المدن الاجتماعية في الإمارات
المدن الاجتماعية في الإمارات

المدن الاجتماعية في الإمارات

ورقة مقدمة للمشاركة في المؤتمر الإسكاني العربي بالعاصمة الاردنية عمان

الدكتور/ محمد محمود آل حرم

المقدمة:

المدن الاجتماعية في الإمارات، المسكن أغلى سلعة يشتريها الإنسان في حياته، ولكن بمجرد شراءها تتحول إلى حياة متكاملة منها الاجتماعي ومنها الإنساني بالإضافة إلى العمراني والهندسي، ولذلك فإن عملية الإسكان وتوفير السكن المناسب الذي يلبي احتياجات الأسرة تعتبر عملية ليست باليسيرة لأنه تختلط فيها الاعتبارات الثقافية والاجتماعية، وحيث أن التخطيط العمراني يعتبر أول هذه العوامل فإن البحث يسلط الضوء على المدن الاجتماعية في الإمارات، و على فكرة المدن الاجتماعية التي تسعى لجعل الإنسان هو المحور الأول لعملية الإسكان.

مشكلة البحث:

تعاني المجمعات السكنية في الإمارات من عدم توفر البيئة الملائمة للقيام بالأنشطة الاجتماعية الأساسية المطلوبة في كل مدينة كالمشي واللقاءات الاجتماعية وقيادة الدراجات الهوائية والمشي إلى المدارس وغيرها لذلك أسعى في هذا البحث لمناقشة المشكلة الأساسية وهي ” عدم توفر البيئة الإنسانية الاجتماعية الملبية لاحتياجات الإنسان” ويمكننا تفصيل المشكلة في التالي:

  1. أن السيارة والشوارع التهيئة لها أصبحت محور تصميم المجمعات والمدن السكنية.
  2. أن حركة المشاة أصبحت شبه معدومة وسط المجمعات السكنية وتحيط بها أخطار لا تعد ولا تحصى.
  3. أن نسبة السمنة والأمراض المزمنة في ازدياد و التي تعتبر قلة الحركة عامل أساسي فيها.
  4. أن المشي والرياضة أصبحت مهمة ثقيلة تتطلب وقتا محددا ومكاناً مناسبا وغالباً لا يستطيع 90% من سكان المدينة الوصول إليه الا بالسيارات.

فرضية البحث:

تعتمد فرضية البحث على أنه ” يمكننا من خلال إعادة تخطيط وتصميم المجمعات السكنية خلق بيئة إجتماعية إنسانية ملائمة قادرة على تعزيز حركة الإنسان الفطرية كالمشي واللقاءات وغيرها، ويمكننا تلخيص الفرضيات في:

  • يمكن تعزيز سلوكيات المشاة وقيادة الدراجات من خلال توفير بيئة ملائمة في المجمع السكني والمدينة.
  • يمكن تعزيز اللقاءات الاجتماعية بين الجيران من خلال خلق بيئات ألعاب وتجمعات الأطفال.
  • يمكن التقليل من حوادث السيارات من خلال تحييد السيارة وجعل الإنسان رقم واحد في المجمع أو المدينة.

الوضع الحالي:

ابتدأت الفكرة من خلال دراسة الوضع الحالي القائم في دولة الإمارات على المجمعات السكنية والتي تبين من خلال الإحصاءات أن أغلب الاسر الإماراتية تواجه عدة صعوبات في المجمعات السكنية الحالية، فمثلا عند سؤال بعض أرباب الأسر عن أهم الصعوبات التي تواجه الأسر في المجمع السكني كانت الإجابة الأولى لنسبة 60% من الإحصائية الحوادث، وعليه تم اعتماد عامل السيارة كمؤثر أول في تخطيط وتصميم المخطط العمراني للمناطق السكنية.

أولا: الطرقات والسيارات: تعتبر المدن الحديثة ومنذ دخول السيارة فيها عبارة عن شوارع تتخللها مساكن فيقول الدكتور خالد الطياش أن احياؤنا شوارع تتخللها بيوت ومنازلنا قلاع تحيطها أسوار، ويضيف عن واقع مدينة الرياض

“أحياء مدينة الرياض بواقعها الحالي أصبحت شوارع يتخللها عدد من البيوت بدلاً من أن تكون بيوتاً يتخللها عدد من الشوارع وأصبحت تلك الأحياء مناطق عبور من شارع رئيسي إلى آخر تجنباً للزحام وبسرعات عالية لم تعقها المطبات الصناعية المنتشرة في شوارع الحي فأصبح الحي بوحداته السكنية المتعددة وشوارعه الداخلية خالياً وبصورة دائمة من كل مظاهر الحياة الإنسانية وتبقى السيارة العنصر الوحيد المسيطر على انحائه”(2010، الطياش)

