا تغيـرتْفقد خضتُ فيما الناس فيه تخوضُ
وعاشرتُ أقوامًا تعوضتُ عنهمأوطئ أخلاقـي لهــم وأروضُ

وتناول “وئام” كفاءة الذات من منظور الأنا ، والمقصود بها ارتداد الذات إلى الماضي -الذاكرة والتاريخ –  لتستمد من عناصر التجربة ما يعينها على التشكل عبر النص الشعري في الحاضر . فالأنا الشاعرية وإن كانت تصر على التوحد مع عصرها وواقعها اليومي ، إلا أنها تسافر عبر الزمان ؛ لتتلبس بالماضي وتستحضره كعنصر قيميٍّ من عناصر الموروث الثقافي والشعري .

والذات فى ضمير الأنا النموذجية ليست مقصورة على غرض بعينه ، بل تتوزع بين أغراض عدة ، فمثلا نجدها شاخصة من خلال الغزل التقليدي، ويتناوله الشاعر إما كمقدمة لغرض المدح ، أو في قصائد مستقلة[322] :

أهوى ادقيق من المحاسن والرقيق من النسيب
ويشوقني زمن الحبيــب وقد مضى زمن الكثيب

“وأحسب أن اطراد ” الأنا ” في ديوان البهاء ، ورحلتها في البحث عن تجربة خاصة بها تُنسب إليها وحدها، ومحاولتها العثور على مكنوناتها، وإصرارها على تشكيل ذاتها من جديد ، بعيدًا عن المساس بتجارب الأجداد ؛ ليعدُّ تمهيدًا لبزوغ ” الأنا ” العربية المتفردة في سماتها في عهد الحداثة” [323].

المطلب الثانى: تلقى د/ عبد الفتاح شلبي لشعر البهاء زهير.

يرى د/ عبد الفتاح أن البهاء زهير قد أكتسب طريقة شعرة وأسلوبة فى اللغة من انتقالاته وما سمع بها من لغة الحديث العادية الجارية وخصوصاً فى الصعيد المصرى ، فلقد سمع البهاء زهير لغة فى صعيد مصر لا هي بالعربية السليمة ولا هى بالغريبة عن العربية ، بل تمت لها بصلة كبيرة ، مما أثار انتباهة لما فيها من الغرابة ، وكانت نتيجة المخالطة مع الشعب المصرى بطبقاته المختلفة ، دهماءة ، وخاصتة ، كان نتيجة ذلك شعر البهاء زهير والذى جاء عربياً يفهمة أهل عصره من عامة الناس والخاصة على السواء ، فكانت لغة شعرة بسيطة تعبر عن الحياة العادية فى روحها ، وبساطتها ، ومرونتها ، عربية فى جريها على قواعد النحو والإعراب ، مع عذوبة ورقة النسيم وخيال هادئ ، ولفظ عذب ، ومعنى مألوف[324].

كما يرى د/ عبد الفتاح أن شعر البهاء تميز بالبديع من جناس ، وطباق ، وأقتباس ، وتضمين ، والى غير ذلك من فنون البديع والمحسنات ويستدل على ذلك بقولة:

وما ضاع شعرى فيكم حين قلتهبلى وأبيكم ضاع فهو يضوع
أحب البديع الحسن معنى وصورةوشعرى فى ذاك البديع بديع

وقوله:

وأن بدأ النعمى تلاها يمثلهافتزداد حسناً كالقريض مُجنساً

وقوله:

فلانة من تيههاتغص بها مقلتى
وقد زعمت أنهاوليست بتلك التى
فلا وجه إن أقبلتولا ردف إن ولت

وتمكن بأقتدار من الجمع بين التورية والطباق فى قوله:

فتنت به حلواً مليحاً ً وإنهلآعجب شئ كيف يحلو ويملح

ويقول ملغزاً فى اسم مدينة ياقا:

يعيشك خبرنى عن اسم مدينةيكون رباعياً إذا ما كتبته
على أنه حرفان حين تقولهومعناه حرفٌ واحدٌ إن قلبته

ويرى الدكتور عبد الفتاح أن قصائد البهاء هي قصائد متلاحمة النسيج ، مترابطة الأجزاء يتصل لاحقها بسابقها ، فى أتصال من دون استطراد يُشعر القارئ بالأنفصال ، ومن أجل ذلك جاءت قصائدة متصلة الأجزاء ومن الأمثلة على ذلك قولة:

خذه قصتى وهذا حديثىولك الأمر فاقض ما أنت قاضي
إليك صلاح الدين أنهيت قصتىورأيك يا مولاى أعلى وأشرف

المطلب الثالث: تلقى مصطفى عبد الرازق لشعر البهاء زهير.

يرى مصطفى عبد الرازق البهاء زهير عظيماً فى خلقة عظيماً بمقامة فى الأدب، فلقد عاش البهاءُ زهير فى فترة كان الأدبُ العربيُّ فيها قد جاوز المدى في والعناية بالمحسِّناتِ البديعيةِ والسجعِ والإغرابِ اللفظيِّ ، فيكفى وجود القاضي الفاضل محيي الدين فى ذلك العصر وما أشتهر به من أسلوب متميز فى الكتابة والشعر حتى لُقبَ بشيخ البلاغة ، والعماد الكاتب وما لُقبَ به من عمدة المنشئين لتميزة فى الكتابة وتمكنة من فنون الشعر من جناس، استعارات ، وكنايات ، وسجع ، وأقتباس .

ولقد أبتدع البهاء زهير نمطاً جديداً فى الشعر خرج به عن التقاليد المرسومة فى الأساليب ، فهو موجز لا يحب الأطناب ، وهو مقتصد فى زينة اللفظ يحب الوضوح والبساطة ، وهو عدو للجمود فى الشعر فهو يقتل المواهب ويلغى الأبداع ، والبهاء زهير من وجهة نظر “مصطفى عبد الرازق” هو شاعر نظم الشعر على مقتضى القواعد العربية ، حتى لا تنقطع الصلة بين ماضيهم وحاضرهم ، دون أن يمس على سهولة التفاهم أو حركة اللغة فى الشعر، وهو ما  أعتبرة ” مصطفى عبد الرازق” أسلوباً جديداً فى الشعر لم يلق أى استجابة فى ذلك الوقت[325].

يرى ” مصطفى عبد الرازق ” أن شعر بهاء زهير حينما تقرأة تشعر بما لدى الشاعر من عذوبة الأسلوب وحسن الذوق والبعد عن الشر والأذى ، وهذا ما نراه فى شعرة دائماً فقلما ما نجده يهجو بغير الوصف فيقول:

وثقيلٍ كأنماملكُ الموتِ قربهُ
لَيسَ في النّاسِ كلّهممَنْ تَرَاهُ يُحبّهُ
لو ذكرتَ اسمهُ على الـمَاءِ ما سَاغَ شُرْبُهُ

ويقول:

وَجَليسٍ لَيسَ فيهِقطّ مثلَ الناسِ حسُّ
لي منهُ أينما كنتُ على رغميَ حبسُ
ما لَهُ نَفسٌ فتَنْهَاهُ وَهَلْ للصّخرِ نَفسُ
إنّ يَوْماً فيهِ ألْقاهُ ليومٌ هوَ نحسُ

ويقول[326]:

يا ثَقيلاً ليَ مِن رُؤيَتِهِ هَمٌّ طَوِيلُ
وبغيضاً هوَ في الحلقِ شَجاً لَيسَ يَزُولُ
كلُّ فضلٍ في الورى أضعافهُ فيكَ فضولُ
كيفَ لي منكَ خَلاصٌأينَ لي منكَ سبيلُ
حارَ أمري فيكَ حتىلَستُ أدري ما أقُولُ
أنتَ وَالله ثَقِيلٌأنتَ وَالله ثَقيلُ

ويرى ” مصطفى عبد الرازق” أن عبقرية البهاء زهير تتجلى من ناحية الأسلوب ، والأوزان ، والموضوعات التى يتناولها ، فالأسلوب الذى يستخدمة الناس فى معاملاتهم ومعايشتهم فى عصر البهاء زهير هو فى النهاية لغة ملحونة تساير الحياة فى حركتها وأنتقالها ، فتصل بسهولة إلى أفهام العامة والخاصة على السواء ، أما لغة الشعر فكانت لغة مستقيمة الأعراب ، متصلة بأساليب الشعر والنثر القديمين ، فجاء البهاء زهير بمذهب جديد فجعل لغة الحياة ببساطتها هي مذهبة فى الشعر بعد تطبيقها قواعد الأعراب ، وتقويم ما فيها من اللحن جهد المستطاع ، فأصبح شعر البهاء زهير مرآة لعصرة من حيث اللغة والتعبير والبعد عن التكلف ، ويمتلئ شعرة بالروح المصرية الصعيدية فيقول:

أحِنّ إلَيكُمْ كلّ يوم ولَيلةوَأهذي بكُمْ في يقظتي ومَنامي
فلا تنكروا طيبَ النسيمِ إذا سرىإليكمْ فذاكَ الطيبُ فيهِ سلامي
فهَلْ عائِدٌ منكُمْ رَسولي بفَرْحةٍكَفَرْحةِ حُبلَى بُشّرَتْ بغُلامِ
ويَرْتاحُ قَلبي للصّعيدِ وأهْلِهِوعيشٍ مضى لي عندهم ومقامي
وأهوى ورودَ النيلِ من أجل أنهُيَمُرّ عَلى قَوْمٍ عَلَيّ كِرامِ

ويقول[327]:

لعَلّكُمُ قَدْ صَدّكمْ عن زِيارَتيمَخَافَةُ أمْوَاهٍ لدَمعي وَأنْوَاء
فلَوْ صَدَقَ الحبُّ الذي تَدّعُونَهُوَأخْلَصْتمُ فيهِ مَشيتمْ على الماء
وَإنْ تَكُ أنْفاسي خشَيتمْ لهيبَهَاوهالتكمُ نيرانُ وجدٍ بأحشائي
فكونوا رفاعيينَ في الحبّ مرةًوخُوضُوا لَظَى نارٍ لشَوْقيَ حَرَّاء
حُرِمتُ رِضَاكم إن رَضِيتُ بغيرِكمأو اعتضتُ عنكم في الجنان بحوراء

المبحث الثاني: تلقى النقاد والدارسين لشعر ابن سناء الملك.

لم يحظ ابن سناء الملك بدارسات كافية، فلقد أكتفت معظم الدراسات التى تناولت شعر ابن سناء الملك أن تشير اليه بشكل مختصر، فتارة تستهجنة وتارة أخرة تستحسنة والملاحظ أنه سواء فى الأستهجان أو الأستحسان لم تُذكر الأسباب لذلك، ومن هذة الدراسات الحياة الأدبية فى عصر الحروب اصليبية لأحمد بدوى ، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجرى لإحسان عباس، وعصر الدول والإمارات مصر والشام لشوقي ضيف ، ولقد كانت هذة الدراسات تتميز بالعمومية والإيجاز فلم يتعرضوا لشعر ابن سناء الملك إلا دراستين فقط ، الأولى ومعنونة ” ابن سناء الملك حياته وشعره لأحمد إبراهيم نصر ، وأختصرت الدراسة التعريف بابن سناء الملك مولدة ووفاتة ونسبة وعصرة وعلاقاته مع الوزراء والسلاطين ومنها عرج الباحث على موضوعات شعره ، والثانية دراسة معنونه ” ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار فى الشعر ” للأهواني وهي دراسة مقارنة بين شعر ابن سناء الملك وموشحاته ، وفيها رآى الباحث ان الأصول الفنية والمعنوية التى رجع اليها الشاعر حين كان ينظم قصائدة هي التى رجع اليها الشاعر فى نظم موشحاته من محسنات بديعية وجناس لفظي ومقابلة وغيرها[328].

المطلب الأول: تلقى محمد ابراهيم نصر لشعر ابن سناء الملك.

يرى “محمد ابراهيم نصر” أن ابن سناء الملك واحداً من الشعراء المعدودية الذين تغنوا ببطولة وفتوحات الناصر صلاح الدين ، كما يرى أن شعره من احد أهم الأسباب اتى بعثت فى قلوب ونفوس المسلمين الحمية والشجاعة ، وهو ما كان له الأثر الأكبر فى نفوس وقلوب البيت الأيوبى ومقرباً من الناصر صلاح الدين.

كما يرى أن المدح فى شعر ابن سناء الملك له النصيب الأوفر فديوانه اشتمل على ما يقرب من ثمانية الأف بيت ، خص المدح فيه ما يزيد عن خمسة الأف بيت وهو ما يزيد عن النصف فى غرض واحد من راض الشعر وهو المدح، كما كان للغزل النصيب الأكبر بعد المدح حتى أن ديوانه ضم الف بيت فى الغزل والمجون ، تلى ذلك من اغراض الشعر الهجاء، والوصف ، والزهد ، والاعتذار .

ولقد تأثر ابن سناء الملك بالحروب الصليبية بأسلوب واضح أنعكس على شعرة ، فطبع شعرة بطابع الحماسة والبطولة.

ويرى “محمد ابراهيم نصر” أن الغزل فى شعر ابن سنا الملك أنقسم الى ثلاثة أقسام القسم الأول وهو التقليدى ، وهو ما نهج فيه نهج الأقدمين ، وهو ما يتجلى فى مطالع مدائحة والتى كانت مظهراً عاماً للشعراء فى ذلك الوقت ، كالوصال ، والهجر ، فيقول فى قصيدته ” يا ليلة الوصل بل يا ليلة العمر”[329]:

يا ليلةَ الوصلِ بَلْ يا ليلَةَ الْعُمُرأَحْسنتِ إِلاَّ إِلى المشتاق في القِصَرِ
يا ليتَ زَيد بحكم الوصلِ فيكِ لهما أَطولَ الهجْرَ من أَيَّامِه الأُخَرِ
أَو ليتَ نَجْمكِ لم تقفل ركائبهُأَو ليتَ صُبحكِ لم يَقدُم من السَّفَرِ
أَو ليتَ لم يَصْفُ فيك الشَّرْقُ من غَبشٍفذلك الصَّفْوُ عندي غَايَةُ الكَدَرِ
أَو ليتَ كلاًّ من الشَّرقين ما ابْتَسماأَو ليتَ كُلاًّ من النَّسرَين لم يَطِر
أَو ليتَ أَنْتَ كما قد قال بعضُهمُليلُ الضريرِ فَصُبحي غيرُ مُنْتَظَر

أما القسم الثانى من الغزل فى شعر ابن سناء الملك هو الغزل العفيف الرقيق ، الغزل الذى يتجاوب مع المشاعر والعواطف وهو ما يتمثل فى قولة [330]:

أواصلُ اللَّثْمَ من فَرْعٍ إلى قدمٍوأُوصلُ الضمَّ من صَدْرٍ إلى كَفَل
وجَيَّبَ الشوقُ ثوباً من معانقةٍمنَّا علينا فلم يَقْصُرْ ولم يطل
وبات يُسْمعني من لفظِ منطقهأَرقَّ من كلمي فيه ومن غَزَلي
وددتُ أعضايَ أسماعاً لتسمعَهُولو تحمَّلْتُ فيه وطْأَةَ العَذَل
ودمعةُ الدَّلِّ يُجريها على جسديفهل رأيت سقوط الطلِّ في الطّلَل
ونلتُ ما نلتُ مما لا أَهُمُّ بهولا ترقَّتْ إليه هِمَّةُ الأمل
ومرَّ والليلُ قد غارتْ كواكبهلما نوى الصبحُ تطفيلاً على الطّفَلِ
لم أَسْحَبِ الذيلَ كي أَمحو مواطِئَهُلكنني قمتُ أمحو الخَطْوَ بالقُبَلِ

أما النوع الثالث من الغزل فهو غزل الفحش ، والذى أنتشر فى ذلك العصر نتيجة الى كثرة سبى الحروب الصليبية ، ووجود الغلمان من الترك والأكراد ، وأنتشار البطالة والفراغ لدى بعض الناس ، وكان ابن سناء الملك واحداً من شعراء عصرة ، تغزل بالمذكر ، وتغزل برومي أعجمى ، وتغزل بعمياء ، وفى رأى “محمد ابراهيم نصر”  هو فى ذلك كله يثبت لشعراء عصرة أنه يستطيع أن يجاريهم ولا يعز عليه غرض من الأغراض فيقول[331]:

إِنَّ الكمال أَصابَ في مَحْبُوبَتيلما أَصابَ بِعيْنِه عَيْنيْها
زادَتْ حلاوتُها فصِرت تَخالُهاوَسْنى وقد أَسَرَ الكرَى جَفْنيْها
وكذا علمتُ وللدَّبيب حَلاوةٌفكأَنَّني أَبداً أَدبُّ عليها
ولئن عَدِمْت السكرَ من أَلحاظِهافلقد وَجدْتُ السكرَ في شَفَتيها

      ويحتوى ديوان ابن سناء الملك ثلاثة وعشرون قصيدة فى ديوانة فى غرض الرثاء كلها كانت لأهلة وأصدقائة وجاريتة التى أحبها ، كما أن بعض القصائد كانت مجاملة أو فى عزاء ومن أفضل قصائدة فى الرثاء ما رثى بها والدته فقال فى قصيدة ” صح من دهرنا وفاة الحياء”[332]:

صحَّ من دهرِنا وفاةُ الحَياءِفليَطُلْ منكما بُكَاءُ الوَفاءِ
ولْيَبن ما عقدتُماه من الصبرِ بأَن تَحْلُلا وِكَاءَ البُكَاءِ
وأَهِيَنا الدُّمُوعَ سَكْباً وعَطْلاًوهَبا أَنهن مِثْلُ الهَباءِ
وامْنحا النَّوْمَ كلَّ صبٍّ يناديمن يُعيرُ الكَرَى ولَوْ بالكِرَاءِ
ليست العينُ منكما لي بِعَيْنٍأَو تعاني حَمْلاً لبَعْضِ عنَائي
قد رماني الزَّمانُ منه بخطبٍأُفْحِمَتْ عنه أَلْسُنُ الخُطَباءِ
ودهاني بما أُعزَّى فيهعن ثباتِي له وحُسْنِ عَزائي

ويرى ” محمد ابراهيم نصر” أن الرثاء لدى ابن سناء الملك يخالفة التوفيق أحياناً فى التعبير على الرغم من أن واقعة انفسى يتوافق مع أحزانة ، كما أن رثاءة على اصدقائة تجد فيه جواً من الأسف والحزن الفكرى الهادئ الرزين، وينبع منه جو من المواساة والسلوان ، ويختلف المعحم اللغوى لدى ابن سناء الملك على حسب المرثى له ففى الأهل نجد العبارات الباكية الحزينة وفى الأصدقاء نجد العبارات الهادئة الرزينة الصادرة من العقل ، وفى رثاء جاريتة نجد العبارات الملتاعة والتى يملؤها الحزن ، وفى العزاء نجد عباراتالصبر والسلوان ، وهو هنا يحدد العبارات على حسب نوع المجاملة ، وهو ما يدل على ثقافة وقراءة جمة[333].

كما يرى محمد ابراهيم نصر أن الهجاء فى شعر ابن سناء الملك لم يكن له نصيب وافر نظراً لمكانتة الأجتماعية ، على الرغم من أنه يعتبرة من الشعراء الهجائيين وفى مقدورة ما يجعلة كذلك ، فلا تنقصة سلاطة اللسان ، ولا تعوزة القدرة على السخرية والأستهزاء ، كما أن له القدرة على النقد الأجتماعى اللاذع فيقول[334].

فكان يقود على نفسهفصار يقود على زوجته
وكيف يغار على عرسهفتى لا يغار على مهجته
ولا بأس بالتيس أن يستعيـر قروناً على رأس من نعجته
فأشبعنا الله من هجوهوجوعنا الله من عجته

والوصف لدى ابن سناء الملك لم يتجاوز فى ديوانه مائة بيت الا قليلا ، ومع ذلك فقد وصف الأغراض التقليدية فى الوصف كالبساتين ، والقصور ، والجوارى ….. الخ ، ومن مقاطعة الشعرية فى الوصف ما وصف به بستانه فقال[335]:

جَلَسْتُ بِبُسْتان الجليسِ ودَارهِفَهَيَّج لي مِمَّا تناسَيْتُه ذِكْرَا
وَسُقِّيتُ كَأْسَ النَّجْمِ سَاعَةَ ذِكْرِهفَلَمْ يَسْتَطعْ في ليْلِ هَمِّيَ مِنْ مَسْرى
فيا ساقِي الكأَسِ التي قَدْ شَرِبتهارويدَك إِنَّ القلب في أُمَّةٍ أُخْرَى
ويا أُفْقُ لو كانَ الحبيبُ مُضَاجِعِيلما سأَلَتْكَ النفسُ أَنْ تُطْلِع البَدْرَا
ولو وُصِلَتْ سُودُ الليالي بِشَعرهلما خَشِيتْ مِنْ غَير غرَّته فَجْرا
تذكَّرتُ وَرْداً للحَبِيبِ محجَّباًيَمُدُّ عليه ظلُّ أَهْدَابِه سِتْرا
فصرت أُجَارِي القَلْب مِن أَجْلِ ذِكْرِهفيقتلني ذِكْراً وأَقتله صَبْرا
أَقبِّل ذاك الطَّلَّ أَحْسَبُه اللَمىوأَلثُم ذَاكَ الزَّهر أَحْسَبُه الثغرا
وكم لاَئِمٍ لي في الَّذي قَدْ فَعَلْتُهوكم قائلٍ دَعْه لعلَّ لَهُ عُذْرا

أما الفخر لدى ابن سناء الملك فيرى محمد ابراهيم نصر أن الفخر لدى ابن سناء الملك يتسم بالمبالغة الشديدة والغلو الزائد وذلك على الرغم من أن قصائد الفخر لدى ابن سناء الملك لا تتجاوز قصيدتين فقط فيقول فى أحداهما يعاتب الدهر فيها :

أَيَدْفَعُني الدَهْرَ عَنْ مَطْلَبيويُكْثِرُ من لُؤْمِه المَطْلَ بي
ويَقْصِدُ صدِّي إِذا ما صَدَايَأَرَادَ الوُرُودَ عَلَى مَشْرَبي
وإِنْ رُمْتُ أَسْهَلَ شَيْءٍ عليهِتَرَاهُ يصلِّي عَلى أَشْعَبِ
وأَسأَلُه نَقْلَ أَخْلاَقِهفَيُنْشِدُ بَيْتَ أَبي الطيب
ولم يدرِ أَنِّي كثيرُ الإِباءِوأَنَّ الرَّشِيدَ المرَجَّى أَبي
وأَنِّي بِه قَد فَخرْتُ الأَنامَبفضلِ النِّصابِ مَعَ المَنْصِبِ
وأَنِّي لو شئتُ من سَعْدِهلأَنْعَلْتُ رِجْليَّ بالكَوكَب
ولو شئتُ كَان لَديَّ الهِلالُبِنَهْرِ المجرَّةِ كالمركب
ولكنَّ لي أَرَباً لو أَرادَلصيَّرهُ غَيرَ مُسْتَصْعَب

وفى قصيدتة الثانية يفتخر بأنه لا يرهب الدهر ولا يخاف الموت بل أن الدهر لو حاول ان يمد له يدا باعتداء لرد أعتداءة بأعتداء مثلة فيقول[336]:

سِوَايَ يَخَافُ الدَّهْرَ أَو يَرْهَبُ الرَّدىوغيرِي يَهْوَى أَنْ يَكونَ مخلَّدَا
ولكنَّني لا أَرْهَبُ الدهرَ إِنْ سَطَاولا أَحْذَرُ الموتَ الزُؤَامَ إِذَا عَدا
ولو مدَّ نحوي حادِثُ الدهرِ طَرْفهُلحدَّثت نَفْسِي أَنْ أَمُدَّ لَهُ يَدا
توقُّد عَزْمِي يتركُ الماءَ جَمْرَةًوحِلْيَةُ حِلْمي تَتْرُكُ السَيْفَ مبْرَدَا
وفرْطُ احْتقَارِي للأَنامِ لأَنَّنيأَرَى كل عارٍ من خلا سُؤْدُدِي سُدَى
وَيأْبَى إِبائِي أَن يَرَانيَ قاعداًوَأَلاَّ أَرَى كُلَّ البريَّةِ مُقْعَدَا
وأَظمأُ إِن أَبْدَى لي الماءُ مِنَّةًولو كانَ لي نَهْرُ المجرَّة مَوْرِداً
ولو كان إِدراكُ الهُدى بتذلُّلٍرأَيتُ الهُدَى أَلاَّ أَمِيلَ إِلى الهُدىَ
وقِدْماً بغيري أَصْبَح الدَّهرُ أَشْيَباًوبي بل بِفَضْلي أَصْبَح الدَّهرُ أَمْرَدَا
وإِنَّك عبدي يا زَمَانُ وإِنَّنيعلى الكُرْهِ منِّي أَنْ أُرَى لَكَ سَيِّدَا
ولِمْ أَنا راض أَن أُرَى وَاطِئَ الثَّرىولي هِمَّةٌ لا ترتضي الأُفْقَ مَقْعَدا

المطلب الثانى: تلقى د/ أحمد احمد بدوى لشعر ابن سناء الملك.