ولا يختلف حال أغلب دول الخليج عن هذا الحال حيث أن مخططات المناطق السكنية وتوزيعها يشجع السيارة على التحرك ويساعد على اختراقها بسهولة بينما في المقابل يُعيق حركة المشاة وهذا الذي جعل محور المدينة الرئيسي الشارع وليس الإنسان. انظر شكل (1)

اجهات المساكن الحالية على شوارع رئيسية (الباحث)

ثانيا: تكوين الصداقات: يشير الكاتب توماس لأسولي في كتابهالاعتبارات الإنسانية في التصميم المعماري” أن عامل تكوين الصداقات بين الجيران من أهم العوامل التي لا بد أن يضعها المعماري والمخطط العمراني في حسبانه وهو يخطط المنطقة السكنية والتي بدورها تختلف عن أماكن العمل والدراسة وغيرها من الاستخدامات، فيشير مثلا أن المكان المخصص للأطفال بين المساكن يعتبر أكبر حافز للتعارف بين الأهالي حيث أن وجود مكان مخصص للألعاب في منطقة وسطية بين المساكن تجعل من وصول الأطفال والأهالي إليها في غاية اليسر والسهولة.(لاسويل،2008)

وعليه فإن الواقع الحالي يشير إلى تلاشي الأماكن الآمنة التي تجمع الأطفال والأهالي في أماكن محددة وسط المجمعات السكنية، وأن وجدت في بعض المناطق المخصصة للعب الأطفال فإنها تعاني من ضعف التواصل نتيجة عدة اعتبارات أهمها  بعدها عن المساكن وعدم دراسة المسافة المنطقية التي يمكن أن يقطعها الساكن لكي يصل إلى هذه الأماكن بالإضافة إلى أحاطتها بشوارع مسفلتة وبعضها رئيسية وبذلك تصبح الوسيلة الأساسية للوصول إليها السيارة وهذا يجعلها غير آمنة. انظر شكل (2)

الاعتبارات الإنسانية في التصميم المعماري

ثالثا: الحركة والمشاة: تعتبر الحركة والمشاة أو استخدام الدراجات الهوائية في المجمعات السكنية الحالية كالمشي في حقل من الالغام بحيث لا توجد أماكن مخصصة للمشاة أو لقيادة الدراجات حتى محاولة المشي على الارصفة الموازية للمساكن ما هي إلا عملية صعود وهبوط وذلك لتوفير مداخل مخصصة للسيارات إلى المساكن، وهذ يدلل على الجانب الأول وهو أن محمور التخطيط هو السيارة وليس الإنسان.

في هذا الجانب نلاحظ أن البلديات ومجالس المدن تسعى لإيجاد حلول لمشكلة عدم المشي أو استخدام الدراجات الهوائية والرياضة بشكل عام مما يتسبب في عدة مشاكل ناتجة عن قلة الرياضة وضعف الحافز لممارستها فنرى أن هناك مماشي مخصصة في كل إمارة سواء على الكورنيش أو غيرها وغالباً ما تكون هذه المماشيي أو أماكن قيادة الدراجات الهوائية في مكان عام وله إطلالات معينة، وبالرغم من إيجابية هذا الحل إلا انه احدث مشكلة كبيرة لا تكاد تلاحظ على المدى القريب ولكنها أحدثت في المجتمع وحياة الفرد مشكلة أن الرياضة تحولت في الثقافة من سلوك يومي – كما في معظم الدول الاوربية- بحيث أنه يمارس الرياضة في الذهاب للعمل والمدرسة والمحلات وغيرها إلى مهمة شاقة تتطلب توفير وقت محدد لها ووسيلة انتقال مخصصة بحيث أن من لا يملك وقت كاف ووسيلة انتقال مناسبة لا يستطيع الوصول إلى الممشى المحدد من البلديات وبذلك أصبح الوقت المستغرق في وسيلة الانتقال ذهابا وإيابا أكثر من وقت الرياضة نفسها.

حجم الأراضي السكنية: تعتبر أحجام الأراضي السكنية في الإمارات من أكبر الأسباب التي تسبب تباعد بين الجيران بالإضافة إلى عمل المسكن كمملطه مستقلة يجعله في معزل عما يحيط به من مساكن خاصة مع توفر كل الوسائل الترفيهية بداخل أسواره، أضف إلى ذلك أنه كلما زاد حجم الأراضي كلما ازداد تقارب الجيران كمساحة وازداد تباعد المساكن عن مجمع الخدمات للحي الواحد فترى مثلا أنه في حال حجم أرض( 15000 قدم مربع) وهو المتوسط لتوزيع الأراضي في الإمارت يصبح الجار السابع – الذي اوصى به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم- يبعد مسافة لا تقل عن 300 متر إذا اخذنا في الاعتبار الشوارع والطرقات وإذا قسنا ذلك على المكان المخصص للخدمات أو المسجد المخصص للصلاة اليومية يتوجب توفير مسجد لكل 50 مسكن على أكبر تقدير.شكل (3)