يرى الدكتور أحمد بدوى أن مقدرة ابن سناء الملك فى الشعر والنثر قد بدت منذ وقت مبكر ، وقد سار الشاعر على وتيرة أهل عصرة بالأهتمام بالمحسنات البديعية ، كما أن أقتداؤة بالقاضى الفاضل وهو ما كان أشد أهل عصرة فى استخدام المحسنات البديعية والتورية هو ما جعله من متقنى المحسنات فى الشعر ، وهو ما ظهر جلياً فى أول ما أنشأ من شعر ونثر كالقصيدة التى أرسلها للقاضي الفاضل يمدحه بها فيقول[337]:

فراقٌ قَضى لِلْهَمّ والقلبِ بالجمعوهجْر تولى صْلح عينيَ معْ دَمْعي
ووصلٌ سَعى في قَطْعه من أُحبُّهولا عجباً قد يهلِكُ النجمُ بَالْقَطع
وربْعٌ لذاتِ الخالِ وربَّماشُغلت بنفسي عن مُساءَلةِ الرَّبع
ومن عجبٍ أَنَّى سَمَتْ هِمَّةُ النَّوىوطالَتْ إِلى أَنْ فَرَّقَتْ ساكِني جَمْع
وفي الحيِّ من صيّرتُها نُصْبَ خَاطِريفما أَذِنَتْ في نَازِلِ الشَّوقِ بالرَّفْع
من اليَعْرُبِياتِ المصونَاتِ بالَّذِيأَثارتْه خيلُ الغائرينَ مِنَ النَّقْع
وممَّم تَرى أَنَّ الملالةَ مِلَّةًوتِلْك لَعَمرُ اللهِ مِنْ طَمَع الطَّبْع
تتيه بفرعٍ منه أَصلُ بَلِيَّتيولَمْ أَرَ أَصلاً قَطُّ يُعْزى إِلى فَرْع

كما يرى أيضاً أن ابن سناء الملك تميز بالثقة والأعتزاز بالنفس وهو ما تمثل فى شعرة فيقول[338]:

سِوَايَ يَخَافُ الدَّهْرَ أَو يَرْهَبُ الرَّدىوغيرِي يَهْوَى أَنْ يَكونَ مخلَّدَا
ولكنَّني لا أَرْهَبُ الدهرَ إِنْ سَطَاولا أَحْذَرُ الموتَ الزُؤَامَ إِذَا عَدا
ولو مدَّ نحوي حادِثُ الدهرِ طَرْفهُلحدَّثت نَفْسِي أَنْ أَمُدَّ لَهُ يَدا
توقُّد عَزْمِي يتركُ الماءَ جَمْرَةًوحِلْيَةُ حِلْمي تَتْرُكُ السَيْفَ مبْرَدَا
وفرْطُ احْتقَارِي للأَنامِ لأَنَّنيأَرَى كل عارٍ من خلا سُؤْدُدِي سُدَى
وَيأْبَى إِبائِي أَن يَرَانيَ قاعداًوَأَلاَّ أَرَى كُلَّ البريَّةِ مُقْعَدَا

كما يرى دكتور احمد بدوى أن ابن سناء الملك قد أُغرم بالموشحات وأتخذها وسيلة للتعبير عن عواطفة ووجد فى أوزانها المختلفة متنفساً للتعبير عن عواطفة المختلفة ، وما ادل من غرامة بالموشحات الا تأليفة لكتاب فيها سماه دار الطراز ، ثم جاء بموشحات أخترع الشاعر اوزارنها يعمل بها ما يعمل من انواع الشعر من الغزل والمدح والرثاء والهجو ….. ألخ.

يرى الدكتور احمد بدوى أن ابن سناء الملك أحد أركان النهضة الأدبية فى عصره ، وهو ما رآه القاضي الفاضل فيه من بذرة صالحة فتعهدة بالسقى والإنماء حتى اكتمل عودة[339].

المبحث الثالث: تلقى النقاد والدارسين لشعر القاضى الفاضل.

للعديد من الناقدين المعاصرين والباحثين موقف من الشعراء في العصر الأيوبي ومنهم مذهب القاضي الفاضل، ومع إجماع الكل علي أن القاضي الفاضل شهرته في الأدب بأنواعه المختلفة كانت حديث كل من تعرض للفترة الأيوبية ، ومع أن الكل ممن تحدثوا عن هذه الفترة أشادوا به[340] إلا أن هناك من انتقدوا مذهب القاضي الفاضل.

المطلب الأول: تلقى محمد كامل حسين  لشعر القاضي الفاضل.

كانت الملاحظة الأكثر علي شعر القاضي الفاضل هي إسرافه في المبالغة من خلال شعره ، واقتداء من حوله به بل وسيرهم علي نفس طريقته في المبالغة ، علي أن رآي الدكتور محمد كامل حسين كان كذلك ولكن أختلف عنهم في أنه رأى أن المبالغة لم تكن جديدة علي المصريين، بل هي من خصائص الشخصية المصرية في كل عصورها ، فإذا كان القاضي الفاضل قد أتي بالمبالغة في شعره ونثره فهو بهذا لم يأتي بشئ غريب أو جديد علي الطبيعة المصرية ، فهو بذلك يُعبر عن طبيعة الحياة المصرية[341].

ويرى الدكتور محمد كامل حسين أنه لولا أن القاضي الفاضل لو لم يكن وزيراً  ، ولو لم يكن صاحباً للسلطان ما كان المؤرخين والنقاد ما كانوا يشيدون به وبشعرة ونثره ، فالحقيقة التاريخية تقول أنه لم يبتدع هذه الطريقة التي نسبت إليه ، بل كان مقلداً لمن سبقه ، ولكن مركزة كوزير للسلطان هو الذي جعل اهتمام الكتاب والنقاد قديما اهتماما كبيراً  مثل العماد الأصفهاني ومدحه للقاضي الفاضل[342].

ومع ذلك فإنه لا يُنكر أحد ما للقاضي الفاضل من فن وشعر ونثر، ولكن موهبته الفنية لم تكن أهلاً لكل ما قيل عنه ، ولكنة علي حسب رأى ناقدنا محمد كامل حسين ، فناً مصنوعاً متكلفاً قد يلذ الأذن ، ولكنه لا يُرضي العاطفة[343].

وفي رأيي الشخصي فأنني لا أنكر أن مكانة القاضي الفاضل كوزير قد مهدت له ذيوع صيته وشهرته ، ولكن لولا جودة القاضي الفاضل في شعرة ، وإتقانه لمذهبة الفني في المديح ، لما كانت مكانته هذه ، ومكانته كوزير ليست أكثر من عامل من عوامل التي جعلت معاصريه يبالغون في الثناء عليه.

المطلب الثاني: تلقى شوقى ضيف لشعر القاضي الفاضل.

أختلف الدكتور شوقي ضيف فى رأيه كلياً وجزئياً عن رأى الدكتور محمد كامل حسين فقد وصف القاضي الفاضل بـ ” كان أبلغ كتاب عصره ، فدفع العصر الأيوبي كله من ورائه في دوائر نماذجه ، وما أتاحه لهذه النماذج من صفات أدبية”[344].

وهو ما يشير إلى أن القاضي الفاضل قد ابتدع طريقة في الكتابة وقد نسبت إليه تلك الطريقة والتي سماها الناقد ها هنا “دوائر نماذجه” والتي جذبت في عصره وما بعد عصره العديد من الشعراء لأتباعها وهو ما نستشهد به من قوله ” فدفع العصر الأيوبي كله من ورائه في دوائر نماذجه” .

ولقد استشهد الدكتور شوقي ضيف بشهادة ابن خلكان بقوله ” غنه رئيس هذا الفن ، وإذا شرع في شئ من هذا الباب لا يستطيع أن يجاريه ولا يباريه أحد “[345]

ومن الملفت للنظر أنه بعد موقف دكتور شوقي ضيف من ريادة القاضي الفاضل لمذهبه، صرح برأي أخر مخالف لرأية هذا ، وفيه صرح بأن القاضي الفاضل لم يبتكر مذهباً جديداً في تاريخ النثر ، ولم يكن إلا مقلداً ماهراً لمن سبقوه من العصر الفاطمي ، وانه لم يكن مجدداً بل كان مقلداً ماهراً[346] .

والغريب في الأمر أنه إذا كان القاضي الفاضل مقلداً  وما هو إلا حلقة وصل فلماذا لم يتجه النقاد لأولئك الذين أحسن القاضي الفاضل تقليدهم بدلاً من اتجاههم للقاضي الفاضل وأتباعه، ولماذا قال الدكتور شوقي ضيف ” كنا لا نخطئ إذا قلنا أن العصور التي تلته في مصر كان أصحابها يصوغون على أمثاله وينسجون على منواله”[347].

المطلب الثالث: تلقى عبد اللطيف حمزة  لشعر القاضي الفاضل.

كان رأي الدكتور عبد اللطيف حمزة أن القاضي الفاضل له ريادة في مذهبة الفني عن غيره من الكتاب وذلك يتضح من تعليقه علي الرسالة الديوانية في ذلك العصر بقوله ” والرسالة الديوانية ولاسيما في عهد الحروب الصليبية أنما كانت توجه إلي مقام الخليفة العباسي في بغداد ، وكان يكتبها أديب بارع مثل القاضي الفاضل أو العماد الأصفهاني في العهد الأيوبي، أو محيي الدين بن عبد الظاهر في العهد المملوكي ، ومعني ذلك أنه كان لا بد لهذه الرسالة الديوانية أن تتوفر فيها القيم الفنية ما لا يمكن توفره في أي فن من الفنون الأدبية الأخرى”[348] .

كما للدكتور عبد اللطيف حمزة قول أخر يُعبر عن عن ريادة القاضي الفاضل لمذهبة الفني وأتباع الكثير من أهل عصره له حيث قال ” وطرأ علي مصر رجل من فلسطين هو القاضي الفاضل ، وتعلم هذه الطريقة من طرائق التعبير فى مصر ، ثم أزداد مع الأيام تعلقاً بها ، وتيسر له طبعاً بعد أن يكون زعيماً سياسياً وأدبيا للمصريين ، وأن ينشر مذهبه الفني فأنتشر انتشاراً كبيراً وتحمس له الكثرة من أهل مصر”[349].

وهو هنا يوضح أن المكانة السياسية للقاضي الفاضل قد عززت من مكانته الأدبية، كما كانت أحدى العوامل الهامة التي أعانت علي رواج أدبه وعلى تقليد أدباء عصره له[350] .

المطلب الرابع: محمد كامل حسين  لشعر القاضي الفاضل.

دعم الدكتور احمد بدوي رأيه الخاص بخصوص القاضي الفاضل من أراء تابعية في عصره واستدل علي ذلك من بقول صاحب طبقات الشافعية بقوله ” اجتمع أهل الدب على ان الله تعالى لم يخلق في صناعة الترسل من بعده مثله ، ولا من قبله بأكثر من مئتي عام وربما زادوا، وهو كالشافعي وأبي حنيفة بين الفقهاء ، بل هم له أخضع ، لأن أصحاب الإمامين قد يتنازعون الأرجحية، فكل يدعي أرجحية إمامه ، أما هذا فلا نزاع من أهل الأدب فيه”[351]

أهتم الدكتور احمد بدوى بادب القاضي الفاضل اهتماما كبيراً وله مؤلفين حقق فيهما للقاضي الفاضل منهم ديوانه الشعري ، ويتضح موقف الدكتور القاضي الفاضل من قوله ” حتي ازدحمت رسائله بالوان الصناعة التي لم تحل بين القاضي الفاضل وبين أن يتناول برسائله جميع ما تتطلبه من شؤون داخلية وخارجية”[352].

ويرى الدكتور احمد بدوي أن القاضي الفاضل كان يُغالي في إظهار عواطفه علي الرغم من أنه قد نجح في التعبير عن إحساسه إلي حد كبير حيث قال “ممدوحه المثل الأعلى للممدوحين، وشوقه نيران تتأجج في الصدور ، ومودته باقية ما بقي الزمان ومع ذلك نجح الكاتب إلى مدى بعيد في التعبير عن إحساسه وشعوره”[353]

كما رأي دكتور احمد بدوى أن القاضي الفاضل كان له طريقته وأسلوبه الخاصيين به وبفنه والتي لم يستطع من بعده أن يتبعوها لاحتياجها إلي كاتب ذو قدرة وقوة علي تطويع الألفاظ لما يريد صناعته من بديع ” وبرغم ما في طريقته من مشقة وعنت استطاع أن يعبر عما يجول في نفسه من عواطف لإخوانه ، وان يؤدي جميع ما تحتاج إليه الدولة في شؤونها السياسية والاجتماعية”[354].

” أن القاضي الفاضل امتاز بخصائص جعلته علماً مبرزاً في الكتابة ، بل وقدوة ومعلماً لجيل من الكتاب ساروا على نهجه واهتدوا بطريقته”[355] . بهذه الكلمات البسيطة عبر الدكتور محمد زغلول عن راية في فن القاضي الفاضل.

وأكد علي رأيه بما جاء في كتابة ” الفاضل” بقول ابن حجة الحموي ” ولعمري إن الإنشاء الذي صدر في الأيام الأموية والأيام العباسية نسي وألغي بإنشاء الفاضل ، ولما اخترعه من النكت الأدبية والمعاني المخترعة ، والأنواع البديعية، والذي يؤيد قولي العماد الكاتب في الخريدة أنه في صناعة الإنشاء كالشريعة المحمدية نسخت الشرائع”[356]  .

وهو هنا يُظهر قدرة القاضي الفاضل على استخدام البديع والسجع، ومدي قدرته على تطويع الألفاظ لخدمة الألوان البديعية المختلفة والتي فتنت الناس في عصرها ونال بها شهرته[357]،  كما استدل د/ محمد زغلول سلام علي هذه القدرة لدى القاضي الفاضل، بما جاء على لسان ابن التعاويذي في وصفه رسائل الفاضل حيث قال[358]:

تـزهو على الأصداف أوراقهالأنها أوعيـــة الـــدر
قـارئهـا ينظر في روضـةموشية الأقطـار بالزهــر
كأنـه فضــة وقد فضهــالطاثـم العطر على العطـر
تجــدد في أعطافـه نشـوةكأنهـا جاءت على خمـر

كما استدل كذلك على موهبة  القاضي الفاضل وإتباع معاصريه له  بقول ابن شاكر علي لسان المارديني ابن الصفار قال:

 ويـوم قـر برد أنفاسهتمـزق الوجه مـن قرصها
يوم تود الشمس من بردهلو جرت النار على قرصها

وهو ما أخذ من قول القاضي الفاضل ” في ليلة جمد خمرها ، وجمد جمرها ، إلي يوم تود البصلة لو ارتدت إلي قمصها ، والشمس لو جرت النار قرصها”[359].


[1]  مسائلة في الانحطاط البهاء زهير نموذجاً ، وئام محمد أنس ص10.

[2] محمد سهيل طقوش  – تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام – 1999 م –  دار النفائس – ص 8 .

[3] على بيومى – قيام الدولة الأيوبية فى مصر  – دار الفكر الحديث للطبع والنشر – القاهرة  –  1952 م – ط1 – ص 4: 9.

[4] محاسن الوقاد –  محاضرات في تاريخ مصر الإسلامية من الفتح إلى نهاية العصر الفاطمي –  دار النهضة العربية –  القاهرة – 2007م –  ص190.

[5] ينتسب نور الدين إلى السلاجقة الأتراك، فجده آق سنقر بن إل ترغان يعود نسبه إلى قبيلة ساب يوب. كان جده مملوكًا للسلطان جلال الدولة ملك شاه، وكان عسكريًا وملاصقًا للسلطان ولد نور الدين في فجر يوم الأحد من 17 شوال 511هـ، وهو ثاني أولاد عماد الدين زنكي بعد سيف الدين غازي. لا تذكر المصادر التاريخية شيئاً عن نشأة نور الدين وشبابه، ولكنها جميعًا تؤكد أنه تربى في طفولته تحت رعاية وإشراف والده، وأن والده كان يقدمه على إخوانه ويرى فيه مخايل النجابة بقي ملازمًا لوالده حتى وفاته. كان أسمر اللون طويل القامة حسن الصورة لا يوجد في وجهه شعر سوى ذقنه، كما كان حنفيّ المذهب. يرى بعض المؤرخون الحديثون أنه كان أشعري، في حين يرى آخرون أنه كان متبع للطريقة القادرية،ويرى آخرون أنه وفق بين القادرية والأشعرية. حكم نور الدين محمود حلب في حين حكم سيف الدين غازي الموصل. كان الحد الفاصل بين أملاك الأخوين هو نهر الخابور في الجزيرة السورية.

[6] محمد نصر عبد الرحمن؛ سند احمد عبد الفتاح –  دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك – دار النهضة العربية ط1 –  القاهرة 2008م – ص38.

[7] د/ سعيد عبد الفتاح عاشور –الأيوبيون والمماليك فى مصر والشام  – دار النهضة العربية للطبع والنشر والتوزيع  – القاهرة  – 1996م – ص  9-12.

[8] محاسن الوقاد – مرجع سابق –  ص192، 193

[9] د/ السيد الباز العريني – الشرق الأدنى فى العصور الوسطى ” الأيوبيين ” – دار النهضة العربية للطباعة والنشر – القاهرة – ص 27.

[10] محاسن الوقاد –  مرجع سابق – ص 191.

[11] عبد المنعم ماجد –  ظهور الخلافة الفاطمية وسقوطها في مصر التاريخ السياسي – دار الفكر العربي – ط4 –   القاهرة 1994م –  ص 378 .

[12] شهاب الدين المقدسى – الروضتين فى أخبار الدولتين النورية والصالحية  – تحقيق محمد حلمى محمدأحمد – در الكتب المصرية – 1998م – ص 390.

[13] عبد المنعم ماجد – ظهور الخلافة الفاطمية وسقوطها في مصر التاريخ السياسي –  دار الفكر العربي –  ط4 –  القاهرة – 1994- ص380 .

[14] على بيومى – قيام الدولة الأيوبية فى مصر – مرجع سابق  – ص 15.

[15] [15] د/ السيد الباز العريني – مرجع سابق – ص 48.

[16] على بيومى – قيام الدولة الأيوبية  فى مصر – دار الفكر الحديث  – مصر  – ط1 – 1952م – ص 200.

[17] ابن الأثير – التاريخ الباهر فى الدولة الأتابكية – تحقيق عبد القادر أحمد طليمات – دار الكتب الحديثة – القاهرة – 1963-  ص 162.

[18] المرجع السابق – ص 62.

[19] المرجع السابق – ص 75.

[20] الأصفهاني – البرق الشامي – تحقيق د/ فتحية النبراوى – 1979م – مكتبة الخانجى – مصر – ص 37 .

[21] ابن الأثير – الكامل فى التاريخ – تحقيق أبى الفداء عبد الله القاضي – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – 1987م – ط1 – ج 10 – ص 58.

[22] ابن كثير –البداية والنهاية  – تحقيق د/ عبد الله بن عبد المحسن التركى – دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والاعلان – ج 2 – 1998م – ص 85.

[23] الأصفهاني – البرق الشامي – مرجع سابق – ص 81.

[24] ابن الأثير – الكامل فى التاريخ – مرجع سابق – ص 65:66.

[25] الأصفهاني – البرق الشامي – مرجع سابق – ص 90.

[26] د/ محمد زغلول سلام – الأدب فى العصر الأيوبي – منشأة المعارف – الأسكندرية – مصر – 1990م – ص 85.

[27] [27] د/ محمد زغلول سلام – الأدب فى العصر الأيوبي – المرجع السابق – – ص 86.

[28] شهاب الدين المقدسى – الروضتين فى أخبار الدولتين النورية والصالحية   – مرجغ سابق  – ج1 – ص 214.

[29] [29] د/ محمد زغلول سلام – الأدب فى العصر الأيوبي – مرجع سابق  – ص 91.

[30] [30] د/ أحمد أحمد بدوى  –  الحياة الأدبية فى عصر الحروب الصليبية بمصر والشام –  نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة – ط 2 – 1979م – ص 23.

[31] المرجع السابق – ص 26.

[32] هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسى الشاطبى البلنسى ،ولد بلنسية ، وسمع العلوم من ابيه فى شاطبة ، وأخذ القرآن عن أبى الحسن بن أبى العيش ، كان من علماء الأندلس فى الفقه والحديث ، وكانت له مشاركة فى الآداب ولم تقم شهرته الا على كتابه هذا رحلة ابن الجبير بعد أن وضعة بعد قيامة برحلات ثلاث أهمها رحلة استغرقت أكثر من ثلاث سنوات وصف فيها كل المدن التى مر بها وأحوالها السياسية والاجتماعية والأخلاقية والنواحى الدينية ، وكان شديد الأعجاب بالسلطان صلاح الدين الأيوبي . رحلة ابن الجبير – دار صادر – بيروت –  ص7.

[33] د/ عبدالله ناصح علوان  – صلاح الدين الأيوبي بطل حطين ومحرر القدس من الصليبين – دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة – 1975م – ص 117.

[34] د/ عبدالله ناصح علوان  – صلاح الدين الأيوبي بطل حطين ومحرر القدس من الصليبين – مرجع سابق – ص 120

[35] د/ عبدالله ناصح علوان  – صلاح الدين الأيوبي بطل حطين ومحرر القدس من الصليبين – مرجع سابق – ص 120

[36] د/ عبدالله ناصح علوان  – صلاح الدين الأيوبي بطل حطين ومحرر القدس من الصليبين – مرجع سابق – ص 122

[37] د/ محمد زغلول سلام – الأدب فى العصر الأيوبي – منشاة المعارف – الأسكندرية – 1990م – ص 23.

[38] ابن الأثير – الكامل فى التاريخ – مرجع سابق – ج9 – ص 20.

[39] محمود مصطفى – الأدب العربى من الفتح الاسلامى الى نهاية العصر الأيوبي – قدم له د/ شوقى ضيف – دار الكتاب العربى للطباعة والنشر  – 1967م – القاهرة – ص 266 .

[40] جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي ( ت 874 هـ ) – النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة – علق عليه/ محمد حسين شمس الدين – ج6 –  دار الكتب العلمية – بيروت – 1992م – ص 56.

[41] محمود مصطفى – الأدب العربى من الفتح الاسلامى الى نهاية العصر الأيوبي – مرجع سابق – ص 268.

[42] محمود مصطفى – الأدب العربى من الفتح الاسلامى الى نهاية العصر الأيوبي – مرجع سابق – ص 271.

[43] محمود مصطفى – المرجع السابق – ص 272.

[44] د/ أحمد أحمد بدوى  –  الحياة الأدبية فى عصر الحروب الصليبية بمصر والشام –  مرجع سابق – ص 126.

[45] كمال الدين بن جعفر الأدفوى  ت ( 748 هـ ) – الطالع السعيد الجامع لأسماء الفضلاء والرواة بأعلى الصعيد – المطبعة الجمالية  – مصر  – 1323 هـ  ص 16

[46] د/ أحمد أحمد بدوى   – مرجع سابق – ص 127.

[47] محمود مصطفى  – الأدب العربى فى مصر من الفتح الإسلامي الى نهاية العصر الايوبى – دار الكاتب العربى للطباعة والنشر – 1967م – القاهرة – ص 274.

[48] جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي ( ت 874 هـ ) – النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة – مرجع سابق – ص 52.

[49] جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي ( ت 874 هـ ) – مرجع سابق- ص 37.

[50] (راجح الحلي) * (570 – 627 ه‍ – 1174 – 1230 م) راجح بن إسماعيل الأسدي الحلي، أبو الوفاء: شاعر، من أهل الحلة. تردد إلى بغداد واتصل بولاتها. وهاجر إلى حلب.  وحظي عند الأيوبيين في دمشق، فاستقر فيها إلى أن توفي. قال الحافظ المنذري:

 ينعت بالشرف (شرف الدين) مدح جماعة من الملوك وغيرهم بمصر والشام والجزيرة، وحدث بشئ من شعره بحلب وحران وغيرهما . أنظر الأعلام – خير الدين الزركلى – ج 3-  دار العلم للملايين – بيروت – ط15 – 2002م ص 10.