حجم الأراضي السكنية

فكرة البحث

إعادة تصميم وتخطيط المنطقة السكنية بحيث يتم معالجة كل المعوقات التي تجعل الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة متوازنة توفر له السكن والطمأنينة، ولمعالجة ذلك تم التركيز على عدة جوانب أهمها:

أولا: الإنسان وليس السيارة المحور الأساسي للتصميم

اعتبار الانسان هو محور التخطيط يتوجب دراسة وضع المساكن في مناطق محددة مع بداية التصميم بحيث يتم دراسة الواجهات المناسبة والاتجاهات المثالية والإطلالات الكافية ثم علينا أن تكون الشوارع والطرقات خادمة لهذا المسكن الذي يحوي الإنسان.شكل (4)

 الإنسان وليس السيارة المحور الأساسي للتصميم

مجرد إعادة التفكير في فكرة التصميم وليس بالضروري أن تكون لكل مسكن حديقة شاسعة كالتي نلاحظها في الشكل السابق يتبين لنا أن الشارع وبالرغم من أنه يصل لكل مسكن إلا أنه لازال هامشيا مقارنة بالمسكن، وإذا اضفنا لذلك التواصل الذي يمكن أن تحدثه بعض الحلول لفكرة أن تكون إطلالة المساكن الرئيسية على واجهات آمنة وليست شوارع –بعضها رئيسية- يمنح الساكن شعور بأهمية المكان الذي تم توجيه المسكن إليه وعدم أهمية الشوارع الذي يسبب له المتاعب.

في هذ الجانب أيضا يمكننا ملاحظة أنه كلما كانت حركة المشاة سهلة إلى مقر الخدمات كلما تعرقلت حركة السيارات أكثر وهذا هو المطلوب في مثل هذه المجمعات التي تشجع على المشي والحركة الآمنة. شكل (5)

ثانيا: الحركة والمشي سلوك وليس مهمة

المعيار الثاني الذي تم اعتماده لتحويل المدينة السكنية إلى مدينة إنسانية اجتماعية هو تحويل المشي والحركة التي اعتاد الناس عليها على مر العصور من مهمة من المهام التي أصبحت كثيرة من نشوء المدن الحديثة إلى سلوك يومي يجب على الشخص ممارسته لقضاء حوائجه المهمة ومنها عدة مبادرات في المدينة الاجتماعية وهي:

  • أن يصل ما لا يقل عن 50% من الطلبة إلى مدارسهم مشياً أو باستخدام الدراجات الهوائية، وفي سبيل ذلك تم تهيئة المدينة بحيث تتواصل فيما بينها بممرات آمنة تشجع المشي وتجعل انتظار الحافلات أو استخدام السيارات أمرا غير محبب بالإضافة إلى اعتماد نظام للمدارس المشتركة الحديثة بحيث يكون هناك مقر لمدراس تحوي كافة المراحل ولكن بإدارات مختلفة بحيث يكون يتوفر لكافة سكان المدينة مدرسة لا تبعد عن مساكنهم أكثر من 1500 متر.
  • أن يكون لكل مسكن حديقة تربطه بجيرانه لا تخترقها السيارات وبذلك يمكن ضمان التواصل بين الجيران دون اختراق شوارع تهدد حياتهم بالإضافة لتشجيع الأهالي على استخدام الحدائق المشتركة بدلا من الحدائق الخاصة بكل مسكن. شكل (6)

الخلاصة:

يمكننا من خلال هذه الفكرة والتجربة تحقيق عدة أهداف أهمها

  • تقليل نسبة الحوادث: حيث أن عبور الشوارع للأطفال والمشاة ستكون ضئيلة جداً حيث تم تقليل مساحات الشوارع من المجمعات الحالية بنسبة 25% الى 15% في المجمعات الاجتماعية.
  • تقليل نسبة الجريمة: حيث أثبتت الدراسات أن زيادة التعارف بين الجيران يقلل نسبة السرقات، بالاضافة إلى قطع الطريق لاعتبار المجمع ممر للسيارات حيث يتم الانتهاء من الطريق في نقطة التقاء لا تسمح الا بالسكان لاختراقها. 
  • زيادة التواصل الاجتماعي بين الجيران بحيث أن مراكز العاب الأطفال تساعد في تجميع الاهالي حولها ومع اعتبار عامل حجم الارض الذي يسمح بالزيارات المتبادلة.
  • تقليل نسبة الأمراض المزمنة كالسكري بتشجيع المشي من وإلى مناطق الخدمات وبين الجيران.

المراجع

  • جريدة الرياض السعودية ، الخميس 24 محرم 1432 هـ – 30 ديسمبر 2010م – العدد 15529
  • الاعتبارات الإنسانية في التصميم المعماري، توماس لاسويل، 2008