[51] محمود مصطفى  – الأدب العربى فى مصر من الفتح الإسلامي الى نهاية العصر الايوبى – مرجع سابق – ص 277.

[52]  جلال الدين عبد الرحمن السيوطى –  حسن المحاضرة فى تاريخ مصر والقاهرة – تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم – دار احياء الكتب العربية – ط1 – 1967م – ص 10.

[53] محمود مصطفى  – مرجع سابق – ص 278.

[54] محمود مصطفى  – مرجع سابق – ص 280 .

[55] د/ محمد زغلول سلام – الأدب فى العصر الأيوبي – منشأة المعارف – الأسكندرية – 1990م – ص 404.

[56] ديوان ابن سناء الملك  – تحقيق محمد ابراهيم نصر – مراجعة د/ حسين محمد نصار – دار الكاتب العربى للطباعة والنشر – القاهرة – 1969م / 1388هـ – ص 190.

[57] [57] ديوان ابن سناء الملك   – المرجع السابق – ص 1.

[58] د/ أحمد أحمد بدوى  –  الحياة الأدبية فى عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق  – ص 129.

[59] ياقوت الحموى الرومى –  معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب  –  تحقيق د/ أحسان عباس – دار الغرب الاسلامي – بيروت – ج 1 – ط1 – 1993 م – ص 1464 .

[60] د/ أحمد أحمد بدوى  –  الحياة الأدبية فى عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق  – ص 129.

[61] د / عمر عبد السلام تدمري – تاريخ طرابلس السياسي والحضارى عبر العصور – مؤسسة الرسالة – بيروت 0 ج1 – 1404هـ/ 1984م – ص 11.

[62] د/ أحمد أحمد بدوى  –  الحياة الأدبية فى عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق  – ص 137.

[63] أبو الحسين بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسى ( الرفا ) – ديوان ابن منير – جمعة وقدم له / د. عمر عبد السلام تدمري – دار الجيل – بيروت – لبنان – ط1 – 1986م – ص 41.

[64] ستيفن رنيسمان – تاريخ الحروب الصليبية  – ترجمة د/ السيد الباز العريني  – ج2  – دار الثقافة – بيروت – ص 280.

[65] أبو الحسين بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسى ( الرفا ) – ديوان ابن منير – مرجع سابق – ص 31.

[66] د/ أحمد أحمد بدوى   – مرجع سابق – ص 141.

[67] [67] د/ أحمد أحمد بدوى   – مرجع سابق – ص 144: 147.

[68] د/ أحمد أحمد بدوى   – مرجع سابق – ص 149.

[69] ياقوت الحموى الرومى –  معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب   – مرجع سابق  – ص 945.

[70] ياقوت الحموى الرومى –  معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب   – مرجع سابق – ج 9 – ص 47.

[71] [71] ياقوت الحموى الرومى –  معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب   – مرجع سابق  – ج 9 – ص 49.

[72] د/ أحمد أحمد بدوى   – مرجع سابق – ص 152.

[73] المرجع السابق – ص 157: 160.

[74] د/ أحمد أحمد بدوى – الحياة الأدبية عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 171:173.

[75] ديوان أسامة بن منقذ – حققة وقدم له/ د: أحمد أحمد بدوى ، حامد عبد المجيد  – عالم الكتب – ط2 – 1983م – بيروت – ص 55.

[76] ديوان أسامة بن منقذ – مرجع سابق – ص212.

[77] ديوان أسامة بن منقذ – مرجع سابق – ص 14.

[78]  د/ أحمد أحمد بدوى – الحياة الأدبية عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 184.

[79] د/ أحمد أحمد بدوى – الحياة الأدبية عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 184

[80] / أحمد أحمد بدوى – الحياة الأدبية عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 189.

[81] علي بن محمد بن رستم بن هَردوز، أبو الحسن، بهاء الدين بن الساعاتي- ديوان الساعاتى – عنى بتحقيقه ونشرة / أنيس المقدسي – المطبعة الاميركانية – بيروت  -1939م – ص 164.

[82] علي بن محمد بن رستم بن هَردوز، أبو الحسن، بهاء الدين بن الساعاتي- ديوان الساعاتى – المرجع السابق – ص 317.

[83] علي بن محمد بن رستم بن هَردوز، أبو الحسن، بهاء الدين بن الساعاتي- ديوان الساعاتى – المرجع السابق – – ص 353.

[84] ميسر سالم خلاف – مظاهر الإبداع الفنى فى شعر وليد سيف  – ماجستير – جامعة الخليل  – فلسطين  – 2007 م – ص 148.

[85] [85]  د/ أحمد أحمد بدوى – الحياة الأدبية عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 191.

[86] د/ أحمد أحمد بدوى – الحياة الأدبية عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 238:241

[87] عمر بن الفارض – ديوان ابن الفارض – المكتبة الحسينينة – القاهرة – ط1 – 1913م /1331هـ  – ص 88.

[88] عمر بن الفارض – ديوان ابن الفارض – مرجع سابق  – ص 35.

[89] مصطفى عبد الرازق  – البهاء زهير – مطبعة الكتب المصرية بالقاهرة – ط1 – 1930م / 1348 هـ –  ص 1:3.

[90] المرجع السابق – ص 3-7.

[91] ديوان ابن زهير – شرح وتحقيق / محمد طاهر الجبلاوى، محمد أبو الفضل ابراهيم  – دار المعارف  – ط2 – القاهرة – 1982م – ص 264.

[92] المرجع السابق – ص 210.

[93] [93] د/ أحمد أحمد بدوى – الحياة الأدبية عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 243.

[94] [94] د/ أحمد أحمد بدوى – الحياة الأدبية عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 296.

[95] د/ أحمد أحمد بدوى – الحياة الأدبية عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 297

[96] الأتان  : الحِمارة . والجمع : أُتُنٌ ، وأُتْنٌ .

[97] جابر عبد الرحمن سالم يحيى – بردة البوصيرى ومعارضاتها فى العصر الحديث دراسة وتحليل وموازنة – دكتوراه – جامعة الأزهر – مصر – 1978م – ص 66.

[98] د/ محمد زغلول سلام – الأدب فى العصر الأيوبي – مرجع سابق – ص 196.

[99] محمود مصطفى – الأدب العربى من الفتح الاسلامى الى نهاية العصر الأيوبي – مرجع سابق – ص 206

[100] أحمد بن علي القلقشندي – صبح الأعشى في صناعة الإنشا – تحقيق : د.يوسف علي طويل – دار الفكر – دمشق – ج 7 – ص 367.

[101] أحمد بن علي القلقشندي – مرجع سابق  – ج7 – ص 30

[102] حامد صدقي ، حامد شى  –  مفهوم الشعر عند الرافعى والعقاد دراسة تحليلية  – مجلة اضاءات نقدية  مجلة فصلية محكمة – السنة الثالثة – العدد العاشر – 2013م – ص 10.

[103] د/ أحمد أحمد بدوى – أسس النقد الأدبي عند العرب – نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع – 1996م –  ص 113.

[104] محمد مندور  – الأدب وفنونه – دار نهضة مصر – القاهرة- 1980م.

[105] أبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريا – معجم مقاييس اللغة – تحقيق / عبد السلام محمد هارون – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – 1979م – ج2 – ص 577.

[106] أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم – ابن منظور – الأفريقى المصري – دار صادر – بيروت – ج 14 – ص254.

[107] سان عباس –  تاريخ النقد الأدبي عند العرب – دار الثقافة – بيروت  ط 4  –  1983 م – ص5.

[108] ابى الفرج قدامه بن جعفر – نقد الشعر  – تحقيق / د.محمد عبد المنعم خفاجي –  دار الكتب العلمية  – بيروت – لبنان  – ص 12.

[109] المرجع السابق  – ص 13.

[110] أحمد فوزي الهيب – الحركة الشعرية زمن الأيوبيين في حلب الشهباء – مكتبة المعلا  – ط 1 – الكويت – 1987 – ص 77 م.

[111] د/ أحمد أحمد بدوى – صلاح الدين بين شعراء عصره وكتابه – وزارة الثقافة والأرشاد القومي  – المكتبة الثقافية – القاهرة – 1960 م – ص 98: 102.

[112] المرجع السابق- ص 106.

[113] محمود مصطفي- الدب العربي في مصر من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الأيوبي – تقديم د/ شوقي ضيف – دار الكاتب العربي للطباعة والنشر – 1967م – ص 285.

[114] المرجع السابق – ص 286.

[115] ، أبو الفرج قدامة بن جعفر البغدادي – قدامة بن جعفر –   نقد الشعر  –  تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي – دار الكتب العلمية –  بيروت-   ص 96.

[116] ، شرف الدين الأنصاري –  الديوان  –  تحقيق عمر موسى باشا –  دمشق –  مطبوعات مجمع اللغة العربية – 1967م – ص 222.

[117] جمال الدين محمد بن سالم – ابن واصل –  مفرج الكروب في أخبار بني أيوب –  تحقيق / عمر عبد السلام تدمري –  ط 1 –  بيروت –  المكتبة العصرية – 2004م  – ص 155..

[118] فتيان الشاغورى بن علي السدي – الديوان – تحقيق أحمد الجندي  – مجمع اللغة العربية – دمشق – 1976م – ص 72.

[119] محمد بن نصر شرف الدين أبو المحاسن  – ابن عنين – الديوان  – تحقيق خليل مردم بك  – مطبوعات المجمع العلمي العربي – دمشق  – 1946م – ص 59.

[120] عبدالله بن أسعد بن على مهذب الدين ابن الدهان – الديوان – تحقيق عبد الله الجبورى – مطبعة المعارف – بغداد  – 1968م – ص 203.

[121] محمدبن سالم بن نصر الله ابن واصل – مفرج الكروب في أخبار بني أيوب – تحقيق / حسنين محمد ربيع – مراجعة / سعيد عبد الفتاح عاشور  – مطبعة دار الكتب  – القاهرة – 1972م – ص 247.

[122] محمد بن محمد أبو عبد الله العماد الأصفهاني – الديوان – تحقيق / ناظم رشيد  – جامعة الموصل  – 1983م –  ص  337.

[123] الأصفهاني – الديوان – مرجع سابق – ص 89.

[124] المرجع السابق – ص 88.

[125] الأصفهاني – الديوان – مرجع سابق – ص 97.

[126] علي بن رستم بن هردوز الخراساني – ابن الساعاتي – الديوان – تحقيق ونشر / أنيس المقدسي  – المطبعة الأمريكانية – بيروت – 1938م – ص 289.

[127] ابن سناء الملك – الديوان  – تحقيق / محمد إبراهيم نصر – مراجعة حسين محمد نصار – دار الكاتب العربي – القاهرة  – 1967م – ص 536.

[128] د/ عمر عبد الرحمن الساريسي – من أدب عصر الحروب الصليبية دراسة وتحليل  – د ار المنارة  للنشر – جدة – السعودية – 1985م – ص 101.

[129] البهاء زهير – الديوان – دار صادر – بيروت – 1964 – م1 – ص 348.

[130] محمد عبد الحميد  – العمدة في صناعة الشعر ونقده – ج 2 – دار الجبل – بيروت – 1972م – ص 174.

[131] إيليا الحاوي – فن الهجاء وتطوره عند العرب  – دار الثقافة – بيروت – ص 456.

[132] شمس الدين أبو طالب محمد بن عبد الله بن صابر السلمي المعروف بابن سيدة من دمشق ذو علم في الحديث والتصوف ت 637هـ – المقدسي – ذيل  الروضتين  – ج 5 – ص 258، الحنبلي – شذرات الذهب  – ج7  – ص 326.

[133] ابن عنين –  الديوان – تحقيق  – خليل مردم بك  – دار صادر – بيروت – ط2 – ص 235.

[134] الطاهر أحمد مكي – أمرؤ القيس حياته وشعره  – دار المعارف  – القاهرة  – ط5  – 1985م – ص 120.

[135] فتيان الشاغورى – الديوان – تحقيق أحمد الجندي  – مطبوعات مجمع اللغة العربية  – دمشق  – ص 280 .

[136] ابن الساعاتي – – الديوان  – تحقيق أنيس المقدسي – المطبعة الأميريكانية  – ج 2 – بيروت – 1939م –  ص 12.

[137] المرجع السابق – ص 99.

[138] ابن سناء الملك – – الديوان – تحقيق محمد إبراهيم نصر  – ج 1 –  دار الكاتب العربي للطباعة والنشر  – 1967م – ص 475.

[139] ابن الساعاتي – – الديوان  – تحقيق أنيس المقدسي – ج1 –  مرجع سابق  – ص 232.

[140] القاضي الفاضل – الديوان  – تحقيق أحمد بدوي  – دار المعرفة  – ط1 – ج2 – القاهرة – 1961م – ص426.

[141] فتيان الشاغورى – الديوان – تحقيق أحمد الجندى  – مطبوعات مجمع اللغة العربية  -دمشق  – ص 548.

[142] ابن عنين –  الديوان – مرجع سابق – ص 239.

[143] المرجع السابق – ص 133.

[144] ابن الساعاتي – – الديوان  – تحقيق أنيس المقدسي – مرجع سابق – ج2 – ص 38.

[145] يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان، الملك الناصر صلاح الدين بن الملك العزيز بن الملك الظاهر بن الناصر صلاح الدين الكبير آخر ملوك بني أيوب ولد الملك الناصر بقلعة حلب يومَ التاسعَ عشرَ من شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة هـجريا.

[146] هو محمد بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الصمد بن رستم الأسعردي نور الدين الشاعر. ولد سنة (619)هـ توفي سنة (656)هـ كان من كبار شعراء الملك الناصر بمصر ذا مكانة رفيعة عنده

[147] هنرييت زاهي سابا الصايغ – اتجاهات الشعر العربي في القرن السابع الهجري في بلاد الشام –  رسالة دكتوراه غير منشورة – جامعة القاهرة –  مصر -1980  م – ص 22.

[148] هنرييت زاهي سابا الصايغ – اتجاهات الشعر العربي في القرن السابع الهجري في بلاد الشام  – مرجع السابق – ص 174.

[149] سيف الدين المشد  602 – 656 هـ / 1205 – 1258 م  علي بن عمر بن قزل التركماني الياروقي المصري، سيف الدين، المشدّ. شاعر، من أمراء التركمان، كان (مشدّ الديوان) بدمشق، ولد بمصر، وتقلب في دواوين الإنشاء، وتوفي بدمشق.

[150] هاني محمد حمود الرفوع  –  ديوان ابن قزل المشد –  دراسة و تحقيق – رسالة ماجستير غير منشورة – جامعة مؤتة  – الكرك-  الأردن – 2000م – ص 355.

[151] ابن الساعاتي – الديوان – ص 248.

[152] رامتان: ھو تثنیة رامة، یقول الشاعر:  تسألني برامتین سلجما  وھي نجد:  ینظر-  یاقوت الحموي – معجم البلدان –  تحقیق / فرید عبد العزیز الجندي –  بیروت – ج3 – ص 18.

[153] يحيى بن عيسى بن إبراهيم، جمال الدين، ابن مطروح. شاعر أديب مصري. ولد بأسيوط، وتوفي بالقاهرة. خدم الملك الصالح أيوب، وتنقل معه في البلاد، فأقامه الصالح ناظراً على الخزانة بمصرَ (سنة 639) ثم نقله إلى دمشق. واستمر في الأعمال السلطانية إلى أن مات الملك الصالح، فعاد إلى مصر. وأعرض عنه خلفاء الصالح، فأقام مخمولاً – كما يقول سبط بن الجوزي – إلى أن مات

[154] ابن مطروح، جمال الدّین أبو الحسن یحیى بن عیسى بن إبراھیم – ت 649 هـ –  الدّیوان –  تحقیق/  حسین نصار – دار الكتب والوثائق القومیة   — القاھرة – 2004 م – ص 189.

[155] القاضي الفاضل – الديوان  – مرجع سابق – – ج 2 – ص 395.

[156] أبو الفتح محمد بن عبید الله بن الكاتب –  سبط بن التعاویذي –  الدّیوان د.س مرجلیوث –  دار صادر  –  مطبعة المقتطف – 1903م – ص 239.

[157] ابن عنين – الديوان – مرجع سابق – ص 86.

[158] جمال الدّین أبو الحسن یحیى بن عیسى بن إبراھیم –  ابن مطروح  – الدّیوان  –  تحقیق /  حسین نصار –  دار الكتب والوثائق القومیة – القاھرة – 2004م – 163.

[159] القاضي الفاضل – الديوان  – مرجع سابق – – ج 1 – ص 27.

[160] ابن مطروح  – الدّیوان   – المرجع السابق – ص 168.

[161] محمد سلام زغلول – محمد سلام زغلول  – الأدب في العصر الأيوبي – الناشر منشأة المعارف  – الاسكندرية – 1990م   – ص  186.

[162] شهاب الدين محمد بن أحمد الفتح – الأبشيهي  – المستطرف  فى كل فن مستظرف  – تحقيق محمد مهنا – مكتبة الإيمان – مصر – ص 454.

[163]  شوقي ضيف – فصول في الشعر ونقده – دار المعارف  – القاهرة – 1971م – ص 20.

[164] محمد محمد حسين  – الهجاء والهجاؤون في الجاهلية  –  مكتبة الأداب بالجماميز  – القاهرة – ص 5.

[165] أحمد أمين – النقد الأدبي  – دار الكتاب العربي – ط4 – بيروت – 1967م – ص 105.

[166] عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري – الشعر والشعراء – تحقيق أحمد محمد شاكر – دار المعارف – مصر – 1966م – ج1 –  ص 305.

[167] أبو عثمان عمر بن بحر الكنانى  – الجاحظ – البيان والتبيين – تحقيق الندوبي – المطبعة الرحمانية  – ط2 – القاهرة – 1932م ج3 – ص 248.

[168] شوقي ضيف – الشعر في العصر الجاهلي – مرجع سابق – ص 201.

[169] أبو الفرج على بن الحسين  – الأصفهاني – الأغاني  – تحقيق/ إحسان عباس  – دار صادر – بيروت – ط2 – ج2 – 2004م – ص 120.

[170] صلاح الدين الهادي – اتجاهات الشعر في العصر الأموى – مكتبة الخانجي – ط1 – القاهرة – 1986م – ص 163.

[171] شوقي ضيف – – العصر العباسي الثاني  – دار المعارف – القاهرة – ط2 – 1982م  – ص 201.

[172] نبيل خليل أبو حلتم – اتجاهات الشعر العربي في القرن الرابع الهجرى –  دار الثقافة – الدوحة – ط1 – 1985م – ص 194.

[173] ابن شاكر – فوات الوفيات  – 2/167.

[174] محمد سلام زغلول  – الأدب في العصر الأيوبي – الناشر منشأة المعارف  – الاسكندرية – 1990م   – ص 321.

[175] قحطان رشيد التميمي – اتجاهات الهجاء في القرن الثالث الهجري  – دار المسيرة  – بيروت  – ص 78: 85.

[176] محمد يوسف عبد العزيز غريب – اتجاهات شعر الهجاء في مصر والشام زمن الزكيين والأيوبيين دراسة موضوعية فنية – ماجستير – جامعة الخليل – 2009م – ص 13.

[177] محمد يوسف عبد العزيز غريب – مرجع سابق – ص 33.

[178] محمد يوسف عبد العزيز غريب – مرجع سابق – ص 44.

[179] عباس محمود العقاد  – ابن الرومى حياته من شعره  – منشورات المكتبة العصرية  – صيدا – بيروت – 1984م – ص 225.

[180] قحطان رشيد التميمي – اتجاهات الهجاء في القرن الثالث الهجرى – دار المسيرة  – بيروت – ص 44.

[181] المرجع السابق – ص 60.

[182] محمود عبد الله أبو الخير  – الشعر الشامى في مواجهة  الصليبين – دار الاسرء للنشر والتوزيع – ط1  – عمان – 2003م – ص 78.

[183] أحمد أحمد بدوى –  الحياة الدبية فى عصر الحروب الصليبية بمصر والشام  – دار نهضة مصر للطباعة والنشر  – ط2  – القاهرة  – 1979م – ص 81.

[184] عبد اللطيف حمزة – الحركة الفكرية فى مصر فى العصرين الأيوبي والمملوكي الأولى  – دار الفكر العربي  –  ط 8 – القاهرة – 1968 م – ص 334.

[185] محمد كامل حسين – في أدب الدولة الفاطمية  – دار الفكر العربي  – 1950 م – ص 88.

[186] سامى الدهان – الهجاء سلسلة فنون الأدب العربى  – دار المعارف  – القاهرة  – 1957م –

[187] محمد زغلول سلام – الأدب في العصر الأيوبي  – مرجع سابق  – ص 316.

[188] هو أبوعلى الحسن بن سعيد بن عبدالله بن بُندار بن إبراهيم الشاتانى الملقب علم الدين. كان فقيهًا غلب عليه الشعر، وأجاد فيه واشتهر به. وكان مولده فى سنة عشر وخمسمائة (510هـ)، وكان قد ترك بلده، وقدم دمشق فى سنة (531هـ)، وعقد مجلس الوعظ، وعاد إلى وطنه، ثم انتقل إلى الموصل واستوطنها، وخدم دولة أتابك زنكى وابنه نور الدين محمود، وكان يتردد منها إلى بغداد . وكان الوزير أبو المظفر ابن هبيرة كثير الإقبال عليه والإكرام له، وكان يحفظ جل أشعاره ويوردها من خاطره حتى كأنما يقرأها من كتاب. وذكره العماد الأصفهانى وأثنى عليه، وأورد له أشعارًا

[189] محمود مصطفي – الأدب العربي في مصر من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الأيوبي  – مرجع سابق  – ص 274، 175.

[190] محمد سلام زغلول – الأدب فى العصر الأيوبي – مرجع سابق  – ص 323.

[191] محمد سلام زغلول – الأدب فى العصر الأيوبي – مرجع سابق  – ص 323.

[192] خلود يحيي أحمد جرادة  – فن الرثاء في الشعر في العصر الفاطمي والأيوبي – دكتوراه – الجامعة الأردنية – 2001م – ص 11.

[193] خلود يحيي أحمد جرادة – المرجع السايق – ص 21.

[194] خلود يحيي أحمد جرادة – المرجع السايق – ص 102.

[195] خلود يحيي أحمد جرادة – المرجع السايق – ص 122.

[196] ثوبان بن إبراهيم الإخميمي المصري، أبو الفَيَّاض، أو أبو الفيض. أحد الزهاد العباد المشهورين، من أهل مصر. نوبيّ الأصل من الموالي. كانت له فصاحة وحكمة وشعر. وهو أول من تكلم بمصر في (ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية) فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم. واتهمه المتوكل العباسي بالزندقة، فاستحضره إليه وسمع كلامه، ثم أطلقه، فعاد إلى مصر. وتوفي بجيزتها.

[197] محمد بن إبراهيم بن ثابت بن فرح الكناني، المعروف بابن الكيزاني. واعظ شاعر مصري. تصوف ونسبت إليه (الكيزانية) من طوائف المتصوفة بمصر. وكان معتزلياً، ومن مقالته: أفعال العباد قديمة. له (ديوان شعر) أكثره في الزهد. توفي بالقاهرة.

[198] عمر محمد جمعة – مدخل الى دراسة التصوف – مجلة التراث العربي

[199] ابن الأثير  – الكامل فى التاريخ – تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – م 10 – ص 255.

[200] د/ عبد اللطيف حمزة – الأدب المصرى من قيام الدولة الأيوبية إلى مجئ الحملة الفرنسية  – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2000 م – ص 69.

[201] د/ عبد اللطيف حمزة – مرجع سابق – ص 71.

[202] أسامة بن منقذ – اليوان – تحقيق د/ أحمد أحمد بدوي ، حامد عبد المجيد  – عالم الكتب  – القاهرة – 1953م – ص 74.

[203] ابن الساعاتي –  – الديوان  – الجامعة الأمريكية  – بيروت – 1938م – ج1 – ص 49.

[204] ابن عنين – الديوان – تحقيق  خليل مردم بك  – دار صادر – ط2 – بيروت – 1959م – ص 69.

[205] القاضي الفاضل – الديوان – تحقيق د/ أحمد أحمد بدوى ، ابراهيم الأبياري  – دار المعرفة  – ط1 – القاهرة – 1961م – -ج2 – ص 494

[206] د/ عبد اللطيف حمزة – الأدب المصرى من قيام الدولة الأيوبية إلي مجئ الحملة الفرنسية  – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2000م – ص 57.

[207] محمد زغلول سلام – الأدب في العصر الأيوبي  – مرجع سابق – – ص 188.

[208] محمد زغلول سلام – الأدب في العصر الأيوبي  – مرجع سابق – ص 314.

[209] محمد زغلول سلام – الأدب في العصر الأيوبي  – مرجع سابق –  ص 319.

[210] أعظم شاعر اغريقى، و جوده الحقيقى كان محل جدل فى القرن 19، لكن معظم الدراسات الحديثه بترجح انه عاش قبل 700 قبل الميلاد. بتقول الأساطير انه كان اعمى و إن سبع مدن إدعت نسبته ليها. كان بيكتب الأساطير والملاحم ويتكلم عنها في أشعاره، أشهر الملاحم دي كانت حرب طرواده في ملحمة الإليادة ورجوع المحاربين الإغريق منها في ملحمة الأوديسة و هى من روائع الأدب العالمى.

[211] أحد الأبطال الأسطوريين في الميثولوجيا الإغريقية هو ابن بيليوس ملك فثيا من حورية البحر ثيتس حفيدة التيتانية تيثيس ابنة أورانوس (ميثولوجيا) وجايا كان له دور كبير في حرب طروادة، والتي دارت أحداثها بين الإغريق وأهل طروادة. وهو البطل المركزي في إلياذة هوميروس.

[212] محمد زغلول سلام – الأدب في العصر الأيوبي  – مرجع سابق –  ص 320.

[213] محمد زغلول سلام – الأدب في العصر الأيوبي  – مرجع سابق –  ص 190.

[214] محمود مصطفي – مرجع سابق  -ص 277.

[215] د/ عمر عبد الرحمن الساريسي – نصوص من أدب عصر الحروب الصليبية  – دراسة وتحليل – دار المنارة للنشر  – جدة  – السعودية  – ط1  – 1985م – ص 56.

[216] د/ عمر عبد الرحمن الساريسي – المرجع السابق – ص 57.

[217] د/ عمر عبد الرحمن الساريسي – مرجع سابق – ص 62.

[218] د/ عمر عبد الرحمن الساريسي  – مرجع سابق  -ص 33.

[219] د/ عمر عبد الرحمن الساريسي  – مرجع سابق  -ص 98.

[220] أحمد أحمد بدوى – صلاح الدين الأيوبي  بين شعراء عصره وكتابه – المكتبة الثقافية – وزارة الثقافة والإرشاد القومي  – الإدارة العامة للثقافة  – مصر – 1960م – ص 87.

[221] أحمد أحمد بدوى – مرجع سابق – ص 135.

[222] محمد سلام زغلول – مرجع سابق  – ص 192.

[223] محمد سلام زغلول – مرجع سابق  – ص 193.

[224] سامى الدهان – الهجاء  ” سلسلة فنون الأدب العربي ” – دار المعارف – القاهرة  – 1957م – ص 87.

[225] محمد يوسف عبد العزيز غريب  – اتجاهات الهجاء في القرن الثالث الهجرى  – دار المسيرة  – بيروت – ص86.

[226] محمد يوسف عبد العزيز غريب  – المرجع السابق  – ص 87.

[227] محمد يوسف عبد العزيز غريب  – المرجع السابق  – ص 116

[228] محمد سلام زغلول – مرجع سابق  – ص 328.

[229] د/ عمر موسى باشا  – الأدب في بلاد الشام عصور الزنكيين والأيوبيين والمماليك – المكتبة العباسية  – دمشق  – سوريا – ط2 – ص 411.

[230] محمد سلام زغلول – مرجع سابق  – ص 320 .

[231] محمد بن أحمد بن طباطبا  – عيار الشعر – شرح وتحقيق  –  عباس عبد السات  – دار الكتب العلمية – بيروت – ط1 – 1982م – ص 12.

[232] ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ – البيان والتبيين  – تحقيق عبد السلام محمد هارون – دار الفكر  – بيروت – ط4 – ص 76

[233] د/ يوسف حسين بكار  – النقد العربى القديم فى ضوء النقد الحديث – دار الأندلس  – بيروت  – ط2  – 1983م – ص 76

[234] محمود فاخورى – سفينة الشعراء  – مكتبة الثقافة  – حلب  – 1977م – ط 3 – ص 9 ، ينظر معجم الشامل مادة ( قطعة ) .

[235] أبى على الحسن بن رشيق القيرواني  الأزدى – العمدة فى محاسن الشعر وآدابه ونقده  – تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد – دار الجيل للطباعة والنشر والتوزيع – ط5 – 1981م – ج1 – ص 350.

[236] أبو عثمان الجاحظ ( ت 255 هـ ) – الحيوان – تحقيق عبد السلام محمد هارون  – دار الجيل – بيروت  – 1992م ج1  – ص 93 ، ينظر أبو الحسن حازم القرطاجنى  – ( ت 684 هـ ) منهاج البلغاء وسراج الأدباء – تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة  – دار الغرب اللاسلامى – بيروت – ط3 – 1986م – ص 302:351.

[237] أبى على الحسن بن رشيق القيرواني  الأزدى – العمدة فى محاسن الشعر وآدابه ونقده   – مرجع سابق – ج1 – ص 347.

[238] محمد بن نصر الله من مكارم بن الحسن بن عنين، أبو المحاسن، شرف الدين، الزرعي الحوراني الدمشقي الأنصاري – الديوان – تحقيق خليل مردم بك – دار صادر  – ط2  – بيروت  – 1959م – ص 90.

[239] رولا ناصر سليمان  – شعر أسامة بن منقذ دلالاته وخصائصة الفنية  – ماجستير – جامعة دمشق – ص 199.

[240] أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشيزري، أبو المظفر، مؤيد الدولة – الديوان –  تحقيق أحمد أحمد بدوى ، وحامد عبد المجيد  – عالم الكتب – مصر – 1953م – ص 296.

[241] د/ عبدالله حسين البار  – تجليات البناء الشعرى وأبعاده فى القصيدة الجاهلية : شعر أمرئ القيس نموذجاً – دار حضرموت للدراسات والنشر والتوزيع – 2002م / 1423هـ – اليمن  – ص 12.

[242] يورى لوتمن – تحليل النص الشعرى بنيه القصيدة  – ترجمة د/ محمد فتوح أحمد – دار المعارف  – مصر  – 1995م – ص 60.

[243] د/ بسام قطوس  – وحده القصيدة فى النقد العربى الحديث : دراسة فى تطور المفهوم واتجاهات النقاد المعاصرين – دار الكندى للنشر والتوزيع  – الأردن – 1999م – ص 7.

[244] أبى على الحسن بن رشيق القيرواني  الأزدى – العمدة فى محاسن الشعر وآدابه ونقده  – مرجع سابق – ص 117

[245] أبى هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرى  – الصناعتين فى الكتابة والشعر  – مطبعة محمود بك – بالاستانة – 1319 هـ – ط1 – ص 431.

[246] المرجع السابق- ص 435.

[247] أبى هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرى  – الصناعتين فى الكتابة والشعر  – مرجع سابق – ص 489.

[248] اسامة بن منقذ – البديع فى نقد الشعر  – تحقيق أحمد بدوى، حامد عبد المجيد – مكتبة الحلبى  – القاهرة – 1960م – ص 400.

[249] المصدر السابق – ص 218.

[250] تقى الدين أبو بكر على ابن حجه الحموى – خزانه الدب وغاية الأرب  – دار القاموس للطباعة والنشر  – بيروت – ج 1 –  ص 30.

[251] محمد بن نصر الله من مكارم بن الحسن بن عنين، أبو المحاسن، شرف الدين، الزرعي الحوراني الدمشقي الأنصاري – المعروف بابن عنين – الديوان – تحقيق خليل مردم بك – دار صادر  – ط2 – بيروت – 1959م – ص 77.

[252] أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشيزري، أبو المظفر، مؤيد الدولة – الديوان – تحقيق  أحمد أحمد بدوى ، حامد عبد المجيد  – عالم الكتب  – القاهرة  – 1953م – ص

[253] عبد الرحيم بن علي بن السعيد اللخمي، المعروف بالقاضي الفاضل –  الديوان  – تحقيق أحمد أحمد بدوى ، ابراهيم الابيارى – دار المعرفة  – ط1 – القاهرة  – 1961م – ج 2  – ص 488.

[254] محمد بن محمد صفي الدين بن نفيس الدين حامد بن ألُه، أبو عبد الله، عماد الدين الكاتب الأصبهاني – الديوان – تحقيق ناظم رشيد – جامعة الموصل – الموصل  – 1983م – ص 262.

[255] ابن سناء الملك  – الديوان – تحقيق محمد ابراهيم نصر  – 1996م – دار الكاتب العربى للطباعة والنشر – ص 813.

[256] علي بن محمد بن رستم بن هَردوز، أبو الحسن، بهاء الدين ابن الساعاتي – الديوان – تحقيق أنيس المقدسي  – مطبعة الناصرة  – بيروت – 1955م – ج2 –  ص 385.

[257] د / صالح مفقوده – رأى ابن رشيق القيروانى فى بنيه القصيدة ومكانته الأدبية  – مجلة العلوم الإنسانية  – جامعة محمد خيضر بسكره  –  العدد الرابع – مايو 2004م – ص 125

[258] ابن رشيق القيرواني   – العمدة فى صناعة الشعر ونقده  – تحقيق محيي الدين عبد الحميد – دار الجيل  – ط4  – بيروت  – 1972م – ج1 – ص 239.

[259] يوسف حسين بكار  – بناء القصيدة فى النقد العربى القديم فى ضوء النقد الحديث – دار الاندلس  – بيروت – ط2 – 1982م – ص 22.

[260] محمد بن نصر الله من مكارم بن الحسن بن عنين، أبو المحاسن، شرف الدين، الزرعي الحوراني الدمشقي الأنصاري – المعروف بابن عنين – الديوان – مرجع سابق – ص 69.

[261] محمد بن محمد صفي الدين بن نفيس الدين حامد بن ألُه، أبو عبد الله، عماد الدين الكاتب الأصبهاني – الديوان – مرجع سابق – ص 263.

[262] علي بن محمد بن رستم بن هَردوز، أبو الحسن، بهاء الدين ابن الساعاتي – الديوان – الجامعة الامريكية  د. ط – بيروت – 1938م – ج2 – ص 311.

[263] ابن رشيق القيرواني   – العمدة فى صناعة الشعر ونقده   – مرجع سابق – ج1 – ص 239.

[264] ححازم القرطاجني – منهاج البلغاء وسراج الأدباء  – تحقيق / محمد الحبيب بن الخوجة – 1966م – دار الكتب الشرقية  – تونس – ص 306.

[265] عبد المنعم بن عمر بن عبد الله الجلياني الغساني الأندلسي، أبو الفضل – ديوان المبشرات والقدسيات  – تحقيق عبد الجليل عبد المهدى – 1988م  – دار البشير  – عمان  – ص 135: 136.

[266] محمد بن نصر الله من مكارم بن الحسن بن عنين، أبو المحاسن، شرف الدين، الزرعي الحوراني الدمشقي الأنصاري – المعروف بابن عنين – الديوان – مرجع سابق – ص 67.

[267] يحيى بن عيسى بن إبراهيم، جمال الدين، ابن مطروح – الديوان  – تحقيق حسين نصار  – دار الكتب والوثائق القومية  – القاهرة – 2004م – ص 88.

[268] ا زهير بن محمد بن علي المهلبي العتكي بهاء الدين. – الديوان – مرجع سابق – ص 47.

[269] محمد سعد شحاته  – العلاقات النحوية وتشكيل الصورة الشعرية عند محمد عفيفي مطر  –  الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة – ط1 – 2003م  – ص 111 ، محمد القاسمي – الصورة الشعرية بين الابداع والممارسة النقدية  – مجلة  فكر ونقد  – العدد 37 – 2001م – السنة الرابعة  – ص 67.

[270]  منير سلطان – الصورة الفنية فى شعر المتنبي  التشبيه – منشأة المعارف  – الاسكندرية – 2002م  – ص 148.

[271]   مدحت الجيار  – الصورة الشعرية عند ابي القاسم الشابي  – الدار العربية للكتب  – 1984م  – ص 6

[272] الولى محمد  – تحديد الصورة وأهميتها فى الخطاب الشعري  – مجلة الأداب والعلوم الانسانية  – العدد 9  – 1987م ص 200.

[273] د/ عبد الكريم راضي جعفر – رماد الشعر دراسة فى البنية الموضوعية والفنية للشعر الوجداني الحديث فى العرراق  – ط1  دار الشؤون الثقافية العامة – آفاق عربية – 1988م – ص 224.

[274]   د/ احمد على دهمان – الصورة البلاغية عند عبد القاهر الجرجاني منهجاً وتطبيقاً  – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – ط2 – 2000م  – ص 143.

[275]   محمد بن حمود حبيبي – الاتجاه الابتداعي فى الشعر السعودي إلى بداية التسعينات الهجرية – اصدارات المهرجان الوطنى للتراث والثقافة  – ط1 – 1997م / 1417هـ – ج2 – الرياض – ص 200.

[276]   أحمد الشايب – أصول النقد الأدبي  – مكتبة النهضة المصرية  – ط8 – القاهرة – 1073م  – ص 242.

[277]  بهاء الدين على ابن الساعاتي – الديوان – تحقيق أنيس المقدسي – المطبعة الأمريكانية  – بيروت – 1938م – ج2 – ص 107.

[278] المرجع السابق – ج2 – ص 22.

[279] بهاء الدين على ابن الساعاتي – الديوان – مرجع سابق – ج 2- ص 317

[280] بهاء الدين على ابن الساعاتي – الديوان – مرجع سابق – ج 2- ص 328.

[281] بهاء الدين على ابن الساعاتي – الديوان – مرجع سابق – ج 1- ص 155.

[282] بهاء الدين على ابن الساعاتي – الديوان – مرجع سابق – ج 1- ص 116.

[283] بهاء الدين على ابن الساعاتي – الديوان – مرجع سابق – ج 2 – ص 72.

[284] محمد شهاب الدين الدمشقي  فتيان الشاغورى – الديوان – تحقيق أحمد الجندى  – مطبوعات مجمع اللغة العربية – دمشق – 204.

[285]  عبد الرحيم بن علي بن محمد بن الحسن اللخمي المعروف بالقاضي الفاضل – الديوان  – تحقيق أحمد بدوى –  دار المعرفة  – القاهرة  – 1961م – ط1 – ج2  – ص435.

[286] ابن سناء الملك – الديوان – تحقيق محمد ابراهيم نصر  – مراجعة حسين محمد نصار  – دار الكاتب العرب  – القاهرة  – 1969م – ج2 – ص 513.

[287] ابن النبيه  –  الديوان – تحقيق عمر الأسعد – دار الفكر – 1969م – ص 106.

[288] د/ ابراهيم السامرائى  – لغة الشعر بين جيلين – – مرجع سابق – ص 38.

[289] على عبد العزيز الجرجاني  = دلائل الإعجاز فى المعانى  – تحقيق السيد رشيد رضا  – دار المنار  – مصر  – ط4 –  1367 هـ – ص 361.

[290]  عبد الرحمن ابن خلدون – مقدمة ابن خلدون – دار القلم – بيروت – 1992م –  ط11  – ص 570.

[291]  فتيان الشاغورى بن على الاسدي – الديوان  – تحقيق أحمد الجندى – مطبوعات مجمع اللغة العربية  – دمشق – ص 109

 [292] أبو المحاسن محمد ابن عنين –  الديوان – تحقيق خليل مردم بك – دار صادر – ط2 – بيروت  – ص 188

[293] المرجع السابق – ص 230

[294] على بن محمد  – ابن الساعاتي  – الديوان – تحقيق انيس المقدسي – المطبعة الامريكانية  – بيروت – 1939م – ج2 – ص 10.

[295] أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشيزري، أبو المظفر، مؤيد الدولة – الديوان  – مرجع سابق      – ص 253

[296] احمد أحمد بدوى – اسس النقد الأدبى عند العرب –  دار نهضة مصر – 1994م – مصر – ص 124

[297] أبو هلال الحسن ابن عبد الله بن سهل – الصناعتين – تحقيق على محمد البجاوي ، محمد أبو الفضل إبراهيم – دار إحياء الكتب العربية  – 1951م  – ص 59.

[298]  عبد العظيم بن عبد الواحدبن ظافر المصرى ابن أبي الإصبع – تحرير التحبير فى صناعة الشعر وبيان إعجاز القرآن  – تحقيق حنفى محمد شرف – لجنة إحياء التراث الإسلامي  – القاهرة – 1963م / 1383 هـ  – ص 195.

[299] د. إبراهيم السامرائي  – لغة الشعر بين جبلين – المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع – بيروت –  ط2 – 1980-  ص 10.

[300] القاضي الفاضل – الديوان – تحقيق احمد احمد بدوى – مراجعة إبراهيم الأبيارى – دار المعرفة – 1961م – القاهرة  – ج2 – ص 407.

[301]  عمر عبد الرحمن الساريسي – مرجع سابق – ص 60.

[302] عمر موسى باشا  – الأدب فى بلاد الشام عصور الزكيين والأيوبيين – والمماليك – – مرجع سابق – – ص 639.

[303]عمر عبد الرحمن الساريسي – مرجع سابق – ص 59.

[304] أحمد أحمد بدوى – صلاح الدين الأيوبي بين شعراء عصره وكتابه  – وزارة الثقافة والإرشاد القومي – الإدارة العامة للثقافة  – 1960م – القاهرة – ص 134 : 135.

[305] د/ محمد على الهرفي – شعر الجهاد فى الحروب الصليبية فى بلاد الشام – دار المعالم الثقافية للنشر والطبع والتوزيع  – السعودية- 1979م – ص 156 ،157 .

[306] المرجع السابق – ص 161.

[307] د/ محمد سلام زغلول  – تاريخ النقد العربي فى القرن الخامس إلى القرن السابع – دار المعارف – القاهرة  – ص 313.

[308] عبد اللطيف حمزة – الحركة الفكرية في مصر في العصر الأيوبي والمملوكي الأول بمصر والشام – دار الفكر العربى – القاهرة – ط1 – 1947م – ص 28.

[309] شفيق محمد عبد الرحمن الرقب  – الشعر العربى فى بلاد الشام فى القرن السادس الهجري – دار الصفاء – جامعة مؤتة – 1993م – ص 35

[310] عمر عبد الرحمن الساريسي – مرجع سابق – ص 57.

[311] عمر موسى باشا – الأدب فى بلاد الشام عصور الزنكيين والأيوبيين والمماليك – مرجع سابق – ص 589.

[312] عمر عبد الرحمن الساريسي – مرجع سابق – ص 641.

[313] شفيق محمد عبد الرحمن الرقب – مرجع سابق – ص 313.

[314] عمر عبد الرحمن الساريسي – مرجع سابق – ص 60.

[315] د/ محمد على الهرفي –  مرجع سابق – ص 168: 166.

[316]  أحمد سيد محمد – الشخصية المصرية فى الأدبين الفاطمي والأيوبي  – دار المعارف – القاهرة  – ط2 – 1992م – ص 254: 256.

[317] وئام محمد سيد أنس – الذات وأحوالها فى شعر البهاء زهير – مجلة جامعة الملك سعود – م21 – الرياض – 2009م / 1430 هـ  – ص 2.

[318] زهير بن محمد بن علي المهلبي العتكي، بهاء الدين.- المعروف بهاء الدين زهير – الديوان  – تحقيق / محمد طاهر الجبلاوى ، محمدأبو الفضل إبراهيم – دار المعارف المصرية – ط2 – ص 47.

[319] بن محمد بن علي المهلبي العتكي، بهاء الدين.- المعروف بهاء الدين زهير – الديوان  – تحقيق / محمد طاهر الجبلاوى ، محمدأبو الفضل إبراهيم  – مرجع السابق – ص 241.

[320] بن محمد بن علي المهلبي العتكي، بهاء الدين.- المعروف بهاء الدين زهير – الديوان  – تحقيق / محمد طاهر الجبلاوى ، محمدأبو الفضل إبراهيم – مرجع سابق – ص 30 .

[321] وئام محمد سيد أنس – الذات وأحوالها فى شعر البهاء زهير – مرجع سابق  – ص 10.

[322] [322] وئام محمد سيد أنس – الذات وأحوالها فى شعر البهاء زهير – مرجع سابق  – ص 8.

[323] وئام محمد سيد أنس – الذات وأحوالها فى شعر البهاء زهير – مرجع سابق  – ص 33.

[324] د/ عبد الفتاح شلبي – نوابغ الفكر العربى البهاء زهير – دار المعارف بمصر – ط2 –  ص 41

[325] مصطفى عبد الرازق –  البهاء زهير – مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة  – ط1 – 1930 م / 1348 هـ – ص ح.

[326] مصطفى عبد الرازق –  مرجع سابق  – ص 19.

[327] مصطفى عبد الرازق –  مرجع سابق  – ص 27.

[328] صقر خليل عبد العزيز الكايد – توظيف الموروث فى شعر ابن سناء الملك – ماجستير – جامعة اليرموك – 2011م – ص 2.

[329] محمد ابراهيم نصر – ابن سناء الملك  أعلام العرب – الهيئة العامة للتأليف والنشر – القاهرة – 1971م – ص 148.

[330] محمد ابراهيم نصر – مرجع سابق – ص 149.

[331] محمد ابراهيم نصر – مرجع سابق – ص 149.

[332] محمد ابراهيم نصر – مرجع سابق – ص 150.

[333] محمد ابراهيم نصر – مرجع سابق – ص 153.

[334] محمد ابراهيم نصر – مرجع سابق – ص 155,

[335] محمد ابراهيم نصر – مرجع سابق – ص 153.

[336] محمد ابراهيم نصر – مرجع سابق – ص 154.

[337]  د/ أحمد أحمد بدوى – الحياة الدبية فى عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 196.

[338] المرجع السابق – ص 198.

[339] د/ أحمد أحمد بدوى – الحياة الدبية فى عصر الحروب الصليبية بمصر والشام – مرجع سابق – ص 200.

[340] محمد كامل حسين  – دراسات في الشعر في عصر الأيوبيين – دار الكتاب العربي – مصر – 1975م – ص 212.

[341] المرجع السابق – ص 214.

[342] العماد الأصفهاني – خريدة القصر وجريدة العصر – تحقيق أحمد أمين ، شوقي ضيف ، إحسان عباس – لجنة التأليف والترجمة والنشر – القاهرة – 1951م – ج1.

[343] محمد كامل حسين  – دراسات في الشعر في عصر الأيوبيين – مرجع سابق – ص 202، 203.

[344] محمد كامل حسين – في أدب مصر الفاطمية – دار الفكر العربي – القاهرة  – ط2 – 1970م – ص 315.

[345] شوقي ضيف – – الفن ومذاهبة – دار المعارف – القاهرة  – ط7 – 1974م – ص 368.

[346] المرجع السابق – ص 370.

[347] شوقي ضيف – – الفن ومذاهبة  – مرجع سابق – ص 370.

[348] عبد اللطيف حمزة  – الأدب المصري من قيام الدولة الأيوبية إلي مجئ الحملة الفرنسية  – مكتبة النهضة المصرية  – ص 180.

[349] عبد اللطيف حمزة – الحركة الفكرية في مصر في العصر الأيوبي والمملوكي الأول بمصر والشام – دار الفكر العربى – القاهرة – ط1 – 1947م – ص 28.

[350] المرجع السابق – ص 14.

[351] الأسنوي – طبقات الشافعية الكبري – تحقيق / عبد الله الجبوري  – ط1 – ج4 – بغداد – 1971م – ص 253.

[352] ابن عبد الظاهر – الدر النظيم من ترسل عبد الرحيم – تحقيق د/ احمد احمد بدوى – مكتبة نهضة مصر  – القاهرة – ص 4.

[353] ابن عبد الظاهر – الدر النظيم من ترسل عبد الرحيم – مرجع سابق – ص 6.

[354] أحمد أحمد بدوى – القاضي الفاضل  دراسة ونماذج – مكتبة نهضة مصر  – القاهرة – 1959م – ص 3

[355] محمد زغلول سلام – الدب في العصر الأيوبي – دار المعارف – القاهرة – ط 1 – 1967م – ص 231.

[356] ابن حجة الحموي  – ثمرات الأوراق في المحاضرات – تقديم وشرح / مفيد قميحة – دار الكتب العلمية – بيورت – ط1 – 1983م – ص 51.

[357] عبد اللطيف حمزة – الأدب في الحروب الصليبية – دار الفكر العربي – القاهرة – ط1 – 1949م – ص 232.

[358] ابن التعاويذى – ديوان ابن التعاويذى – تحقيق مرجليوث – مطبعة المقتطف – مصر  – 1903م – ص 194 .

[359] ابن شاكر الكتبي  – فوات الوفيات – تحقيق / إحسان عباس  – ج2 –  دار صادر – بيروت  – 1974م – ص196.